728 x 90

سوريا حصلت على المحروقات وخسرت معركتها

1811229726.jpg

 

 

سوريا حصلت على المحروقات وخسرت معركتها

قطع.. مفاوضات... استئناف.. فما الثمن؟

توريدات النفط الإيرانيّة إلى سوريا بيد مرشد الثورة الإسلاميّة

 

 

نجت الحكومة السورية من مأزق قاتل، وتجاوزت أصعب مرحلة واجهتها، منذ تشكيلها في صيف 2016، إذ تتحدّث المعلومات الواردة من دمشق، عن حدوث انفراجة في تأمين الغاز المنزلي والمازوت، بعد أزمة خانقة خلال الفترة المنصرمة. وأكّدت مصادر متقاطعة لـ (صُوَر) أن نصيحة قدّمها الفريق الإيراني الراغب باستمرار العلاقة مع سوريا بفتح ملفّ قطع طهران توريدات النفط إلى سوريا، قبل نهاية العام الماضي، مع المرشد العام للثورة الإسلامية الذي يمتلك وحده صلاحية استمرار تزويد سوريا بالنفط من عدمه، فالقرار بيده.

 

أعقد الملفّات

 

بشكل مفاجىء، أُعلن عن انتهاء زيارة رسمية للرئيس السوري بشار الأسد في 25 شباط الماضي لطهران، بلا أي مسؤول سوري آخر يرافقه، امتدّت لساعات، وهي الزيارة الثانية له إلى إيران منذ 2011. وفي الوقت الذي ذهب فيه المغرّدون وتعليقات وسائل الإعلام المختلفة لتحليل غياب العلم السوريّ عن اللقاءات التي أجراها الأسد في طهران، كان الجانبان قد انتهيا من مناقشة ملفّات عدّة، رشح منها حسب ما حصلت (صُوَر) على بعضها ـ ملفّ المحروقات الذي كان من أعقد الملفّات وأخطرها التي تواجه العلاقة بين البلدين، في ظل تكتّم رسميّ مُريب.

 

ونقلت المصادر لـ (صُوَر) أنه بعد عودة الأسد إلى دمشق بأيام حدثت الانفراجة في قطاع الطاقة، ما يعني أن الأسد عاد من طهران بموافقة من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي باستئناف توريد النفط الخام، وهي عبارة عن ناقلتي نفط شهرياً. دون أن تتمكّن (صُوَر) من الحصول على المزيد من المعلومات الإضافية المتعلّقة بمدّة هذا التوريد، والثمن الجديد المدفوع، أم أنه سيضاف كديون كما حدث في السابق؟ فمن الواضح أن لحظة تصفية الحسابات بين الدائن والمدين بصفتهما حليفين لم تَحِن بعد. وتحصل سوريا على ناقلتي نفط خام إيرانيتين شهرياً بقيمة تزيد عن 150 مليون دولار، منذ توقيع البلدين اتفاقية خطّ الائتمان الإيراني 2013.

 

وذهب الخبير في شؤون الطاقة ناصر ديوب إلى القول: إن هذا الاستئناف في توريدات الطاقة "لن يكون مجّانياً"، مرجّحاً في حديثه مع (صُوَر) أن الثمن "سيضاف" إلى الديون السابقة المستحقّة لإيران على سوريا.

 

موقف تأديبيّ

 

لأول مرة تخرج الحكومة السورية عن صمتها الاعتيادي، وتنقل موقفها التبريري لغياب المحروقات عن البلاد التي باتت تسيطر على أكثر من ثلاثة أرباع جغرافيّتها. إذ سرّبت الحكومة معلومات خلال عقدها الاجتماع الأول هذا العام  للمجلس الأعلى للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي في منتصف آذار الجاري، مفادها "توقّف إمدادات النفط الإيرانية لسوريا"، دون أن تتحدّث عن الأسباب التي دفعت الجانب الإيراني لاتخاذ هكذا موقف، فيما صنّفته بعض دوائر المعارضة السورية بأنه موقف "تأديبيّ للنظام السوري"، لاسيما على خلفية انفتاحه العربي الأخير بخاصة باتجاه دول الخليج العربي، والتحضير لفتح سفارات بعض تلك الدول كالإمارات والسعودية في دمشق، فيما أعلنت البحرين أنها لم تغلق سفارتها قط. إضافة إلى توتّر في العلاقة الميدانية بين القوات الروسية والإيرانية في سوريا.

 

لكن هذه ليست هي المرة الأولى التي تتّخذ إيران قراراً بوقف توريدات النفط، إذ حدث ذلك في 2017، دون أن تتفاقم المشكلة وتصل إلى مستوى ضرورة تدخّل حتميّ للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية. بل في مرحلة ما قبل الحرب، لم تستطع العلاقة الوطيدة بين البلدين، ووجود مناخات اقتصادية وسياسية إقليمية ودولية مواتية، من حلّ عقدة حصول سوريا على محروقات بسعر تفضيليّ من الحليف الإيراني، وكانت المفاوضات دائما تتعثّر، رغم ضغط الجانب السوري في الاجتماعات المغلقة مع الجانب الإيراني، ومقارنة موقف الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الذي كان يبيع الغاز لإسرائيل بأسعار زهيدة، وهو ما كان يضع مسؤولي النفط والطاقة الإيرانيين في خانة ضيقة، ويردّدون أن القرار ليس بيدهم.

 

 

رسائل لدمشق

 

كادت العلاقة السورية الإيرانية تنزلق إلى الأسوأ، ووجّهت طهران لأول مرة رسائل سياسية علنية لحليفتها، عقب حلّ معضلة قطع توريدات النفط، من خلال نشر مقابلة لرئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشة، طالب فيها "بضرورة أن تسدّد" سوريا ديونها المستحقّة لإيران. توقيت المقابلة الذي جاء عقب أسبوعين من زيارة الأسد إلى طهران، ونشرته وكالة (إرنا) الرسمية فقط باللغة الفارسية يعكس أن طهران لن تتسامح بتضحياتها في سوريا، وفقاً للخبير ديوب. وردّاً على سؤال لـ (صُوَر) إن كان توقّف توريد النفط الإيراني لسوريا يتعلّق بالتطوّرات الدولية، لاسيّما انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران، وفرضها عقوبات اقتصادية، أشار ديوب إلى أن هذه القضية لاتؤثّر على إمدادات النفط لسوريا كون البلدين "يقعان تحت تأثير العقوبات الأمريكية". إلا أن موقف النائب الإيراني لا يُعدّ "تغريداً خارج السرب"، وثمة معلومات حصلت عليها (صُوَر) تفيد بأن مطالبات بيشة ذهبت إلى أبعد من ذلك. وهو ما لايمكن اعتباره رأياً شخصياً للنائب بل هو في صلب القرار السياسي الإيراني، ورسالة واضحة لدمشق.  

 

الواقع  الصعب

 

ماذا حدث في الداخل السوري من تطوّرات لمواجهة قطع إمدادات النفط؟ على غير عادته، وجّه الأسد في كلمة له أمام رؤوساء  المجالس المحلية في 17 شباط الماضي انتقادات لاذعة لطرق تعاطي الحكومة مع ملفّ المحروقات، وقال:" إن التقصير الأكبر فيما حصل مؤخّراً وخاصة في موضوع الغاز هو عدم شفافية المؤسّسات المعنيّة مع المواطنين". وقبل ذلك كانت حكومة عماد خميس تهدر الكثير من الوقت في صوغ ردود عبر وزارة النفط والثروة المعدنية، تتّهم كل من ينتقد إجراءات الحكومة بهذا الشأن، ويلمح إلى تقصيرها، في الوقت الذي كانت الأسواق المحلية تفتقد لمادتي الغاز المنزلي والمازوت، فيما كانت تصريحات وزير النفط علي غانم تنفي وجود أزمة، ويبشّر بوعود قريبة جداً. ولم تستطع الماكينة الحكومية الإعلامية أن تدافع عن وجهة نظر حكومة خميس ومواقفها، إذ أن الواقع كان أقوى بكثير ممّا تتخيّله الحكومة، وبلغت الاحتياجات والنقص في المادة بالتزامن مع موجة صقيع وبرد حدّاً أخرج الناس عن طورهم. وتنتج سوريا 24 ألف برميل نفط يومياً، وتبلغ الاحتياجات اليومية من مادة المازوت ستة ملايين ليتر ومثلها من البنزين، إضافة إلى سبعة آلاف طن من الفيول، ومن الغاز المنزلي 1200 طن الذي تنتج منه 30% منه فقط.

 

حبل الكذب القصير

 

ثمة رواية  نشرتها مواقع وصفحات موالية للحكومة السورية، تحدّثت عن منع الأسطول الأمريكي ناقلات النفط من القدوم إلى سوريا. وفي تتبّع (صُوَر) لهذه القضية لم تحصل أية محاولات علنية، أو يوجّه الأسطول الأمريكي إنذارات لناقلات نفط قادمة لسوريا، وهي عادة إيرانية فقط . واستندت هذه المواقف إلى تضييق الخناق على إيران بعد تجديد فرض العقوبات الأمريكية عليها، وقرار الرئيس دونالد ترمب الانسحاب الأحادي من الاتفاق النوويّ.

 

وجاء الموقف الثاني، الذي بدّد مزاعم حكومة خميس، من إدارة قناة السويس المصرية، إذ أصدرت بياناً تنفي فيه أنها "منعت" ناقلات نفط متّجهة إلى سوريا من عبور القناة. وفي تصريح صحفي في العاشر من شباط الماضي "نفى" رئيس هيئة قناة السويس مهاب مميش "منع السلطات المصرية" عبور سفينة إيرانية محمّلة بالنفط إلى سوريا. موضحاً أنه لا يمكن منع سفينة من العبور، إذ أن تجارة النفط تجارة مشروعة وتجارة السلاح كذلك، وأن منع السفن من العبور يكون في حالتين، الأولى إذا كان هناك بلاغ مصدره الأمم المتحدة، وثانياً إذا كانت على السفينة مخالفات. مشدّداً على أن هيئة قناة السويس "ملتزمة" بالعمل وفق المواثيق والمعاهدات الدولية وعلى رأسها اتفاقية القسطنطينية، التي تكفل حقّ الملاحة الآمن لكافة السفن العابرة دون تمييز بين علم دولة وأخرى.

 

ما الثمن؟

 

كل تلك التبريرات الوهميّة، وهروب الحكومة السورية من قول الحقيقة، ومصارحة الشارع بما يجري، بات من الماضي، بعد عودة طهران عن قرارها، لا سيّما أنها المُورّد الوحيد للنفط لسوريا. ويبرز السؤال حالياً: كيف ستصل ناقلات النفط الإيرانية إلى سوريا؟

 

استثنت واشنطن ثمانية دول من قرارها الصادر في تشرين الثاني 2018 فرض عقوبات على من يتعامل مع ايران ويستورد النفط منها، لم تكن سوريا بينها، وهذه الدول هي: الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وتركيا وإيطاليا واليونان. ومن غير الواضح ما إذا كانت إدارة ترمب ستجدّد هذه الاستثناءات عندما ينتهي أجلها في أيار القادم. ويتوقّع الخبير ديوب أن تلتفّ طهران ـ إذا كانت راغبة في استمرار توريد النفط إلى سوريا ـ ودمشق على هذه التحدّيات بثلاث طرق، الأولى من خلال الطريق البرّي عبر العراق، والتطوّرات العسكرية باتت تسمح بذلك، رغم كلفته العالية. والثانية التوريد إلى لبنان عبر شركات أو سماسرة، ومن ثم نقلها برّاً إلى طرطوس وحمص حيث مصفاتي النفط السوريتين. والثالثة أن تحصل على حماية الحليف الروسي. ليختم أن إيصال النفط إلى سوريا ليس معضلة معقّدة، لكن من سيورّد النفط مجاناً؟

 

 

 



25 آذار 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة