728 x 90

زواج المسلمة بغير المسلم في المشرق العربي

3643505790.jpg

 

 

قد يبدو من الترف معالجة مسألة الزواج الديني المختلط في المشرق العربي الذي تمزّقه الحروب والصراعات المترافقة بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. لكن يدفعنا هذا إلى البحث في جذور هذه الصراعات التي تأخذ أبعاداً دينيةً وطائفيةً. فالطائفية المستشرية في المشرق هي من أهمّ أسباب اندلاع هذه الصراعات واستمرارها، والعامل الأبرز لتغذيتها. كما يعود تقوقع أتباع الطوائف وانغلاقها على بعضها، وشعور بعض أتباعها بأنهم "مواطنون من الدرجة الثانية" إلى حظربعض أنواع الزيجات المختلطة ووجود قوانين ومحاكم دينية مختلفة بحسب التبعية الدينية والطائفية للمواطنين، لا تقيم وزناً لمبدأ المساواة بين المواطنين وتنتهك حرياتهم الدينية. ولهذا لابدّ في ظلّ هذه الصراعات الدموية من استشراف المستقبل والسعي لتجنّب تكرار مآسي الماضي من خلال بناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق مواطنيها وحرياتهم الدينية بما فيها حقّ الزواج وتأسيس أسرة، دون أيِّ قيد على أساس الدِّين، وبأن يكون الرجل والمرأة متساويان في الحقوق لدى التزوُّج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله، كما جاء صراحة في المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

 

يُعدّ الزواج الديني المختلط - الذي يجمع شخصين منتميين إلى ديانتين أو طائفتين مختلفتين - ذو أهمية بالغة لتحقيق الغنى الثقافي والمساهمة في الحدّ من الطائفية المستشرية في مجتمعات المشرق العربي. فضلاً عن القيود الاجتماعية، التي تمنع أغلب القوانين المعمول بها في دول المشرق العربي إبرام بعض أنواع عقود الزيجات المختلطة، وخاصة المسلمة بغير المسلم، وكذلك المسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية[1]. فتنصّ المادة 48 من قانون الأحوال الشخصية السوري الحالي على بطلان زواج المسلمة بغير المسلم، وهو ما تؤكّده أيضاً المادة 28 من قانون الأحوال الشخصية الأردني لعام 2010. هذا الحظر غير منصوص عليه صراحة في التشريع المصري، وفي هذه الحالة، أي غياب النصّ الصريح، يُلزم القاضي بالرجوع إلى أحكام المذهب الحنفي المقنّنة في كتاب قدري باشا. هذا الأخير يتضمّن بنوداً لحظر هكذا نوع من الزيجات المختلطة، فقد نصّت المادة 126 منه : "إذا كان الزوجان غير مسلمين فأسلمت المرأة، يعرض الإسلام على زوجها، فإن أسلم يقرّان على نكاحهما، ما لم تكن المرأة محرماً له، وإن أبى الإسلام أو أسلم وهي محرم له، يفرّق الحاكم بينهما في الحال، ولو كان صغيراً مميزاً أو معتوهاً، فإن كان غير مميّز ينتظر تمييزه، وإن كان مجنوناً فلا ينتظر شفاؤه، بل يعرض الإسلام على أبويه لا بطريق الإلزام، فإن أسلم أحدهما تبعه الولد وبقي النكاح على حاله، وإن أباه كل منهما يفرّق بينه وبين زوجته (..)". وتضيف المادة 127 من كتاب قدري باشا على أنه "إذا أسلم الزوج وكانت امرأته كتابية، فالنكاح باقٍ على حاله، وإن كانت غير كتابية يعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت فهي زوجته، وإن أبت الإسلام أو أسلمت وكانت محرماً له، يفرّق بينهما، والتفريق بإبائها فسخ لا طلاق، وما لم يفرّق الحاكم فالزوجية باقية حتى يحصل التفريق".

 

تُتيح كذلك المنظومة التشريعية والقضائية في أغلب بلدان المشرق لأي مواطن بتحريك القضاء في إطار ما يُسمّى "دعوى الحسبة"[2] من أجل الحكم ببطلان وتفريق المعاشرة المحظورة بمقتضى تفسيرات الشريعة الإسلامية السائدة، باعتبار ذلك مخالفاً للنظام العام. غير أنّ الوضع في لبنان يختلف إلى حدٍّ ما عمّا هو معمول به في الدول المجاورة. فعلى الرغم من تنصيص أغلب قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها في لبنان على تقييدات تتعلّق بالزواج المختلط، غير أنّه يتمّ الاعتراف بعقود الزواج المختلطة المبرمة في الخارج والمحظورة على الأراضي اللبنانية[3].. ويسعى التيار المدني في لبنان لوضع قانون مدني للأحوال الشخصية بما يسهم في تجاوز مسألة الطائفية التي كان من بين تبعاتها حرباً أهليةً استمرّت لعقود. فقد شهدَ لبنان خلال السنوات الماضية تسجيل عدّة حالات للزواج المدني على أراضيه، وذلك بمقتضى القرار 60 ر.ل لعام 1936[4]. غير أنّ معارضة بعض السياسيين وغيرهم من زعماء الطوائف ورجال الدين، الذين يسعون إلى استمرار ضمان سيطرتهم ونفوذهم من خلال الإبقاء على مؤسّسة الزواج الديني، كان ولايزال حجر عثرة في طريق إقرار الزواج المدني بشكل واضح وصريح.

 

 

إنّ تقييد حرية الأشخاص في اختيار شريك الحياة يؤدّي إلى القضاء على أسمى العلاقات الإنسانية من حبّ وتوافق عاطفي وبناء أسرة متماسكة. بالإضافة إلى المشاكل الطائفية والاحتقان الديني، يترتّب على حظر الزواج المختلط آثاراً اجتماعيةً وقانونيةً سيّئةً كإنجاب أطفال خارج إطار العلاقة الزوجية (يُعدّون غير شرعيين) وأيضاً التحايل على القانون، وذلك بإقدام الراغبين بالزواج على تغيير الدين لغاية الزواج فقط، فضلاً عن أنّ الكثير من جرائم "الشرف" تعقب حالات الزواج المختلط التي غالباً ما يرفضها المجتمع لأسباب عديدة، منها تحريم القوانين لبعض أنواعها. ففي هكذا حظر انتهاك لحقّ المرأة المسلمة في اختيار شريك حياتها، ولحقّ غير المسلم الذي يتعرّض أيضاً للتمييز؛ لأن القوانين المعمول بها تجيز زواج المسلم بكتابية.

 

تنبئ الأحداث الجارية في المشرق بأنّ الصراع سيبقى مستمرّاً بين أنصار التيارين الديني والاستبدادي الساعين لأزلية أيدلوجياتهم وتسلّطهم، من جهة، وبين تيار مدني يسعى لبناء دولة مواطنة مدنية لجميع أبنائها بصرف النظر عن انتماءاتهم المختلفة بما فيها الدينية والعرقية، ويُشَرْعن فيها قانوناً مدنياً في مجال الأحوال الشخصية ينطبق على جميع المواطنين، خالياً من التمييز بين المرأة والرجل وبين المسلم وغيره، ومراعياً لحقوق ولمصلحة الأطفال.

 

 

[1] تنصّ أيضاً أغلب قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بالطوائف المسيحية في دول المشرق العربي على تحريم الزواج بين أتباع الديانات أو حتى الطوائف المسيحية المختلفة، إلا أنه يتم غالباً استبعاد هذه القوانين في القضايا المشتركة بين المسلمين والمسيحيين لصالح تطبيق الشريعة الإسلامية التي تٌبيح زواج المسلم بالمسيحية.

[2] أنظر على سبيل المثال القانون رقم 3 لعام 1966 في مصر.

[3] لابدّ من التأكيد بأنّ الوضع في لبنان يشكّل استثناء لما هو معمول به في بقية دول المشرق العربي من ناحية المساواة بين المسلمين وغير المسلمين في مجال قوانين الأحوال الشخصية. ومع ذلك تشتمل هذه الأخيرة على العديد من أوجه التمييز ضد المرأة.

[4] فتنصّ الفقرة الثانية من المادة العاشرة من هذا القرار: "يخضع السوريون واللبنانيون المنتمون إلى طائفة تابعة للحق العادي وكذلك السوريون واللبنانيون الذين لا ينتمون لطائفة ما للقانون المدني في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية".



23 تموز 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة