728 x 90

ذوو الإعاقة في الدول النامية .. معاناة مستمرة

1905786427.jpg

 

 

عندما بدأتُ دراسة الدكتوراه في فرنسا، نصحتني المسؤولة عن دراسات الدكتوراه أن أذهب إلى مكتب السيد بن-فلان الذي يقدّم استشارات لتسهيل الأبحاث، ولديه دون غيره أدوات تتيح التوصل لمراجع مفيدة للباحثين. توجّهتُ في مبنى الجامعة إلى مكتب المذكور خلال أوقات الدوام الاعتيادية، لكنّ باب مكتبه كان مغلقاً، وعاودتُ ذلك في وقت لاحق، وقد وجدته أيضاً مغلقاً. وفي المرّة الثالثة، وقبل أن أغادر، انتبهتُ إلى ورقةٍ معلّقةٍ على الباب ومكتوب عليها الآتي: (ادخل دون الطرق على الباب، واجلس مقابل السيد بن-فلان، ثم انقر على الطاولة، وابدأ التحادث معه من خلال الكتابة على لوحة المفاتيح الموجودة أمامك). وعندما جلستُ أمامه، لفتَ انتباهي عصا طبّية للمساعدة على المشي. بدأتُ بالكتابة على لوحة المفاتيح ملقياً التحيّة، ومُشيراً إلى عنوان بحثي وبأنني أريد الحصول على مراجع له. وقد بدأ بتلمّس ما كتبته من خلال آلة خاصة بالأصمّ/الضرير، ثمّ بدأ يحادثني بلسان ثقيل جداً وبكلمات بطيئة تدلّ عن إعاقة أخرى مرتبطة بالنطق، لكن هذا التباطؤ بالكلام ساعدني على فهم ما يقوله في ظلّ ضعف لغتي الفرنسية في ذلك الوقت. وقد ردّ التحيّة واستفسر منّي أكثر عن موضوع بحثي، وطلبَ عنوان بريدي الإلكتروني ليرسل إليه لاحقاً أكثر من ألف مرجع ذو صلة بموضوع الأطروحة.

 

تساءلتُ لاحقاً، ماذا يمكن أن يكون مصير بن-فلان (الذي يتبيّن من اسمه بأنّه من أصول مغاربية)، الضرير والأصمّ ومن لديه إعاقة في النطق والمشي، لو أنّه موجود في بلد عربي؟  

 

وقد قصدتُ من هذه المقدّمة تسليط الضوء على حالة تبيّن مدى التطوّر الذي توصّلت إليه بعض الدول الأوروبية من خلال تنمية قدرات المعاقين، وتعليمهم وتأهيلهم، في مقارنة مع وضعهم ومعاناتهم في الدول النامية. فتُقاس درجة التقدّم والتطوّر في أي بلد بأمور عدّة منها الخدمات التي تقدّمها أو الحقوق التي تضمنها لذوي الاحتياجات الخاصة، وفي هذا فائدة متبادلة للشخص المُعاق نفسه الذي يمكن أن يسهم في تطوير نفسه وتحسين وضعه والإسهام في بناء مجتمعه، من ناحية، وللدولة المعنيّة نفسها التي تستفيد من خدماته بدل أن يكون عالة عليها، من ناحية أخرى.

 

وفي هذا الإطار جاء في ديباجة اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بأنّهم " لا يزالون يواجهون في جميع أنحاء العالم حواجز تعترض مشاركتهم كأعضاء في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين، وانتهاكات لحقوق الإنسان المكفولة لهم"، وتعترف "بالمساهمة القيّمة الحالية والمحتملة للأشخاص ذوي الإعاقة في تحقيق رفاه مجتمعاتهم وتنوّعها عموماً، وبأن تشجيع تمتّعهم بصورة كاملة بحقوق الإنسان والحرّيات الأساسية ومشاركتهم الكاملة سيفضي إلى زيادة الشعور بالانتماء، وتحقيق تقدّم كبير في التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع والقضاء على الفقر". وبحسب منظمة الصحّة العالمية، تشكّل نسبة  ذوي الإعاقة قرابة 15٪ من سكان العالم، أي شخص مُعاق من كل 7 أشخاص، غير أنّ هذه النسبة تزيد في البلدان النامية التي تحوي قرابة ال 80% من مجموع الأشخاص ذوي الإعاقة.

 

عدا عن المشاكل الاجتماعية التي يُعاني منها المعاقون، وحتى أهاليهم من خلال نبذ بعض المجتمعات لهم والتمييز ضدّهم في كافة مناحي الحياة، تفتقر دول العالم العربي لأبرز المقوّمات اللازمة لضمان حقوق ذوي الإعاقة. وبخلاف أغلب الدول العربية، نرى في بلدان أوروبية كثيراً من التسهيلات لذوي الإعاقة. فتتيح غالبية أماكن المشاة ووسائل النقل والدوائر العمومية وحتى المحلات والمطاعم والفنادق التنقّل لمستخدمي الكراسي المتحرّكة، ويوجد للمكفوفين إشارات سمعية وعلامات تسهّل لهم عبور الطرقات العامّة، كما يُفرض أحياناً على المؤسّسات "كوتا" لتوظيف أشخاص من ذوي الإعاقة. وفي السكن الجامعي الذي عملتُ فيه في فرنسا، تمّ تخصيص الطوابق الأرضية للطلاب من أصحاب الإعاقات، وذلك بممرّات واسعة ومراحيض خاصة بهم، بالإضافة إلى نظام يُتيح لهم إرسال نداء إلى مكتب الاستقبال في أي وقت تواجههم مشكلة في غرفهم. ويوجد في أغلب الجامعات مكاتب خاصة لتسهيل دراسة وعمل ومتطلّبات الحياة للأشخاص ذوي الإعاقة. وما ذكرتُه، ليس غير أمثلة على منظومة من التسهيلات والحقوق التي تقدّمها البلدان المتقدّمة لهذه الفئة من الأشخاص. 

 

يستمرّ في المقابل ارتفاع نسبة ذوي الإعاقة في منطقة المشرق في ظلّ النزاعات المستمرّة وما تسبّبه من إعاقات جسدية ونفسية، فضلاً عن إعاقات الطفولة نتيجة تردّي الوضع الصحّي والنظام الغذائي. وقد جاء في بيان لمنظمة الصحّة العالمية، صادر عام 2018، بأنّه "دمّرت سبع سنوات من النزاع نظام الرعاية الصحّية السوري، فأكثر من نصف المستشفيات العامّة بالبلد ومراكز الرعاية الصحّية العامّة قد أُغلقت أو لا تعمل بكامل طاقتها. ويتجاوز عدد المحتاجين إلى المساعدة الصحّية 11.3 مليون شخص، يعيش ثلاثة ملايين شخص منهم بإصابات وإعاقات خطيرة".

 

وبالتالي لابدّ من العمل على إصلاح شامل لمنظومة القوانين المتعلّقة بالإعاقة بما يتوافق مع المعايير الدولية، والسعي لتبنّي سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية كفيلة بتحسين أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة بما يسهم في اندماجهم بمجتمعاتهم وتنميتها ويخفّف من معاناتهم ويضمن لهم متطلّبات الحياة الكريمة.

 

 



11 كانون أول 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة