728 x 90

ذاكرة لمسامير القهر

1818824707.jpg

أعتقد أحياناً أن ذاكرتي ليست أكثر من لوح خشبي لا مكان على سطحه إلا للمسامير، تشبه ذاكرة شعبٍ غرقت مساحات واسعة منها في جحيم القهر والاستبداد، ويغرق ما تبقى منها في نزيف المجازر.

حاولت مراراً البحث داخل ذاكرتي المعطوبة، علّني ألتقط شيئاً يختبئ في أحد الثقوب عن تلك الصّديقة التي أرسلت سطور السلام الودود، قرأت ما كتبت على حائطها ’’الفيسبوكي’’، تمعنت بصورتها وأنا أقول هذا وجه يفترض ألا أنساه، لكن ذاكرتي أوصدت جدران مخازنها السميكة بوجهي.

يقولون أنها نعمة النّسيان، قد تصير هذه حقيقةً حين أنسى تلك الصور العالقة، والأحداث التي تقفز كأرانب مذعورة تغطي بغبارها بقيّة نهاري السّاكن حين تحركها لحظةٌ مشاكسةٌ تستجرّ نزيف الذّاكرة التي تختار بدايتها، وأجد نفسي أعدّ تلك (159) خطوة التي تفصل بين الحاجز الثاني وباب ’’سجن صيدنايا’’ في زيارة لأخي الأول، حيث أقف ومن معي أمام قضبان حديدية تواجهها على بعد ’’متر’’ قضبان أخرى مسيّجة بشبك قصير، مسافة ’’متر’’ تبعدنا عن إحساسنا بحقيقية اللقاء، وتصير ممراً لحارس يسير بتوتر يراقب مشاعرنا، يلتقط ما يسقط من كلماتنا ويقرع الحديد بعصاه أمام أي حركة تتجاوز ملامسة أصابع، تختزن كل الآمال والذكريات والكلمات وتمتدّ للسلام.

كان الحديث يمر باهتاً مجرد متفرقات عن عالمنا، وكأن أيامنا مهدورة وفارغة لنجيب فقط ’’نحن، وفلان، و.. والعالم أجمع بخير! ’’، إجابة مازالت تشعرني بالغثيان، وتأجّج شعوري الأخرق بحاجة إلى الصراخ. طوال سبع سنين نحدّث الحراس، نتجادل ونتحاور، نصرخ بوجههم ويصرخون بوجوهنا وأحيانا قليلة نضحك معهم، لكننا نقف أمام القضبان متسمّرين شبه صامتين وكأنّ الحديث أرجئ لإشعار آخر.

رعب المكان الذي يوقف الثرثرة هناك يمتد ليبتلع النظرات، الإيماءات، والمشاعر أمام باب سجن آخر، وما أكثرهم في هذا البلد، إنه مكان مختلف تماماً، حتى السماء تصبح عدائيّة فوقه، فكلما خرجنا من تحت سمائه تنتابنا جميعاً موجة فرح طفوليّة كأننا أمسكنا أجمل أحلامنا للحظة.

أكوام بشر يتحنّطون على جوانب الطريق الذي يوصل إلى ساحة ’’فرع فلسطين’’، أو كهف الرعب الذي خزّنته ذاكرتي أثناء زيارة أخي الثاني، لا أحد يترك زاويته، الكلّ متجمّد بانتظار قراءة أسماء المسموح لهم بالزيارة. وحدها أمٌّ قفزت تضرب رأسها بسيارة معتمة افترضت أنها ’’لرئيس الفرع’’، مزّقت ثوبها الأسود وهي تصرخ ’’أريد أن أرى ولدي’’، برفّة جفن، انتزعها الحراس، رموها بجانبي، اختلّ سكون القهر لكنه لم يحرّك سوى الدموع في العيون، غطّيتها بوشاحي، احتضنت رأسها الدامي كقلب يعلن نهاية النبض، وصوتها الباكي يردّد: إنها السنة الخامسة التي آتي فيها من لبنان أسبوعياً، لم أخبرها أننا منذ ثلاث سنوات على هذه الحال نلملم ما رتبناه من أمل اللقاء ونمضي، ولم أسألها ما اسم ابنها، كل ما قلته وهي تصر ثوبها على جسدها للمغادرة، دعي ’’الشال’’ خالة لا أحتاجه. فقط هذا، ومازال صوتها يرتجف ويفرّ من ذاكرتي ليخبرني كيف تقف الدمعة عند حدود العين، ورعشة صدرها ستظل تهتف بحرقة موجعة ’’أريد أن أرى ولدي’’، لترددها بعد فترة قصيرة أمي وهي تزفر آخر أنفاسها قبل أن ترى ابنها وتفرح بلمسة لإصبعه الصغير يمرره من ثقب شبك ضيّق يمدّه لسلام مكبوت، وترددها منذ ستة أعوام الكثير من الأمهات ممن فقدن أولادهن بين قتيل ومفقود ومهاجر في دوامة الدماء التي تخيط ذاكرة معتمة أخرى للسوريين، ذاكرة استبدلت فيها أحلام الخروج من ’’السجن’’ والعيش الكريم في وطن بلا حراس، بحلم انتهاء المقتلة.

لم أمتلك يوماً سوى نصف ذاكرة تجترّ ألمها، تفقدني وجه صديقة قديمة، والكثير من لحظاتي الجميلة، تشبه ذاكرة وطني وشعبه الغارق في أوجاعه، التي مضت وتمضي، كلعنة تحوّل مساحات كاملة من أعمار السوريين لرماد لا يغطيه شال، وتجعل من ذاكرتهم لوحاً خشبياً لمسامير القهر التي تدقّ بانتظار أصابع تخترق النزيف وتمتدّ لسلام ولسلم حقيقي يبني وطن الجميع وينسيهم كل ما هدر من وجودهم.



14 أيلول 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة