728 x 90

دير الزور: المدينة المهمشة تصبح بؤرة صراعات القوى العظمى

3211062742.jpg

 

- دير الزور: "الحرب على الإرهاب" تدمّر ما تبقّى من المدينة المهمّشة

- الصراع الروسيّ الأمريكيّ في دير الزور: فوضى سباق اللحظات الأخيرة

- أهالي دير الزور من أهوال القصف إلى جحيم النزوح

 

دير الزور: "الحرب على الإرهاب" تدمّر ما تبقّى من المدينة المهمّشة

 

أحمد العلي

 

تشير اللقى الأثرية المكتشفة حديثاً أن تاريخ مدينة دير الزور يعود لحوالي عشرة آلاف عام قبل الميلاد، وأنها حاضرة مأهولة بالسكان منذ الألف التاسع قبل الميلاد.

 تتالت الحضارات على المدينة فشهدت أيام الآشوريين والأكاديين والرومان وغيرهم، ومرّ عليها الحكم الإسلامي، ثم خضعت مثل بقية أجزاء سوريا للسلطنة العثمانية لأربعة قرون، وبعد اتّفاقيات سايكس بيكو صارت مدينة مهمّشة، معظم اقتصادها يعتمد على الزراعة وتربية المواشي، بسبب مجاورتها لنهر الفرات.

تُعتبَر دير الزور من أهمّ المدن المنتجة للقطن في سوريا التي كانت تحتلّ المركز الثاني عالمياً في الإنتاج قبل عام 2011، إلى جانب ذلك تشتهر بزراعة القمح والشعير والشمندر السكري، إضافة لزراعة الأشجار المثمرة والخضار، كما تُعتبر من أهمّ المدن المنتجة للثروة الحيوانية كالأبقار والأغنام، إضافة للثروة السمكية التي تُربّى في نهر الفرات.

تبلغ مساحة محافظة دير الزور، وهي ثاني المحافظات السورية مساحة، 33 ألف كيلو متر مربع. وتتمتّع بأهمّية إستراتيجية، جعلتها تتربّع على رأس قائمة المدن السورية، بسبب وجود حقول النفط والغاز المكتشفة منذ ثمانينيات القرن الفائت. التي يتمركز أهمّها على الجانب الشرقي (الشمالي) من نهر الفرات، في المنطقة التي يُطلَق عليها محلّياً تسمية "الجزيرة"، إضافة لوجود محطّات ضخّ وتجميع النفط القادم من الحسكة والرقة.

ورغم كون دير الزور أغنى المحافظات السورية، إلا أنها لم تَنَل في عهد نظام حافظ الأسد سوى التهميش والإفقار. فعلى الرغم من أن نسبة التعليم مرتفعة، قام النظام عمداً بجلب موظفين من المحافظات الأخرى لإدارة قطاع النفط، بدلاً من تأهيل أبنائها، وتطوير قاعدة صناعية مرافقة لإنتاج النفط وتكريره، ما اضطرّ الكثيرين من شبابها للهجرة خارج البلد بحثاً عن مصادر العيش الكريم. كما عانى أبناؤها في ثمانينيات القرن الماضي من حملات اعتقالات وتصفية كبيرة بحجّة الانتماء لحركة الإخوان المسلمين وحزب البعث العراقي والتيارات الشيوعية والقومية العربية المناهضة للنظام.

بعد انطلاق الثورة السورية انضمّت المحافظة للحراك السلميّ، لتشهد شوارعها مظاهرات فاقت في أعدادها المئتين وخمسين ألف متظاهر. ومع تحوّل الثورة السورية للتسلّح، انتسب الكثير من أبنائها لفصائل الجيش الحرّ، وتعرّض الآلاف من أبنائها للاعتقال والتغييب القسريّ في سجون النظام، وهُدمت أجزاء كبيرة من المدينة وأريافها، وقُتل الآلاف بطيران النظام.

ومع ظهور تنظيم داعش وتوسّعه وسيطرته على غالبية المحافظة، وسعيه للتحكّم  بنفط المنطقة، العصب الرئيسي لاقتصاده، بدأ "التحالف الدولي للحرب على الإرهاب" باستهدافه، ليكون القضاء عليه في دير الزور الهدف الثاني للتحالف بعد السيطرة على الرقّة.

تشهد دير الزور هذه الأيام معارك لم تشهدها مدن أخرى سوى حلب، مع فارق أكبر، يتمثّل باجتماع العالم في قصفها، من النظام السوري وحليفه الروسي، مروراً بالتحالف الدولي، وصولاً للميليشيات المحلّية والأجنبية المساندة للقصف من الأرض.

في هذه الحرب المجنونة، مهما كانت هوية المنتصر فيها، الخاسر الوحيد هو المدنيّ السوري، الذي تمّ اقتلاعه من أرضه، وتدمير أساسيّات حياته. في دير الزور اليوم لن تجد إلا مُدناً وقرى أُفرغت من سكّانها. ومئات الهكتارات من الأراضي القاحلة التي كانت يوماً ما حقولاً خضراء.

"صُوَر" تفتح ملفّ محافظة دير الزور والأهمّية الإستراتيجية لها، وطبيعة الصراع والقوى المتداخلة فيه، وتستطلع أحوال النازحين وما يتعرّضون له من انتهاكات لحقوق الإنسان.

- - - - - - - - - - - - - - - - - -

 

الصراع الروسيّ الأمريكيّ في دير الزور: 

فوضى سباق اللحظات الأخيرة

 

كمال السروجي

 

 وصل الصراع الدولي على دير الزور في الأسابيع القليلة الماضية لمراحل متطوّرة، احتدم فيها سباق  السيطرة على المدينة وطرد تنظيم داعش منها، بمشاركة أطراف دولية عديدة.

وتبدو التفاهمات الأمريكية الروسية حول سوريا شديدة الهشاشة في دير الزور، حيث يتصاعد الصراع بين القوتين العُظمَيين، وكأن الزمن يعود لأيام الحرب الباردة والصراع السوفييتي الأمريكي .

 

  تهافت التخطيط الأمريكي

ظهر التخبّط الأمريكي واضحاً في دير الزور خلال الشهور الثلاثة الماضية: في البداية دعمت الولايات المتحدة عن طريق الحكومة الأردنية فصائل الجيش الحرّ، ممثّلة بقوات أسود الشرقية، وقوات "الشهيد أحمد العبدو" في البادية السورية، كمقدّمة لدخول فصائل عربية  في معارك السيطرة على المحافظة. لكن سرعان ما غيّرت خطّتها وسحبت غطاءها عن هذه الفصائل، لدرجة أنها هدّدت بقصفها في حال واصلت تقدّمها ولم تنسحب للحدود السورية الأردنية.

خلال ذلك استمرّ الأمريكيون بتقديم الدعم المباشر لقوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية (قسد)، بتغطية جوية من طيران التحالف الدولي. الأمر الذي يطرح تساؤلات كبيرة عن غاية أمريكا من دعم هذه القوى في منطقة لا توجد فيها أي تجمّعات سكّانية كردية، وعدم دعمها لفصائل أغلبّية أفرادها من أبناء المحافظة.

يقول الناشط عمران الديري لمجلّة صُوَر: "الهدف الأساسي من الخطّة الأمريكية هو زيادة تفتيت المجتمع السوري، وتغذية الصراع الكردي العربي، الأمر الذي يساهم في ضرب وحدة البلاد، وتسهيل السيطرة عليها، وتطبيق أي خطّة جديدة تُفرض عليها".

من جانب آخر بدأ النظام السوري، مدعوماً من روسيا، بتحقيق حلمه الكبير بالدخول شريكاً في محاربة داعش، وهو الحلم الذي طالما سعى إليه، رغم تصلّب الموقف الأمريكي والتصريحات الإعلامية الغربية الرافضة لذلك.

 

الحلم الإيراني وإخلاء دير الزور

 

تبذل إيران جهوداً حثيثة للمشاركة في رسم مستقبل شرقي سوريا، كنقطة بداية لإقامة نقاط عسكرية، تتمكّن من خلالها فرض نفوذها على أجزاء من الحدود العراقية، لقطع التواصل بين أطراف المنطقة ذات الأغلبية السنية الممتدّة على الحدود العراقية السورية، وإضعاف الروابط القوية بين سكانها المنتمين لعشائر متوزّعة تاريخياً بين البلدين، والسماح بدخول ميليشيات الحشد الشعبي والتيارات المناصرة لها بشكل أكبر لسوريا، بهدف إحكام سيطرتها على البلاد، وتحقيق هدفها التاريخي بالوصول إلى البحر المتوسط.

لكن قصف القوات الأمريكية، المتمركزة في معبر التنف الحدودي بين سوريا والأردن والعراق، للقوات الإيرانية المتّجهة نحو دير الزور، كان رسالة واضحة للإيرانيين بأن الولايات المتحدة لن تسمح لهم بالحصول على هذا النفوذ على الحدود السورية العراقية.

هكذا يبدو السباق الدائر بين الروس والأمريكان في دير الزور، كمنافسة الدقائق الأخيرة، فمن يكسب المساحات الجغرافية الأوسع، بربح نقاطاً سياسية أكثر، تعطيه ميزة على أي طاولة مفاوضات حقيقية لإنهاء الحرب الدائرة في سوريا.

وبالتوازي مع كل ما يجري، يجمع محلّلون متابعون للشأن الدائر في شرق سوريا، أن الهجمات الشرسة على المدنيين، التي تشنّها جميع الأطراف المتنازعة ، تهدف لإخلاء المنطقة سكانياً، ليتمّ السيطرة على مقدّراتها النفطية بشكل أسهل، فهي قد تشكّل المورد الأساسي لاقتصاد أي مجموعة مدعومة من الروس أو الأمريكان، ما سيقلّل من التكاليف الباهظة التي يقدّمانها لحلفائهم:  قوات سوريا الديمقراطية بالنسبة للأمريكيين، والنظام وميليشياته بالنسبة للروس.

يقول الناشط الإعلامي صهيب الجابر لصُوَر: "الخاسر الأكبر هم السوريون عرباً وكرداً أو مهما كان انتماؤهم، دمار دير الزور وثرواتها وتهجير شعبها، هو خسارة لسوريا كلها ولأي مشروع وطني سوري حقيقي".

 

هل يفلح الضغط الإعلامي؟

 

مع نهاية شهر أيلول الماضي، أعلنت الحكومة الروسية عن مقتل رئيس مجموعة المستشارين العسكريين الروس بسوريا، وأعلى رتبة عسكرية فيها، الفريق فاليري أسابوف، بقذائف هاون أطلقها تنظيم داعش على أحد مراكز القيادة التابعة لقوات النظام السوري.

ونقلت مصادر روسية أن الفريق قتل نتيجة عملية مخابراتية، عن طريق إعطاء جهة ما مقاتلي داعش إحداثيات وتوقيت تواجده في المقرّ.

أثارت هذه الحادثة  جدلاً إعلامياً واسعاً في روسيا، أعاد الكثيرين للتساؤل عن أسباب وجدوى التواجد في سوريا، وحجم التكلفة المقدّمة، وسط تضليل الحكومة الروسية، التي تزعم أمام الرأي العام الروسي أن مشاركتها تقتصر على سلاح الجوّ، الذي طالما تغنّت به مند حرب أفغانستان. ولكن الوقائع تشير أن هناك مشاركة برّية روسية واسعة، سقط خلالها العديد من الضباط أثناء المعارك، إضافة لجرح عدد من الصحفيين المرافقين لهم.

ويشكّك الكثيرون في إمكانية تحقيق نتائج جراء الضغط الشعبي على الحكومة الروسية، يثنيها عن المشاركة في الصراع السوري.

يقول العقيد المنشقّ أبو إبراهيم، الذي كان مقيماً في روسيا فيما مضى: "روسيا لا تشبه الدول الغربية، التي ينجح فيها عادةً المجتمع المدني بالضغط على الحكومات للانسحاب في الحروب، كحربَي فيتنام والعراق".

ويتابع: "روسيا دولة تحكمها أجهزة المخابرات، ومن خلفها المافيات، وبالتالي تستطيع إخماد أي صوت قد يرتفع في وجه تحقيق مصالح هذه الجهات. والدليل على كلامي أن الروس قد أعلنوا عن مقتل حوالي 40 عسكرياً من رتب مختلفة، لكن مصادر غربية وسورية محلّية تؤكّد أن الأرقام بالمئات، وأنهم من نخبة القوات الروسية".

في حين يرى آخرون أن على الجهات المعارضة السورية كشف الأرقام الحقيقية للقتلى الروس وتوثيقها وتقديمها للرأي العام الروسي، الأمر الذي يسهم مع مرور الأيام بتشكيل قاعدة شعبية مضادّة للتدخّل العسكري الروسي. في ضوء استطلاعات رأي تشير إلى تدنّي الرغبة الشعبية الروسية بالمشاركة في العمليات العسكرية في سوريا. آخرها صادر عن مركز "ليفادا"،  أظهر أن حوالي 30 بالمئة من المشمولين بالاستطلاع يؤيّدون استمرار التدخّل العسكري، فيما ذهب 49 منهم لمعارضته.

وسط هذه الصورة المشوّشة تبدو دير الزور رهينة لحسابات أكبر منها، في حين خرجت الوقائع السياسية والعسكرية عن سيطرة كل الأطراف السورية، في السلطة والمعارضة.

- - - - - - - - - - - - - - - - - -

 

أهالي دير الزور من أهوال القصف إلى جحيم النزوح

 

جورج.ك.ميالة

 

تتعرّض محافظة دير الزور منذ أكثر من شهرين لحملة عسكريّة مُمَنهجة بحجّة القضاء على تنظيم داعش، وذلك بمشاركة قوات عسكرية تابعة للنظام وميليشيات الشبّيحة القادمة من العراق وأفغانستان وإيران، تحت غطاء جوّي روسي سوري مشترَك، إضافة لقوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية (قسد)، المدعومة من طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

وسجّل "معهد العدالة من أجل الحياة" خلال شهر أيلول، ما يزيد عن 400 غارة جوّية من طيران النظام وحليفه الروسي، وأكثر من مئة غارة جوّية من طيران التحالف الدولي، استهدفت في غالبيّتها تجمّعاتٍ للمدنيين. كما وثّق المعهد في الفترة الممتدّة بين 14-19 أيلول الماضي مقتل 69 مدنياً، بينهم أطفال ونساء، علي يد طيران التحالف الدولي والطيران الروسي والسوري، فضلاً عن مئات الجرحى.

 

 رحلة الشقاء

 

الواقع المأساويّ الذي تعيشه أرياف المحافظة دفعت عشرات الآلاف للهروب من مناطق سكنهم نحو أماكن سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، في رحلة محفوفة بالمصاعب لا تقلّ خطورتها عن الحياة في ظلّ قصف الطيران.

تبدأ رحلة النزوح من الأرياف كالميادين والبوكمال و الموحسن بالتعاقد مع مهرّبين يدفع الفارّون لهم مبالغ مالية كبيرة، من أجل عبور طرق فرعيّة بعيدة عن خطوط الاشتباك مع داعش، حتى يتمّ الوصول للضفّة الشرقية لنهر الفرات، ليستقلّوا من هناك مراكب نهرية صُنعت حديثاً من معادن تالفة، بعد أن قام الطيران الحربي بتدمير الجسور الواصلة بين ضفّتي النهر.

لم يترك طيران النظام المدنيّين حتى في رحلة عبورهم النهرية، ويستهدف يومياً هذه المعابر المائية بعشرات الغارات، ما أدّى لمقتل عائلات بأكملها، امتزجت دماؤها بمياه النهر الذي طالما عاشت بالقرب منه.

وبعد الوصول للضفّة الأخرى، تبدأ مرحلة أخرى من السير في طرق وعرة مزروعة بالألغام، تركها تنظيم داعش بعد انسحابه.

غالباً ما يترك المهرّبون النازحين في منطقة تبعد حوالي 5-8 كم عن أوّل حاجز لقوات "قسد"، ما يجعل الأخيرين مضطرّين لعبور هذه المسافة سيراً على الأقدام. وعند الوصول إلى الحاجز يبدأ التفتيش بشكل عشوائي، مع غياب أي أجهزة لكشف المعادن والمتفجّرات. ثم تصل سيّارات "قسد" لنقل النازحين لمكان آخر، ليُنقلوا بعد ذلك لمنطقة الشدّادة التي تبعد حوالي 70 كم، وبعد الوصول لمنطقة مخيّم السدّ، يطلب عناصر "قسد" من النازحين جمع مبلغ 28 ألف ليرة للسائق، رغم وعودهم أن المواصلات مجّانية.

في بداية وصول النازحين للمخيّم يقفون في طوابير طويلة لتسجيل أسمائهم، وتسليم أوراقهم الثبوتية للإدارة.

يقول أبو خالد (43 عاماً من الموحسن): "ما هو مبرّر تسليم جميع أوراقنا الثبوتية، إن كان بيننا مطلوبون بتهمة الانتماء لداعش، فهم يُسجّلون الأسماء، ويستطيعون ملاحقتهم دون أخذ الأوراق الشخصية. المخيّم أشبه بالمعتقلات، تدخل إليه ولا تستطيع الخروج منه، فجميع وثائقك الرسمية بحوزتهم".

بعد ذلك يتمّ استلام الخيمة، وتبدأ رحلة جديدة لاستلام الفرش والأغطية، وسلّة غذائية بسيطة، يقف لأجلها النازحون في طوابير مؤلّفة من مئات الأشخاص، بتنظيم من قوات الأسايش التابعة لقسد.

يخضع المخيّم لإدارة قوات سوريا الديمقراطية وأجهزتها الأمنية، ويديره بشكل مباشر ضباط وعناصر منهما، وتقوم الأمم المتّحدة والهلال الأحمر العربي السوري والمجلس النرويجي للاجئين ومنظّمات دولية أخرى بتأمين المستلزمات الأساسية من الخيام والفرش والأغطية والمواد الغذائية، التي تصل عن طريق البرّ للمنطقة أو تُنقل جواً لمطار القامشلي بإشراف قوات النظام والضباط الروس المتواجدين في المطار.

الوضع الصحّي

 

يتواجد في المخيّم كوادر طبّية تابعة للهلال الأحمر العربي السوري، وكوادر سوريّة متعاقدة مع منظمة أطباء بلا حدود، يداومون يومياً حتى الساعة الرابعة بعد الظهر، وبعدها تنعدم الفِرق الإسعافية، ويُحظر الخروج من المخيم بشكل قانوني في الحالات الإسعافية، ويضطرّ السكان لدفع رشاوي للحرس من أجل الخروج، أو الهروب بشكل غير قانوني لإسعاف المرضى نحو المشافي القريبة.

وتغيب المرافق الصحّية الأساسية عن المخيّم، فلا توجد حمّامات، والمياه الصالحة للشرب قليلة جداً، والنظافة سيّئة جداً، مع غياب من يقوم بترحيل القمامة.

 يقول مصطفى الزعبي لصُوَر: "من يريد قضاء حاجته يجب أن يسير حوالي 3 كم، أو يقضيها في العراء، إدارة المخيّم تؤمّن بعض المياه، ولكنها  لا تسدّ 10 بالمئة من حاجة المخيّم اليومية، فهذا المخيّم يحوي على ما يزيد عن 4 آلالاف خيمة، فيها أكثر من 20 ألف إنسان، ومن يريد الاستحمام عليه أن يستحمّ في خيمته، أو في داخل البحيرة المجاورة للمنطقة، والتي تشبه المستنقعات الملوّثة".

أمّا أبو نجيم فيقول للمجلّة: “وجود الفرق الطبّية مثل عدمها، لا تقدّم الرعاية الكافية، ولا يوجد هناك أجهزة تصوير شعاعي أو أدوات حديثة، من يمرض في المخيّم عليه أن يموت بدلاً من البحث عن مشفى أو طبيب".

ويتابع: "منذ عدة أيام أصيب طفل بلدغة عقرب في قدمه، ولم يجد أحداً لإسعافه. قام أحد أقاربه باستخدام آلة حادّة لفتح مكان اللدغة لإخراج السمّ منه وإنقاذ حياته، الأمر الذي ترك وذمة مكان الجراحة. كذلك وصلت في إحدى الليالي سيّدة حامل في الشهر السابع، ومن شدّة تعب الرحلة، ظلّت تنزف حتى توفي الجنين".

أمّا أمّ محمد من منطقة الميادين فتقول: "نتيجة غياب النظافة في المخيّم ينتشر القمل بكثرة، وكذلك الجَرَب والأمراض المعويّة، عدا أمراض البرد. وسُجّلت عدّة محاولة انتحار بين النساء"

وتضيف: "إن احتجت علبة دواء لمعالجة الصداع عليك بالطلب من مسؤولي المخيّم بشكل سرّي. إن كان ثمنه مئة ليرة في الصيدلية، يأخذون منّا ألف ليرة ليصل بعد يومين من طلبه".

 

الخروج من المخيّم

 

من يريد الخروج من المخيّم لديه ثلاثة خيارات، الأولى أن يسجّل طلب خروج صحّي باتّجاه المشافي، وفي غالبية الحالات لا يُوافق عليه دون وجود مبرّرات حقيقية، أو وجود كفيل يحمل نفس الكنية والخانة، يقوم بإجراء معاملة لدى السلطات المعنية التابعة لقسد، يدفع فيها مبالغ تتراوح بين 50-100 ألف ليرة كرشاوي. الخيار الثالث، وهو الغالب، أن يتمّ الاتّفاق مع السماسرة الجوّالين ضمن المخيّم، التابعين لقيادته.

يقول مصطفى الزعبي لمجلّة صُوَر: "خرجت بعد أن دفعت مبلغ 200 ألف عن الشخص الواحد، بواسطة سيارة عسكرية تابعة لهم تمّ نقلنا بها لبيت في قرية عجاجة، هناك تنسيق بين المهرّبين وأصحاب البيوت التي سوف نبيت فيها، والتي تصل أجرة الليلة الواحدة فيها لـ 25 ألف ليرة سورية".

ويواصل الزعبي: "للحصول على أوراقك الشخصية قبل الخروج من المخيّم عليك دفع مبلغ مئة دولار لأحد عناصر قسد المتواجدين ضمن المخيّم".

بعد ذلك ينتقل النازحون نحو محافظة الرقة مروراً بمخيّم عين عيسى، فمناطق منبج والباب، ليستقرّ قسم منهم في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات درع الفرات.

أمّا الراغبون بالخروج لتركيا بطرق غير شرعية، فيتوجّهون نحو منطقة اعزاز، ثم عليهم المرور بحواجز تابعة للإدارة الذاتية الكردية، التي يفرض كل حاجز منها أتاوة لقاء المرور من منطقته. حتى الوصول لقرى وبلدات إدلب، لتبدأ رحلة البحث من جديد عن مهرّبين للوصول إلى الأراضي التركية.

 

مأساة الأطفال

 

يعاني الأطفال الفارّون من مناطق سيطرة تنظيم داعش، من صدمات نفسية متعدّدة، جرّاء مشاهداتهم للقصف العنيف من طيران التحالف الدولي، والذي يفوق عنفه قصف طيران النظام، بسبب كثافته واستخدامه أسلحة هي الأحدث في العالم.

وعن أبرز الأمراض النفسية تقول ديمة، وهي معلّمة في ريف حلب الشمالي: “أكثر الأمراض انتشاراً هي العنف الزائد، وحالات الرهاب وتراجع مستوى التركيز، والصدمات الناتجة عن فقدان أحد الأبوين".

وتضيف: "الأطفال الواصلون من مناطق داعش، يبدون ردّات فعل أكثر عنفاً من غيرهم، نتيجة هول ما رأوه، تظهر عند الذكور أكثر من الإناث، نتيجة محاولة التنظيم نشر ثقافة الجهاد في المجتمع، على خلاف الإناث اللواتي يعمل التنظيم على بقائهن في البيت".

وتتابع ديمة: "ينعكس هذا  في رسوم الأطفال، الذين يصوّرون الدماء ويرسمون الطائرات التي تستهدفهم، بعضهم رسم أعلام أمريكا وفرنسا وألمانيا على الطائرات، الأمر الذي يظهر مدى اهتمامهم بالدول التي تقصف مناطقهم، في حين يجهل الكثير من المهتمّين أسماء الدول الداخلة في التحالف الدولي ضد داعش. يحاول الأطفال عرض قوّتهم ومهاراتهم البدنية، كما يستخدمون الأسلحة الخشبية كسيوف وسكاكين في ألعابهم، أي ما كان يستخدمه عناصر داعش في أحكامهم ضدّ المدنيين. في حين تبدو لدى البنات مظاهر الهلع أثناء سماع إطلاق الرصاص والقصف، ويحاولن إثبات أنفسهنّ من خلال الألعاب المنزلية والدراسة، وبواسطة المظاهر الشكلية والسلوكية".

بالتزامن مع الأحداث الجارية، أطلق ناشطون حملة إعلامية باسم "هولوكوست دير الزور" بهدف تسليط الضوء على المجازر التي تشهدها المدينة على أيدي القوى المتصارعة.

وأرسلت منظّمات حقوقية معنيّة رسالة مُستعجَلة للأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريس تطالبه بضرورة الضغط على الجهات المتصارعة من أجل تحييد المدنيّين عن دائرة الصراع الدولية الدائرة في المحافظة.

 



19 تشرين أول 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة