728 x 90

دول وحكومات أم ميليشيات وعصابات؟

1913488532.jpg

 

 

*جاد الكريم الجباعي

 

 

يتفق العلماء والباحثون في الحقل السياسي والنظرية السياسية وعلم الاجتماع السياسي على أن الدولة فضاء حقوقي وسياسي وأخلاقي، عام ومشترك بين جميع مواطنات الدولة المعنية ومواطنيها، بلا أي تفريق أو تمييز بسبب العرق  والإثنية و"القومية" أو بسبب اختلاف الجنس أو الدين أو المذهب أو لون البشرة أو من حيث اللغة والثقافة والاتجاه الفكري والانتماء السياسي، ويتفقون على اعتبار الدولة شخصاً معنوياً، لا تتصف بأي صفة من صفات الشخص الطبيعي، زيد أو عمرو أو هند وزينب، ولا يجوز أن توصف بأي منها، وأن جوهر الدولة أو روحها هو القانون العام، الذي يجسِّده الدستور والمدوّنة القانونية، والذي يسري على الجميع، حاكمين ومحكومين، بالتساوي.

 

ويتفق كثيرون من المفكرين العرب على أن مفهوم الدولة شاحب أو ضامر وملتبس في الثقافة العربية، القديمة والحديثة والمعاصرة، وأن العرب المعاصرين لم يعيشوا تجربة الدولة. وكلمة الدولة، في العربية، لا تدل على المعاني والقيم المتداولة اليوم في العالم بوجه عام، وفي البلدان المتقدمة بوجه خاص، وواقع "الدولة" أو واقع الحياة السياسية والأخلاقية للشعب لا يزال دون مستوى الدولة الحديثة والحياة السياسية والأخلاقية الحديثة. لذلك لا نرى في العالم العربي دولاً، بل أنظمة حكم عائلية وعشائرية وإثنية ومذهبية تسلطية ومستبدة، لا ترقى أي منها إلى مستوى دولة وطنية حديثة، بما في ذلك ما تسمّى "الدول العميقة"، كالدولة المصرية.

 

الدول التي كانت تسمّي نفسها دولاً "تقدمية" في الماضي القريب، نشأت، كغيرها، في الحقبة الكولونيالية، ثم أعادت المؤسسات العسكرية – الأمنية تشكيلها وفقاً لمصالحها ومصالح واجهاتها المدنية، الفئوية منها أو الحزبية، التي احتكرت الحياة السياسية، وقلصت مجال الدولة (العمومي) حتى تطابق مع مجال السلطة (الخصوصي)  في كل منها، فصارت الوطنية لا تعني شيئاً سوى الانتماء لحزب السلطة والولاء للقيادة الحكيمة، التي تقود المجتمع والدولة، وقد تقود تحالفاً "سياسياً"، كالجبهة الوطنية التقدمية، في سوريا والجبهة القومية السابقة في العراق. وقد أدت عوامل كثيرة، داخلية وخارجية، إلى انكشاف النوى (جمع نواة) الصلبة لهذه النظم، وتآكل شرعيتها التقدمية، قومية كانت هذه الشرعية الأيديولوجية أم اشتراكية، ونخرها الفساد البنيوي، الذي من "طبائع الاستبداد".

 

لكن الظاهرة الأحدث والأبرز في حياة هذه النظم العائلية والتسلطية، وفي الحياة السياسية والأخلاقية بوجه عام، هي اعتماد الحكومات على ميليشيات طائفية خالصة ومافيات اقتصادية وكتائب حزبية وفصائل مسلحة، كلها مناهضة للدولة الوطنية (العمومية)، وبعضها أقوى من الدولة ذاتها، كما في لبنان وفلسطين والعراق وما يمكن أن تؤول إليه الميليشيات والعصابات في سوريا. واخترع العراقيون خاصة مفهوم "المكونات"، "مكونات المجتمع" أو "مكونات الشعب"، التي يعني الطوائف والإثنيات حصراً، ومكونات الدولة التي تعني الميليشيات المسلحة والمافيات الاقتصادية حصراً على ما بين هذه وتلك من تداخل وتضامن. ومن البديهي أن يغيب مفهوم الحزب السياسي، لا الحزب الأيديولوجي، القومي أو الإسلامي، بغياب مفهوم الدولة الوطنية، وتغيب معه منظمات المجتمع المدني. وقد استورد المثقفون والسياسيون السوريون هذا المفهوم الرديء "المكونات" وصار كاللازمة أو التيمة في خطاباتهم المختلفة والمتخالفة، يُظهر ما كان مخفياً من اتجاهات إثنية ودينية ومذهبية وطائفية.

 

وعلى سبيل الاستطراد، لا يمكن اعتبار "المنظمات غير الحكومية" المتكثرة والممولة من جهات خارجية رسمية وغير رسمية، منظمات مجتمع مدني؛ إذ لا يعقل أن تكون هناك منظمات مجتمع مدني من دون مجتمع مدني ودولة وطنية حديثة بالتلازم الضروري، المعرفي والأخلاقي والواقعي، بين المجتمع المدني والدولة الوطنية الحديثة، التي تبدو لمواطناتها ومواطنيها، من الداخل دولة حريات أساسية وحقوق مدنية متساوية ومؤسسات عامة، وتبدو لغير مواطناتها ومواطنيها، من الخارج، دولة وطنية أو قومية، ولا فرق.

 

أردنا من الاستطراد السابق أن نشير إلى أن الميلشيات والعصابات تحل في البلدان المذكورة محل منظمات المجتمع المدني في البلدان المتقدمة، خاصة بغياب دور النقابات والأحزاب السياسية، فتغدو الفئات الاجتماعية رهائن لدى هذه الميليشيات والعصابات واحتياطياً بشرياً لتنظيماتها ومطارح كسب بلا تعب لقادتها وأعضائها أو موضوع نهب واستغلال وتسلط لهؤلاء وسادتهم.

 

السؤال، هنا، ما الذي يدفع حكومة، كالحكومة السورية، إلى شرعنة ميليشيا يفتقر أفرادها إلى الحد الأدنى من المعرفة والتعليم والكفاءة المهنية والجدارة الأخلاقية واعتبارها "جيش الدفاع الوطني"، مع وجود جيش نظامي استنزف الاقتصاد وقضم جزءاً من أعمار الشبان وحيواتهم على مر العقود؟ وما الذي يدفع حكومة كالحكومة العراقية إلى الرهان على الحشد الشعبي والعمل على شرعنته إلى جانب الجيش الذي أنفقت على تشكيله وتدريبه وتسليحه ما أنفقت، وما الذي يجعل السلطة الفلسطينة سلطة فصائل متناحرة محصلة تجاذباتها صفرية أو دون الصفر، وتستنزف القوى البشرية والمادية؟ وهل كان للبنان أن يكون ما هو عليه لولا شرعنة حزب الله الطائفي بقوة السلاح وضغوط لا تطاق من الحكومتين السورية والإيرانية؟.

 

النموذج النقي للميليشيا التي نعنيها، هو حزب الله في لبنان، لا حزب الله اللبناني، كما يسميه أنصاره والمذعنون لسيطرته، وهو حزب طائفي طائفية خالصة، مناهض للدولة أو لمشروع الدولة، ومسيطر عليها بقوة السلاح، وإيراني العقيدة والمنهج والتمويل والتسليح والتدريب والغايات والأهداف، علاوة على بنيته الشمولية المتوحشة وعقيدته الثأرية، التي تتخفى تحت شعار "المقاومة". ولاء هذا الحزب – الميليشيا لإيران أكثر من ولائه للبنان، بصرف النظر عن مشاعر أفراده الواجدين فيه فرصة عمل مجزية، على الرغم من مخاطرها على حيواتهم، وبصرف النظر عن بيئته الاجتماعية المغلوبة على أمرها، فهو صورة واضحة وضوحاً تاما للميليشيات العراقية وبعض الفلسطينية والميليشيات السورية الأحدث عهداً، والتي يمكن أن يكون ولاؤها لإيران أو روسيا الاتحادية أو تركيا أو للسعودية وقطر أو غيرها أكثر من ولائها لسوريا، وإن كان قوامها البشري من المهمشين السوريين. أما المافيات الاقتصادية فولاؤها الأول والأخير لنفسها، بوصفها الوجه الآخر للسلطات الحاكمة هنا وهناك وشريكتها في إدارة النظام الميليشاوي الملائم للنظام المافيوي أشد الملاءمة.

 

ولعل النموذج النقي الآخر على الصعيد الإثني هو حزب العمال الكردساني، ذو النزعة اليسارية، في سوريا، الذي لا يختلف عن حزب البعث العربي الاشتراكي ذي النزعة اليسارية أيضاً، من حيث تطلعاته "القومية" وسعيه إلى احتكار السلطة والتفرد بالحكم، والذي لا يرى في سكان محافظة الحسكة السورية سوى شعوب كوردية وعربية وآشورية - كلدانية وأرمنية، ومذاهب دينية، على الرغم من حديثه المرسل عن "شرق أوسط ديمقراطي" وفدرالية سورية ديمقراطية حديثاً لا يتسق مع تعدد الشعوب والأمم في دولة واحدة كسوريا أو غيرها. هذا الحزب، لا يعدو، في نظرنا كونه ميليشيا إثنية مسلحة، وجهها الآخر مافيا اقتصادية، مثله مثل حزب البعث بكتائبه المسلحة وقيادته الحكيمة.

 

ليست الميليشيات والعصابات في هذه البلدان سوى تعبير عياني عن تفكك المجتمعات وتشظي السلطة المركزية واهتراء المؤسسات، في كل منها، بعد أن أجهزت السلطات المركزية على جنين المجتمع المدني، وعصفت بإمكانات الاندماج الاجتماعي وتشكل دول وطنية.

 

ومن اللافت للنظر أن الدول المؤثرة في السياسة الدولية، ولا سيما الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، لا تزال تتعامل مع هذه النظم الميليشياوية على أنها دول، وتبارك هيمنة الميليشيات والمافيات الاقتصادية عليها، بل لعلها تتعامل مع هذه وتلك بصورة مباشرة، على أنها القوى التي تحقق مصالحها، وتضمنها في المستقبل المنظور. إن صيروة هذه النظم ميليشيات وعصابات هو ما يوفر الشروط المناسبة لهيمنة الروس والإيرانيين والأتراك والسعوديين والقطريين وكل من هب ودب وتحكُّمهم في أرواح الناس وممتلكاتهم وفي مصائر البلاد. وهو ما يوفر الشروط اللازمة لانقسام السوريين بين مرحبين بالاحتلال الروسي والاحتلال الإيراني، ومرحبين باحتلالات من ينافسونهم على الغنيمة، بعد أن وصلت الوطنية السورية المغدورة من أهلها إلى ما وصلت إليه من تهافت وخواء.

 

أينما ذهبت في البلدات والمدن السورية ترى مسلحين، يضعون شارات مختلفة، وتبدو على وجوههم  وأجسادهم آثار بؤس مزمن وحرمان من شروط الحياة الإنسانية والمكانة الاجتماعية، يتنمرون على الناس أو يستأسدون عليهم، ويوقفونهم على الحواجز، وفي عيونهم لا نظرات امتياز وتفوق وإشعاع سلطة شخصية مطلقة، بل نظرات شك في المدنيين العزل وتحرش بصري بالنساء، وازدراء بالشباب الذين يحملون وثائق التأجيل الدراسي من الخدمة العسكرية، وبمن تبدو عليهم بعض سمات التمدن. أينما ذهبت في سوريا ترى مظاهر الهمجية والتوحش والانحطاط الأخلاقي، بسبب اضمحلال الدولة وانعدام القانون، وعربدة منطق القوة والغلبة والقهر، وتنامي مشاعر الكراهية والحقد والانتقام والثأر.

 

نخشى أن يكون هؤلاء "النشامى" حكام سوريا القادمين و"حماة الوطن" والورثة الشرعيين لحكامها الحاليين. (بعض هؤلاء يضعون على أذرعتهم وصدورهم وظهورهم رقعاً كتب عليها "قادمون"). فإن سيرورة هدر الإنسان وهدر المؤسسات وهدر الدولة وهدر الوطن، هذه السيرورة التي لا تزال مستمرة، وتتعمق، وتتمادى، قد تجعل هذه البلدان بلا مستقبل، وغير صالحة للحياة الآدمية، تحكمها ميليشيات وعصابات، لا دول وحكومات.

.

.

اقرأ المزيد للكاتب ..

 

 



21 كانون أول 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة