728 x 90

دور المرأة في بناء السلام

2071971140.jpg

 

 

 

*أنجيل الشاعر

 

 

الجندر (Gender) مفهوم حديث، أو مصطلح حديث، شاع في الأدبيّات النسويّة أواخر القرن العشرين، وتلقّفته الحركة النسويّة العربيّة، ويعني النوع الاجتماعيّ، مقابل النوع البيولوجيّ. إذ المجتمع هو الذي يجعل من الذكر رجلاً ومن الأنثى امرأة، ويحدّد، عن طريق التربية والتنشئة الاجتماعية، دور كل منهما ووظيفته ومكانته، وفقاً للحضارة التي ينتمي إليها والثقافة السائدة فيه. وتجدر الإشارة إلى أن المفهوم يدلّ على الفروق الاجتماعيّة التي يفترضها المجتمع المعنيّ بين النساء والرجال، لا على الفروق البيولوجية أو الجنسية. وتعزّز الثقافة التقليدية هذه الفروق الاجتماعية بالفروق المورفولوجية (الفروق في الشكل) بين المرأة والرجل، لتبرير التمييز الجنسيّ، الذي لا يختلف عن التمييز العرقيّ أو الإثنيّ أو القوميّ أو الدينيّ – المذهبيّ أو الطائفيّ.

 

تسعى الحركات النسويّة وأنصار المساواة ونصيراتها إلى إحلال مفهوم الجندر الإنسانيّ، محلّ الجندر الاجتماعيّ، على اعتبار المرأة، مثل الرجل، نموذجاً كاملاً للإنسان، لا للإنسان الكامل المحجوز للرجل (على اعتبار المرأة ناقصة عقل ودين). الرجل والمرأة كل منهما فرد من أفراد المجتمع، وهما الأنثى والذكر من ناحية التعريف الجنسيّ لهما حسب المصطلح الإنكليزي sex، أي الصفات البيولوجية والفيزيولوجية، مع العلم بأن كل ذكر يتّصف بخصائص أنثوية طبيعية، وكل أنثى تتّصف بخصائص ذكورية طبيعية، ولعلّ أوّل ما يتبادر إلى الذهن سؤال ذو أهمّية، هل كل أنثى هي امرأة؟ وهل كل ذكر هو رجل؟

 

من المحتمل أن يكون الجواب نعم لدى السواد الأعظم من أفراد المجتمعات المأزومة، لكنّ السؤال الأهمّ الذي يجب أن يُطرح: مَن جعل من الذكر رجلاً، ومن الأنثى امرأة؟ كلمة أنثى لا تعني امرأة، وكلمة ذكر لا تعني رجلاً، لأن الأنوثة والذكورة تحديدان بيولوجيّان تشترك بهما الكائنات الإنسانية مع غيرها من الكائنات الحيّة.

 

 لقد حجب الموروث الاجتماعيّ والثقافيّ والدينيّ المرأة  في جناح "الحريم"، وشكّلها طول المداومة على هذه الحال عشرات القرون، كما أرادها الموروث، وكما يريدها المجتمع الذكوريّ: قاصرة وضعيفة وعالة على الرجل وناقصة عقل ودين وغير مسؤولة إلاّ عمّا أوكلته إليها الطبيعة من إنجاب وإرضاع، وما أوكله إليها المجتمع من أعباء منزلية وتدبير شؤون الأسرة.

 

ونظراً لتكريس الثقافة التقليدية في مجتمعاتنا، فقد تصالحت المرأة مع اضطهادها وتماهت بمَن يضطهدها، وقد جعلها ذلك تتنكّر لأنوثتها، وتسترجل، أو تحاكي نموذج الرجل، "التذكير الرمزيّ". أثر هذه الثقافة  لا يقلّ عن أثر السلطة الأبوية في عمليّتي المحاكاة والتماهي. .. إن محاكاة نموذج الرجل، على نحو ما ترسمه كل امرأة في ذهنها، يقصر معنى المساواة على المقدرة، أي على "التساوي"، بل التكافؤ، في القدرات العضلية والذهنية، ولا يتعدّاها إلى التساوي في الفرادة الوجودية والكرامة الإنسانية والمكانة الاجتماعية والأهلية القانونية. الأنوثة ليست ميزة للمرأة بعد، مثلما الذكورة ميزة للرجل، ولا تمنحها أيّ قدر من الذاتية والخصوصية وأيّ حقّ في امتلاك ذاتها، وتوجيه حياتها الوجهة التي تريد. فنظرة المجتمع إلى المرأة ما زالت نظرة دونيّة لا ترى فيها سوى تابعة للرجل، وكائن غير مستقل بذاته، أي إنها موضوع لسلطة الرجل ورغبته وليست ذاتاً، حسب رأي جاد الكريم الجباعي في كتابه "فخّ المساواة".

 

وقد اعتبر ابن رشد ( 1126 – 1198) وضع المرأة في أي مجتمع معياراً لقوة المجتمع أو ضعفه. وأن المرأة والرجل يشتركان في النوع والطبع والكفاءات الذهنية والعملية، وإن اختلفت عنه في بعض الخصائص والوظائف. .وعزا حالة التردّي التي كانت تعيشها النساء في المجتمعات العربية المسلمة آنذاك إلى "تصوّرات خاطئة موروثة من ثقافة قبليّة أبويّة تحرم المرأة من اكتساب الفضائل والمهارات بالتعلّم الجادّ والعمل الخلَّاق. وخلص إلى أن تغيير هذه الوضعية البائسة يقتضي تغيير تلك التصوّرات الخاطئة والمتحيّزة ضدّ المرأة، والتي لا بدّ أن تورث المجتمع كله ضعفاً مادياً ومعنوياً، نظراً لكون النساء يشكّلنَ أغلبيّة المجتمع". كان رأي ابن رشد هذا قبل عشرات القرون، هو توزيع الأدوار والإمكانيّات بين الرجل والمرأة بالتساوي، ويمكن أن نذهب به إلى تأسيس اللبنة الأولى في مصطلح الجندر أو النوع الاجتماعيّ الذي هو موضوع بحثنا هذا.

 

دخل مفهوم الجندر إلى المؤتمرات والمواثيق الدولية في ثمانينات القرن الماضي، في وثيقة مؤتمر القاهرة للسكّان عام 1994 ثم في وثيقة بكين التي تُعرَف باتّفاقية سيداو عام 1995، وقد تكرّرت كلمة الجندر آنذاك 233 مرّة، فحصلت خلافات ونقاشات كثيرة حول تعريف المصطلح وترجمته، إلى أن توصّلت النقاشات إلى نتيجة عدم التعريف أو الترجمة، لكن حركات التحرّر النسوية أخذت تحثّ في مؤتمراتها ومنتدياتها المناهضة للعنف ضدّ المرأة، على إعادة ظهور المصطلح وتعريفه والعمل به، فعاد ليظهر الجندر في مؤتمر روما المنعقد عام 1998 حول إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، إذ قالت الدول الغربية: إن كل تفرقة أو عقاب على أساس الجندر هو جريمة إنسانية. أمّا منظمة الصحة العالمية فقد عرّفته على أنه المصطلح الذي يفيد استعماله وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركّبة اجتماعية، لا علاقة لها بالاختلافات العضويّة.

 

على هذه الخلفيّة جاء القرار ١٣٢٥، الذي اتّخذه  مجلس الأمن، في  جلسته 4213، التي عُقدت في ٣١  تشرين  الأول / أكتوبر ٢٠٠٠، حول "الدور الهامّ للمرأة في منع الصراعات وحلّها وفي بناء السلام، وشدّد على أهمّية مساهمتها المتكافئة ومشاركتها الكاملة في جميع الجهود الرامية إلى حفظ السلام والأمن وتعزيزهما، وعلى ضرورة زيادة دورها في صنع القرار المتعلّق بمنع الصراعات وحلّها، يؤكّد أيضا الحاجة إلى التطبيق الكامل للقانون الإنسانيّ الدوليّ والقانون الدوليّ لحقوق الإنسان اللذين يحميان حقوق المرأة والفتاة أثناء الصراعات وبعدها. وممّا جاء فيه:

 

1 - يحثّ القرار الدول الأعضاء على ضمان زيادة تمثيل المرأة في جميع مستويات صنع القرار في المؤسّسات والآليات الوطنية والإقليمية والدولية لمنع الصراعات وإدارتها وحلّها.

 

٢ - يشجّع الأمين العام على تنفيذ خطّة عمله الإستراتيجية الداعية إلى زيادة مشاركة المرأة في جميع مستويات صنع القرار في عمليات حلّ الصراعات وإحلال السلام.

 

3 - يطلب إلى جميع الأطراف الفاعلة المعنيّة، عند التفاوض على اتّفاقات السلام وتنفيذها، الأخذ بمنظور جنسانيّ، يشمل، في جملة أمور، ما يلي:

 

(أ) مراعاة الاحتياجات الخاصة للمرأة والفتاة أثناء الإعادة إلى الوطن وإعادة التوطين وما يتعلّق من هذه الاحتياجات بإعادة التأهيل وإعادة الإدماج والتعمير بعد انتهاء الصراع.

 

(ب) اتّخاذ تدابير تدعم مبادرات السلام المحلّية للمرأة والعمليات التي يقوم بها السكان الأصليّون لحلّ الصراعات، وتدابير تشرك المرأة في جميع آليات تنفيذ اتّفاقات السلام.

 

 (ج) اتّخاذ تدابير تضمن حماية واحترام حقوق الإنسان للمرأة والفتاة، وخاصّة ما يتعلّق منها بالدستور والنظام الانتخابيّ والشرطة والقضاء.

 

 تأخّر هذا القرار وغيره، من العهود والمواثيق والاتّفاقات المتعلّقة بحقوق النساء ومقتضيات العدالة الإنسانية من المساواة والحرّية، نحو نصف قرن على الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان (10 / 12 / 1948)، وأكثر من ثلاثة قرون على ولادة الدولة الحديثة، منذ صلح وستفاليا (1648)، الدولة، التي يُفترض أنها تساوي بين مواطناتها ومواطنيها في الحقوق المدنية والسياسية، لأنها تأسّست على "حرّية الضمير" والحياد الإيجابي إزاء العقائد الدينية، التي كرّست الانشقاق الجنسيّ وتفضيل الرجال على النساء. ما يعني أن المُنجَز الحضاريّ، أو المدنيّ أو الثقافيّ، على الصعيد الإنسانيّ، لا يزال متواضعاً، وسيظلّ كذلك ما دامت المجتمعات مبتورة إنسانياً، يتنكّر شطرها الذكوريّ لإنسانية شطرها الأنثويّ، وجدارة الفتيات والنساء وأهليّتهنّ واستحقاقهنّ حقوقاُ مساوية لحقوق الفتيان والرجال. وأن مقاربة المسألة النسويّة ومشاركة النساء في بناء السلام قد لا تصل إلى شيء ذي شأن إذا تجاهلت واقع الإنسان المبتور كما وصفه جاد الكريم الجباعي.

 

إذا نظرنا إلى مفهوم الجندر كبديل لمفهوم الجنس، نجد أنه يهدف إلى التأكيد على كل ما يقوم به الرجال والنساء، فيما عدا الوظائف الجسدية المتمايزة جنسياً يمكن أن تتغير مع مرور الزمن، وتبعاً لعوامل التغيّرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تلحق بمجتمعاتهم من الثروات المنتجة، والحدّ من المستوى الذي بلغه تجاوز المنطق الذكوري ضمن تلك المجتمعات.

 

من الملاحَظ أن الحركات النسويّة لم تقم لإعادة خلق الأنثى على حساب الذكر، إنما سعَت للمساواة بينهما في الحقوق المدنية والسياسية، والتكافؤ في عمليات الإنتاج وصنع القرار، وهذا ما يحقّقه الجندر الإنسانيّ في الحياة الاجتماعية كافة، أو بالأحرى في الحياة الإنسانية، تحضرني هنا مقولة للنسوية الأولى في العالم والمناهضة للنظام البطركي "سيمون دوبوفوار" (الإنسان لم يولد امرأة) بمعنى أن الإنسان هو أنثى وذكر، متساويان في الحقوق الإنسانية، والذي جعل من الأنثى امرأة هي مواريث وتقاليد اجتماعية قاصرة.

 

إن ما يدعو إلى مفهوم الجندر اليوم هو ضرورة تحرير طاقات المجتمع من التبعيّة والتخلّف، وهذا يكفل لكل فرد من أفراد المجتمع التمتّع بحقوقه المدنية والسياسية والاقتصادية، وبما أن النساء هنّ أفراد من هذا المجتمع، فيجب أن يكنّ مساويات للرجال في الحقوق وملتزمات بواجباتهنّ.

 

وبمناسبة الاحتفاء بالإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، لا بدّ من الإشارة إلى أن مفهوم "الإنسان" في هذا الإعلان ذو إيحاء ذكوري، فليس للمرأة فيه أيّ حضور، وكذلك في الدساتير الحديثة، التي تنصّ على تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات، من دون أيّ إشارة إلى المواطنات. وليس هذا غريباً، لأن معظم الدول الحديثة لم تعترف بحقّ النساء في التصويت إلا بعد الحرب العالمية الثانية. (اعترفت فرنسا بحقّ المرأة في التصويت عام 1948 مثلاً، في حين اعترفت سوريا بذلك عام 1949).

 

المرأة التي تُنتج الحياة أولى بالدفاع عنها، ولا حياة إنسانية إلا في ظلّ الأمن والسلام.

.

.

اقرأ المزيد للكاتبة.. 

 

 

 



03 شباط 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة