728 x 90

حلب مهددة بضياع الهوية وأهلها يفقدون ممتلكاتهم

1913261061.jpg

 

ليليا نحاس

 

انشغلت الحكومة السورية خلال السنوات الماضية بتنفيذ أجندة النظام الأمنية، ترافق هذا مع ظهور خلل وترهل كبيرين في عمل مؤسساتها القانونية والمؤسساتية والخدمية، وانحسار واضح للسلطة القانونية في ساحة حرب البقاء التي يخوضها النظام، ضياع الممتلكات واحدة من النتائج الكارثية التي يتكبدها السوريون المقيمون في مناطق النظام، والتي تهدد آلاف الممتلكات الأخرى، خصوصاً تلك التي تعود للاجئين ومغتربين خارج البلاد.

 

 

عصابات نقل ملكية العقارات  تنشط في حلب

 

نشط عدد من عصابات تزوير الممتلكات في مدينة حلب مؤخراً، وتهدف هذه العصابات للحصول على مبالغ  طائلة عبر المتاجرة بعقارات المواطنين في مناطق سيطرة النظام في المدينة، وتعتمد في عملها على  تزوير وكالات عامة باسم أصحاب هذه العقارات، أو تزوير ممتلكات جديدة، مستغلة ضياع آلاف من وثائق ثبوتيات الملكية في القصر العدلي في حلب، إثر تسرب المياه إليه وتسببها بإتلاف مئات من سجلات الملكية. وتتعاون هذه العصابات مع أشخاص يسهلون لها عمليات التزوير، منهم محامون أو موظفون في هذه المؤسسات.

 

 يقول الأستاذ غسان عابد وهو محام: "كما يقال (دود الخل منو وفيه)، معظم عمليات التزوير التي تمت اشترك فيها محامون وموظفون في السجل العقاري، الذين يقومون بتسهيل الوصول إلى السجلات وتزوير الملكيات تمهيداً لبيعها من قبل المالك الجديد، ومعظمها تم كشفه من قبل القضاة خلال عمليات البيع والشراء"، وعن عدد الحالات التي تم اكتشافها يضيف الأستاذ غسان :"تم خلال السنة الماضية اكتشاف أكثر من 70 حالة تزوير خلال دعوات قضائية احتوت على وثائق مزورة، يراد منها نقل ملكية عقارات تبلغ ملايين الليرات دون علم أصحابها الأصليين، ولكل عملية تزوير ضحيتين: المالك الأصلي والشخص المشتري، وقد لا يعلمان بوقوع عملية النصب عليهم إلا بعد سنوات، إن لم يتم اكتشافها خلال عملية البيع".

 

الدكتور عيسى وهو طبيب من مدينة حلب، كان أحد الضحايا المحظوظين، فقد استطاع اكتشاف عملية النصب قبل وقوعها. يروي الدكتور عيسى لمجلة "صور": "غادرت سوريا منذ سنتين، وأغلقت بيتي الكائن في منطقة حلب الجديدة، اتصل بي أحد الجيران عندما سمع صاحب أحد المكاتب العقارية يعرض بيتي للبيع، فاتصلت بمحامٍ وتقدمت بشكوى أدت إلى اكتشاف عملية تزوير لوكالة عامة باسمي".

 

وعن الإجراءات التي يتم اتخاذها لحماية المواطنين من عمليات النصب، يقول الأستاذ غسان: "اقتصرت الإجراءات القانونية الوقائية على المزيد من التدقيق في الوثائق المقدمة، واشتراط استعمال وكالة مصدقة خلال خمسة أيام فقط ضمن أي إجراء قانوني، إلا أن تحقيقاً على المستوى المطلوب للوصول لكامل أفراد هذه العصابات لم يجر على الإطلاق، بالرغم من أن حلب سجلت أكبر عدد لمحاولات التزوير خلال السنة الماضية".

 

ضياع حقوق السوريين وسط إهمال حكومي وغياب لسلطة المعارضة

 

اتخذت قوات الجيش النظامي من المؤسسات الحكومية مقاراً عسكرية لها، ما جعلها هدفاً لنيران الجيش الحر، ثم هدفاً لنيران النظام بعد سيطرة الحر عليها، ما أدى الى ضياع آلاف الوثائق القانونية ومستندات الملكية.

 

يقول الأستاذ فاروق، وهو محام: "اعتماد معظم المؤسسات الحكومية والقانونية خاصة على الأرشفة والتوثيق اليدوي، قاد بنا إلى هذه الكارثة التي لا يمكن أن تحدث في بلدان العالم المتحضر، فبالرغم من التحذيرات التي وجهناها لكبار المسؤولين في وزارة العدل عن ضرورة اتخاذ اجراءات وقائية تضمن حفظ حقوق المواطنين، وتقي حقوقهم من أضرار الحرب، إلا أن أحداً لم يأخذ الموضوع على محمل الجد، ولم نلق سوى الإهمال واللامبالاة، أما العواقب فيتحملها المواطن وحده"، ويضيف فاروق: "الأخطر هو ضياع وثائق تاريخية أو ممتلكات لأماكن أثرية في حلب القديمة ما يهدد بضياع هوية المدينة وتاريخها".

 

من جانب آخر لم تتعامل قوات المعارضة بمسؤولية مع المنشآت التي وقعت تحت سيطرتها، انما تعاملت معها على أنها مكسب من النظام وليس من ممتلكات الشعب، ما أتاح الفرصة للسارقين والمستغلين والمزورين، وهو ما سيعني دخول الكثير من السوريين في المستقبل بنزاعات حقوقية وقانونية طويلة الأمد.

 

الاستيلاء على البيوت في غياب أصحابها بدعم قانوني

 

استيلاء القوات النظام العسكرية على بيوت المواطنين شكلٌ آخر لخسارة المواطنين لممتلكاتهم، حيث تقوم تلك القوات بحملات دورية في المدينة بحثاً عن البيوت الفارغة للاستيلاء عليها، الأخطر هو استنادهم إلى قانون الدائرة الاجتماعية القاضي بتأجير المنازل التي تركها أصحابها وغادروا لمواطنين سوريين، حملات البحث بدأت أولاً من أحياء حلب الراقية كجمعية المهندسين وحلب الجديدة وجمعية الزهراء، حيث يقول أحمد وهو من سكان منطقة حلب الجديدة: "طالبونا بتقديم وثائق ملكية البيت أو عقد آجار، وقاموا بطرد كل من لا يملكها، وإن كان أحد أقارب مالك البيت، ثم تم الاستيلاء عليها من قبل بعض الجنود وبعضها منح لعائلات الشبيحة". ويضيف: "احتلال الشبيحة للبيوت أشد خطراً، كون معظمهم من مدينة حلب ولن يغادروها قريباً، وربما لن يتمكن صاحب البيت من إخراجهم منه أبدا".

 

خوف الكثير من المغتربين من احتلال بيوتهم دفعهم إلى تأجيرها على الفور بمبالغ متواضعة مقارنة مع قيمة المنازل التي قد تصل لعشرات الملايين، وذلك لحمايتها من الاستيلاء والتخريب.

 

 

وعود النظام لتعويض الخسائر لم تتعد وسائل الإعلام

 

يعد أصحاب الممتلكات المدمرة بفعل آلة الحرب أكثر من تعرض لخسارات مالية ضخمة، معظمهم لم تقتصر خسارته على المال والحجارة، إنما شملت أرواح أقارب وأعزاء، وقد بادر النظام السوري في الآونة الأخيرة للإعلان مرراً وتكراراً عن نيته تقديم تعويضات مالية للذين تضررت ممتلكاتهم، فأعلن محافظ حلب أن المحافظة ستقوم بتعويض المتضررين بنسبة خمسين بالمئة من الأضرار، يأتي هذا في الوقت الذي لا تمتلك فيه المحافظة أية إحصاءات رسمية لحجم الخسائر والأضرار في المدينة، والتي تصل إلى المليارات في المناطق الصناعية.

 

يقول أبو عبد الله وهو من سكان حي صلاح الدين: "تعرض منزلي للقصف ودمر بالكامل، وفقدت ولدي وهو في السادسة من العمر، لم يقم أحد بتعويض أي من سكان الحي الذي دمر بالكامل، لو كانوا حريصين علينا لما قاموا بتسوية الحي كاملا بالأرض". ويضيف: "إن قدموا تعويضاً لي على بيتي المدمر فليس هناك تعويض لحياتي المدمرة".

 

يذكر أن الكثير من المناطق الأثرية في حلب القديمة لا يزال حالها مجهولاً بسبب استمرار المعارك فيها، وبالرغم من التحذيرات الدولية والمحلية لطرفي الصراع من خطر ضياع التراث الوطني في مدينة حلب، بسبب عمليات القصف المتواصل، والاشتباكات المستمرة، فلا حياة لمن تنادي حتى أصبحت ذاكرة حلب التاريخية قاب قوسين أو أدنى من الضياع.

 

 

 



14 تشرين ثاني 2014

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة