728 x 90

حرّية المُعتقد والردّة الدينية في الدول ذات الغالبية المُسلمة

2917565160.jpg

 

تعدّ حرّية المعتقد من أبرز التحدّيات التي تواجه الدول ذات الغالبية المسلمة لما لها من دور في عرقلة تقدّم ونمو مجتمعاتها والقضاء على مستبديها وتحقيق التعايش الديني بين مواطنيها قبل ترسيخ أسس الديمقراطية التي تضمن حقوق المسلمين وغيرهم على السواء. فيُعاني مواطنو هذه الدول من انتهاكات خطيرة وممنهجة لحقهم في حرية المعتقد الذي يجب أن يشتمل على حرية الإيمان أو عدم الإيمان، كما حرية الانتماء أو عدم الانتماء إلى دين أو طائفة معيّنة، وبالتأكيد حقّ تغيير الدين والتعبير عنه علناً، فضلاً عن حرية ممارسة شعائر الأديان والسماح ببناء أماكن العبادة وترميمها. إلا أنّ أغلب الدول الإسلامية تفرض على مواطنيها منذ ولادتهم الانتماء إلى ديانة عائلاتهم، المُعترَف بها رسمياً، وتُطبّق عليهم أنظمة تعليمية وقوانين دينية قد لا يؤمنون بها، فضلاً عن تقييد تغيير الدين إلى غير الإسلام والتضييق أو حتى حظر بعض الديانات وإقامة شعائرها والتبشير بها.

وتكاد تكون معالجة مسألة الردّة الدينية، التي لاتزال تجرّمها بعقوبات متفاوتة أغلب الدول العربية، حجر الأساس للتمهيد لاحترام حرية المعتقد. فتطال تهمة الردّة، أو العدول عن الدين الإسلامي، العديد من فئات المجتمع وشرائحه : المنتمون إلى أقلّيات دينية غير مُعترف بها في الإسلام كالبهائيين والأحمدية أو هؤلاء الذي يرغبون باعتناق دين جديد غير الإسلام الذين سُجّلوا فيه منذ ولادتهم أو التحقوا به طوعاً أو كرهاً، والذين يعلنون إلحادهم وعدم إيمانهم أو الذين يفسّرون الدين الإسلامي بطريقة غير تقليدية تصالح بينه وبين أسس الديمقراطية. كما أنّ إشكاليات الردّة الدينية تمتدّ لتطال من يقوم بالتبشير بدينه وهو ما يندرج ضمن إطار الحقّ بحرية التعبير والحرية الدينية، طالما أنّ نشر الدين يتمّ بوسائل غير قسرية.

أشرف فياضوقد أدّت تهمة الردّة عن الإسلام في المنطقة العربية إلى انتهاكات حقوقية  مختلفة طالت المسلمين وغيرهم في إطار عقوبات تشريعية رسمية تطبّقها  الأنظمة الحاكمة. فتتراوح عقوبة الردّة بين الإعدام في ظلّ الأنظمة ذات  الأيديولوجية الإسلامية المتطرّفة كحال النظام في السعودية والنظام في  السودان، وبين التجريد من الحقوق السياسية والمدنية في دول أخرى أقل  صرامةً  في تطبيق الشريعة مثل الأردن ومصر وسوريا. فقد جاء في المادة (126)  من القانون الجنائي السوداني : "1- يُعدّ مرتكباً جريمة الردّة كل مسلم يروّج  للخروج من ملّة الإسلام أو يجاهر بالخروج عنها بقول صريح أو بفعل قاطع  الدلالة. 2- يُستتاب من يرتكب جريمة الردّة ويمهل مدة تقرّرها المحكمة فاذا أصرّ  على ردّته، ولم يكن حديث عهد بالإسلام، يُعاقَب بالإعدام .3- تسقط عقوبة الردّة  متى عدل المرتدّ قبل التنفيذ". وفي السعودية، يقبع الشاعر الفلسطيني أشرف  فياض في السجن بعد اعتقاله والحكم عليه بالإعدام بتهمة الردّة والإلحاد، غير أنّه  تمّ تخفيف حكمه عام 2016 إلى السجن لثماني سنوات و 800 جلدة بعد عدوله عن  ردتّه بحسب قرار الحكم.

أمّا في الدول العربية الأقلّ صرامة في تطبيق التشريعات الإسلامية كأغلب دول  المشرق، فإنّ الوضع القانوني للمرتدّ ملتبساً، ويعود ذلك إلى عدم وجود تشريعات  إيجابية وصريحة تحظر العدول عن الإسلام. مع ذلك، يلجأ القضاة لتفادي السماح  بترك الدين الإسلامي إلى مبدأ عدم التعارض مع النظام العام، الذي غالباً ما تُعدُّ الشريعة الإسلامية أحد أركانه الرئيسية. كما أنّ ذكر دساتير هذه الدول للإسلام كدين للدولة أو للشريعة الإسلامية كمصدر لتشريعاتها من شأنه أن يؤدّي إلى منع الجهاز القضائي من قبول إجراءات ترك الدين الإسلامي، باعتماده أيضاً على مواد نصّت عليها قوانين الأحوال الشخصية تُلزِم القضاة بالرجوع إلى الرأي الثابت لأبي حنيفة في حال غياب النصّ القانوني، وهذا ما يضطرّهم إلى الأخذ بالمدرسة الحنفية، أي بالنصوص الواردة في كتاب قدري باشا التي تمنع على المسلمين من حيث المبدأ تغيير دينهم. وينصّ كتاب قدري باشا على عقوبات بحقّ المرتدّ، منها تفريقه القسري عن شريكه الزوجي وحرمانه من حضانة الأطفال ومن النفقة الزوجية والإرث والسلطة الأبوية، إلخ. وقد لا يجري تطبيق هذه القيود في بعض حالات الارتداد وخاصة غير المعلنة، ولكنّ مؤسسات الدولة تستمرّ في معاملة "المرتدّين" على أنهم مسلمون وبالتالي تطبّق عليهم وعلى أُسرهم تشريعات إسلامية في مجال الأحوال الشخصية، وتلزمهم بتلقين أولادهم الديانة الإسلامية في المدارس وإلحاقهم بها في القيود المدنية. وعلى الرغم من أنّ معظم قوانين العقوبات في هذه الدول لا تلحظ أية عقوبة جزائية بحقّ المرتدّ، لكن هذا الأخير يمكن أن يواجه عقوبة السجن بناء على النصوص أو المواد القانونية التي تتعلّق بالتشهير بالدين أو زعزعة الوحدة الوطنية أو الإخلال بالنظام العام. وتعدُّ قضية الإسلامي الليبرالي نصر حامد أبو زيد خير مثال على ذلك، حيث أصدرت محكمة النقض المصرية بشأنه قرارها الصادر بتاريخ 5 آب/أغسطس 1996 والقاضي بتفريقه قسراً عن زوجته بحجّة بطلان زواج غير المسلم بالمسلمة.

     

وعلى الصعيد غير الرسمي، تستمرّ جماعات تكفيرية ناشطة في الشرق الأوسط باللجوء إلى تهمة الردّة كأحد أبرز الذرائع لارتكاب أعمال القتل بحقّ المسلمين والاعتداء عليهم. و يبرّر المتطرّفون ذلك دينياً من أجل محاربة المنتمين إلى تيار إسلامي آخر أو مَن لا يقوم بتطبيق الواجبات الدينية التي يفرضها تفسيرهم المتشدّد للشريعة. ويمتدّ تطبيق حدّ الردّة على كلّ معارض للتطرف الديني أو تارك الصلاة أو حتى من يتلفّظ بقول تعتبره تجديفاً بالله وازدراءً بالدين الإسلامي. وفي عام 2016، أُعدم الشاعر السوري بشير العاني و ابنه البكر إياس بتهمة الردّة على يد عناصر تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

 تؤثّر إذاً الردة الدينية على المسلمين وغير المسلمين منتهكةً حقوق الإنسان الأساسية ومسبّبةً توتّرات واحتقانات دينية واستمراراً لسطوة رجال الدين المتطرّفين أو خطر وصولهم للسلطة، الأمر الذي تستخدمه الكثير من الأنظمة الاستبدادية كذريعة لتعطيل الانتقال الديمقراطي. هذا وأسفرت انتهاكات الحقّ في الحرية الدينية ولاتزال عن حروب وصراعات دموية مفجعة، استطاعت بعض المجتمعات، خاصة الأوروبية، تجاوزها باحترام مبادئ حرية المعتقد وإبعاد الدين عن السياسة والقوانين. بينما لا تزال المعركة مستمرّة لاستئصال كافة تشريعات الردّة الدينية وجعل النصّ القرآني "لا إكراه في الدين" سائداً في البلدان ذات الغالبية المسلمة لتبصر عليها نور الديمقراطية كما حدث في المجتمعات الغربية بعد عقود من الاستبداد باسم الكنيسة والحروب الدينية التي أشعلتها وغذّتها بشكل أساسي انتهاكات الحق في حرية المعتقد.

هل سيسعى المسلمون للمصالحة بين دينهم واحترامه لحرية المعتقد حتى ينعموا وبقية المواطنين بحقوق الإنسان ؟ وهل سيشاركهم غير المسلمين في نضالهم الهادف إلى نهضة بلدانهم وخروجها من مآسيها وآلامها بما يترك انعكاساته وآثاره على مكوّنات هذه المجتمعات برمّتها ؟

 



30 أيلول 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة