728 x 90

جنيف وخمس سنوات من الدّوَران في الفراغ

2761914870.jpg

خمس سنوات مرّت على بيان جنيف في 30 حزيران (يونيو) 2012 الذي جاء نتيجة توافقات بين مجموعة عمل من أجل سوريا، باشتراك عديد من الدول المعنيّة بالشأن السوريّ، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، وقد تضمّن البيان الصادر ستّة بنود رئيسة، أهمّها إيقاف النزاع المسلّح والإفراج عن الموقوفين على خلفيّة الأحداث الجارية ودخول المساعدات، ووسائل الإعلام وتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيّات بمشاركة بين المعارضة والنظام .

ومنذ ذلك البيان جرت ستّة لقاءات في جنيف وأخرى في فيينا، وانعقدت لقاءات للأصدقاء ومنّصات جانبية هنا وهناك، وظلّت جميعها عالقة في الدوامة ذاتها، فلا الدول الراعية بحساباتها ورهاناتها المتباينة، عملت على الدفع الحقيقي بأطراف النزاع السوريّة وصولاً إلى حلول سياسية، كانوا هم عرّابيها ومهندسيها وصائغي قرارتها، ولا طرفا الصراع توصّلا إلى توافق، على تفسير قرارات جنيف ولا كيفيّة تطبيقها، فمنذ اليوم الأول لإعلان بيان جنيف1، ظهر التباين والخلاف بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية، حول تفسير الفقرة المتعلّقة بإنشاء هيئة حكم انتقالية بصلاحيات كاملة، وتحديداً على مصير رئيس النظام السوريّ، ولم يلاق أيّ من البنود الخمسة الأخرى طريقه إلى المتابعة والتنفيذ، بل ظلّت الدبلوماسيّتان الأمريكية والروسية، تتغازلان وتتنافران وتلعبان بنا وبوضعنا السوريّ لعبة توم وجيري، ونحن الذين تخلّينا عن دورنا وحضورنا وقَبِلنا أن نظلّ خارج القاعات، نترقّب التوافقات بين الخصوم ومتأمّلين بالترجيحات، ولكننا لم نحصد سوى الخيبة خلف الخيبة، مراهنين على ما لا يُراهن عليه.

ولقد زاد في حراجة مواقفنا أنّ حساباتنا وآمالنا كلها، حُصرت وتعلّقت بمسلّحين متعدّدي المرجعيّات والأجندات والتابعيّة، وظللنا عارين من أصدقاء حقيقيّين يساندون قضيتنا، على حين أحاطنا النظام بفيالق شاكية السلاح ومدربة على فنون القتال، وكلهم من العصبويّين التابعين لولاية الفقيه الإيرانية، ثم أضاف الروس منذ بداية الثورة مظلّتهم الدبلوماسية ودعمهم بالسلاح والعتاد، ثم لم تلبث أن تحوّلت إلى تدخّل مباشر، يحمي النظام ويشاركه في القتل والتدمير والجرائم، منذ أواسط أيلول 2015 وحتى تاريخه، حتى كان آخر وأخطر نتائجها إخضاع حلب وما تلاها من سحب المقاتلين إلى الآستانا، بتوافق بين الروس والأتراك والإيرانيين، ليتبيّن أن الأستانا مجرّد لعبة روسية لاستجرار المسلّحين إلى موالاتهم وتنفيذ إرادتهم، ولمّا لم

يتسنَّ لها ذلك، حوّل الآستانا إلى ملهاة روسية لتمضية الوقت، بعد أن فشلت في تطويع الإرادات وهمّشت الدور الإيراني، ثم لم تلبث أن تجاوزت اتّفاقها مع الترك، ليس فقط في دعمها للقوى الكردية المعادية لهم، بل أيضاً في تفشيل الاستثمار التركي في هذا الجانب، وهي لا تخفي رغبتها في تطويع إرادات المقاتلين الإسلاميين وفق رغباتها للانتهاء بهم، إلى ما انتهت بمقاتلي الشيشان، بعد تدمير كروزني، حين حوّلت أشرس أعدائها إلى قادة شرسين في محاربة زملاء الأمس في محاربة بوتين وسلطته.

وفي ظلّ توالي ثلاثة مندوبين للأمم المتحدة، بدءاً من كوفي أنان الذي صدر بيان جنيف 1 في عهد بعثته على رأس الدبلوماسية الدولية، لقيادة الحلّ السياسي المطلوب، ثم الأخضرالإبراهيميّ الذي أشرف على مفاوضات جنيف 2 بعد، أن (حلّ ائتلاف قوى الثورة والمعارضة) كبديل براغماتي عن راديكالية المجلس الوطني، الذي ذهب إلى رفض بيان جنيف1، من دون أن يقدّم بدائل أو خطّة لتغيير النظام والوصول إلى البديل الوطني الديمقراطي، ولكن لا رهان المجتمع الدولي الذي أوجد الائتلاف بغية الوصول به إلى حلّ وسط، نجح في رهانه، ولا الائتلاف نفسه نجح في رهانه، على دول تدّعي صداقتها للشعب السوري، بل ذهب أعضاؤه في غمرة صراع الذاتيات والمرجعيات والولاء للخارج، إلى مزيد من التابعية المالية والسياسية، وبعد جنيف2 حدثت أربع لقاءات على التوالي بقيادة دي مستورا وكلها وصلت إلى اللا نتيجة، وظلّ موقع رئيس النظام في هيئة الحكم الانتقالية عالقاً، بفضل دعم روسي مباشر، وذلك أن النظام وداعميه من الروس تحديداً، كان يلتفّ في كلّ مرة ويتهرّب من مناقشة هيئة الحكم الانتقالية، بطرح البديل ذاته، وهو مكافحة الإرهاب، ويجد الأسلوب المناسب للمناورة، وتعطيل عملية الوصول إلى حلول سياسية ما دامت لا تسير وفق إرادته، بإقامة حكومة وطنية، تحت سيادة النظام وفي ظلّ رئيسه.

ومن المعروف أن الروس، قد سارعوا إلى دعم وفد النظام في جنيف 2 وتدريبه على المناورة والمرواغة للتنصّل، من أي من الالتزامات، وطرح البدائل المناسبة للخروج منتصراً.

المؤسف أكثر أنه لا لقاءات جنيف الستّة، ولا القرار الداعم 2118 الصادر في مجلس الأمن 2013 عقب مجزرة الكيمياوي على الغوطة، ولا قرار فيينا 2254 المتضمّن حكومة غيرطائفية، ولا غيرها أحدثت تقدّماً يُذكر في مسار مفاوضات السلام.

 

وإذا كان أمر فراغ جنيف من أية جدوى واضحاً منذ البداية، فإنه اليوم غدا أكثر وضوحاً، ولاسيّما في ظلّ متغيّرات كبيرة، أهمّها وصول ترامب إلى الرئاسة وعدم وضوح مواقفه، وزيادة حذرنا، من أنّ يتّجه إلى مزيد من السلبية التي عبّر عنها أثناء حملته الانتخابية وبعد تسلمه مسؤوليّاته مباشرة، فيضيع كلّ جهود جنيف من 1 إلى خمسة بلا فائدة، حتى ولو على سبيل المران والتحمية للمفاوضين، وليغدو جنيف مسلسلاً لتضييع الوقت، مادام الأمريكيون لم يضعوا ثقلهم، وما لم يتوافقوا مع اللاعبين الدوليين على حلّ سياسي، يضمن مصالح الأطراف الأقوى وترضية الأقل قوّة وتأثيراً، بينما يعود الضعفاء" من المولد بلا حمّص" .

لم يبقَ لنا نحن – السوريّين- بعد أن سلّمنا كلّ أوراقنا الرابحة، سوى السرديّة المظلومية ذاتها، التي أصمّ العالم أذنيه عن سماعها، ومن المؤسف أن يكون رهاننا قد بات محصوراً بدور أمريكيّ إيجابيّ، رغم علمنا أنهم لم يحقّقوا يوماً مصلحة لشعب محتاج لدعمهم، وهم لا يهمّهم التغيير السياسي، ولا الانتقال إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا إزاحة القتلة والمجرمين من صفوف النظام والمعارضة على حدّ سواء، بل يهمّهم من يغدو طوع أيديهم ويحقّق مصالحهم، من دون أن يبذلوا جهداً كبيراً في سبيلها، وها قد بتنا نترقّب هذا الدور وهذا التوافق الأمريكي الروسي بعد أن تهدأ الخواطر، ويبعد شبح المواجهة بينهما، بعد الغارة الأمريكية الموجعة على الشعيرات، للروس قبل النظام، وذلك لأنها تعتبرها واقعة تحت حمايتها، وأن أي ضربة لها عدوان على سيادتها.

المطلوب إذاً أن نقف نحن السوريين، وأن نعمل يداً واحدة، خلف أهداف محدّدة جليّة تضمن مستقبل بلدنا، في الحرية والسيادة وحقوق المواطنة، في ظلّ دولة الحقّ والقانون !



14 آب 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة