728 x 90

جماعات لا تجتمع

1882925262.jpg

 

 

سوف يلاحظ مَن ينظر إلى العقود القليلة الأخيرة من تاريخ الحركات الشعبية في سوريا، جانبين لافتين، الجانب الأول هو أن الحراك الشعبي كان دائماً  على أرضية سياسية وليست اقتصادية (على خلاف الحال في الأردن مثلاً)، بدءاً من الحركة الإسلامية في حماة 1964 ضد حكم البعث "العلماني"، إلى الاحتجاجات الإسلامية على الدستور 1973 المتصلة بموقع الإسلام من الدولة في الدستور السوري، إلى اندلاع الصراع المفتوح مع الحركة الإسلامية في 1979، وصولاً إلى ثورة 2011. الجانب الثاني هو أن الحراك كان، في جميع المحطات المذكورة، ذا طابع إسلامي غالبٍ ينطوي دائماً، بطبيعة الحال، على بعد طائفي يستجيب للبعد الطائفي الذي ينطوي عليه النظام ويتكامل معه.

 

حين حاولت بثينة شعبان (المستشارة الإعلامية في نظام الأسد) التعامل مع ثورة 2011 في بدايتها، على أنها "انتفاضة جوع"، ردّد المتظاهرون حينها "الشعب السوري مو جوعان"، للتأكيد على الطابع السياسي للاحتجاجات التي بدأت بهتاف سياسي صريح "الشعب السوري ما بينذل".

 

 

الأصل في الحراك السياسي السوري المتكرّر هو السعي لفكّ احتكار الدولة من قبل طغمة وصلت إلى الحكم بانقلاب عسكري، واستعمرت الدولة بالكامل، وراحت تسحق معارضيها مزوّدة بكل إمكانات الدولة الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية. هذا يعني أن الديموقراطية كانت في جوهر النشاط المعارض، أو كانت الحاجة الأساسية للشارع طوال هذه العقود. الأحزاب السياسية التي كانت تبنّت برامج اشتراكية "ما بعد ديموقراطية"، وجدت نفسها مغمورة بالهم الديموقراطي إلى أذنيها، حتى أنها وضعت أهدافها الاشتراكية على الرفّ "مؤقّتاً"، مثل حزب العمل الشيوعي في سوريا.

 

قد يتوّهم البعض وتبدو لهم الديموقراطية قضية ترفيه تعني النخبة فقط، وكثيراً ما ركّز الجهد الإعلامي والإيديولوجي للنظام على تكريس هذه الفكرة، لصالح الكلام عن أولوية الوضع الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة ..إلخ، في حين أن الديموقراطية بوصفها وسيلة حكم ووسيلة رقابة على الحكم في الوقت نفسه، هي شرط لازم لتحسين مستوى المعيشة لأنها تمتلك وسيلة الحدّ من الفساد، ومن سوء الإدارة والتخطيط، وتضع المسؤول تحت محاسبة الجمهور والقضاء المستقلّ، وفي هذا مردود اقتصادي بالدرجة الأولى.

 

المفارقة التي تصدم المراقب، أن هذه "المهمّة الديموقراطية" التي طالما تلمّس السوريون الحاجة إلى تحقيقها، لم تجد، على مدى عقود، "الوسيلة الديموقراطية" المناسبة لها. وتزداد حِدّة المفارقة بعد اندلاع ثورة 2011 والمشاركة الشعبية الواسعة فيها دون إحراز تقدّم يُذكر على طريق تبلور هذه الوسيلة، مع ذلك.

 

في غضون ثورة 2011، تراجع كثير من الديموقراطيين السوريين عن الفكرة القائلة إن المهمة الديموقراطية تحتاج إلى وسيلة ديموقراطية، أو قل جمّدوا هذه الفكرة، تحت ثقل عجزهم. بعضهم جمّدها لصالح الحديث عن التدرّج عبر  الحصول على مكاسب ديموقراطية من النظام بالاستفادة من الوضع الحرج له في مواجهة الإسلاميين، وبعضهم جمّدها لصالح التعويل على تطوّر ديموقراطي يأتي بعد إسقاط النظام ولو على يد إسلاميين. والحقّ أن هؤلاء، في الحالتين، مثّلوا استقالة مقنّعة عن الفعل السياسي، مستعيضين عنه بإعلان مواقف "تحالفية" لم تكن تعني شيئاً مهمّاً للحليف المفترض. فلا النظام تراجع عن استبداده تحت تأثير هذا "التحالف/الالتحاق"، بل زاد فيه بالأحرى، ولا الإسلاميون فتحوا باباً لقبول الديموقراطية، بل تباروا في تكفيرها وقمع عناصرها، وفي فرض حكم استبداد وهيمنة ضمن مناطق نفوذهم. في الحالتين كان دور الديموقراطيين الفعلي هو مساندة "متبوعهم" أو "حليفهم" غير الديموقراطي في الصراع، أو بكلام أوضح، كان دورهم الفعلي هو مساندة عدوهم.

 

 

يبقى أن هناك بعضاً ثالثاً من الديموقراطيين الذين رفضوا كلا الخطّتين، لكنهم لم يتمكّنوا من تأطير أنفسهم في أي شكل تنظيمي مؤثّر قادر على أن يكون مركز استقطاب، وبقوا متفرقين كأفراد أو كمجموعات قزمة لم تستطع النمو، ولذلك اقتصر دورهم على التذمّر والشكوى. المحصلة هي أن الديموقراطيين السوريين، بكل تلاوينهم، كانوا هامشيين في ثورة أساسها ديموقراطي، وأن أياً من التيارات الديموقراطية الثلاثة المذكورة لم يشكّل مركز ثقل في مسار ثورة ديموقراطية في سوريا اندلعت في آذار 2011.

 

هذه الصورة ليست غائبة عن وعي الديموقراطيين السوريين بالتأكيد، الجميع يستشعر الحاجة إلى تجميع طاقاتهم، والكثيرون منهم يقدمون على خطوات عملية في هذا الاتجاه، غير أن كل الجهود لم تثمر عن نتيجة مؤثّرة أو حتى واعدة. النتيجة الوحيدة، حتى الآن، هي أن المحاولات المتكرّرة أعطت عدداً من الجماعات يساوي عدد هذه المحاولات، وهي جماعات مبعثرة وضعيفة ومرشّحة، كما يبدو، للضمور والتلاشي أكثر ممّا هي مرشّحة للاتّساع.

 

لم يمهّد فشل النظام وفشل معارضيه الإسلاميين وما كشف عنه الصراع السوري من تشابه بينهما، نقول لم يمهّد هذا، كما يمكن أن يتوقّع المراقب، إلى ارتفاع أسهم الديموقراطيين السوريين وبروز تشكيل ديموقراطي علماني وازن وفعّال. هناك تعقيد شديد في خارطة الصراع السوري ولكن اللوحة الظاهرة لهذا الصراع تبدو، للمفارقة، شديدة البساطة. بعد كل شيء، يحافظ نظام الأسد على جمهوره ويحافظ الإسلاميون على جمهورهم، ذلك أن الجمهور الذي يخسره هذا الطرف يتحوّل إلى الطرف الآخر، في غياب مركز استقطاب ديموقراطي، الأمر الذي يحيل الصراع في سوريا إلى صراع عقيم رغم هول التضحيات والخسائر. ويبدو أن تاريخ سوريا سيبقى تاريخ الصراع بين هذين الطرفين في المدى المنظور ما لم يملأ الديموقراطيون السوريون موقعهم الفارغ على الخارطة السياسية السورية.

 

الأسئلة التي تدعو للتأمّل: كيف تتلاشى خصوبة تعقيد الصراع في سوريا ليمتصّها زيف اللوحة السورية الظاهرة (صراع بين نظام "علماني" وإسلاميين)؟ أين يكمن مصدر شلل الديموقراطيين السوريين في اللحظة التي يكون برنامجهم الديموقراطي العلماني هو المخرج الأمثل لبلدهم من هذه المحرقة الدورية؟ لماذا يتذرّر الديموقراطيون السوريون كالرمل دون أن يكون لديهم قابلية للتلاحم في عجينة واحدة؟ لماذا يختارون تشكيل جماعات جديدة متشابهة بدلاً من التجمّع في تشكيلات كبيرة ومؤثّرة؟

 



28 حزيران 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة