728 x 90

جماعات الضغط وسياسات ملء الفجوات

2093395981.jpg

 

 

 

 

*ريناس سينو

 

 

الوضع السياسيّ العامّ في منطقتنا التي تعيش حالة من الاستعصاء وانسداد الآفاق، دفع بالكثير من الشبّان إلى ترك العمل السياسيّ ضمن الأحزاب والتوجّه إلى ميدان العمل المدنيّ على أمل أن يساعد عملهم في هذا المجال على تغيير السياسيات لصالح القضايا التي يعملون من أجلها، في ظلّ عدم وضوح الرؤية حول العلاقة الشائكة بين العمل المدنيّ والعمل السياسيّ لدى هؤلاء الشباب، فنراهم يتخبّطون ما بين الاثنين، مع الإدراك أن عمل منظّمات المجتمع المدنيّ هو عمل تراكميّ بحاجة إلى سنوات حتى يحقّق أهدافه، وبالتالي نحن أمام فجوة بين مثّلث الأحزاب والحكومة ومنظّمات المجتمع المدنيّ بحاجة إلى ملئها، وأعتقد أن ذلك يتطلّب وجود جماعات الضغط لسدّ تلك الثغرات.

 

لا يوجد تعريف واحد متّفق عليه  لجماعات الضغط، يمكننا في هذا المجال القول إنها مجموعة من الأفراد تجمعهم مصالح مشتركة، وتسعى إلى تحقيق مصالحها من خلال الاتّصال بمسؤولي الدولة ومؤسّساتها ومحاولة إسماع صوتها، وهذه المصالح قد تكون مصالح سياسيّة أو اقتصاديّة أو اجتماعيّة.

 

لا تسعى جماعات الضغط إلى السيطرة أو الوصول إلى السلطة عكس الأحزاب السياسيّة، إنّما يقتصر دورها على التأثير في السياسات بما يخدم مصالحها، وذلك باستخدام أسلوبين محدّدَين يتمثّلان إمّا بالاتّصال المباشر بأصحاب القرار ومحاولة إقناعهم بسياسات تخدم تلك المصالح، أو بالأسلوب غير المباشر باستخدام  العصا والجزرة، مثل تعبئة الرأي العامّ تجاه قضيّة معيّنة، ولا تحتاج جماعات الضغط إلى هيكليّة تنظيميّة قويّة ومركزيّة، إنّما يكفي أن يكون هناك نوع من التنظيم الذي يحرّك أعضاءها، وهي بحاجة إلى الشرعيّة والمشروعيّة، بالإضافة إلى توافر الإمكانيّات الماديّة وأعضاء مؤثّرين، والأهم من كلّ ذلك، امتلاكها لعلاقات قويّة ونافذة مع صُنّاع القرار في الدولة.

 

تزيد الحاجة في المجتمع إلى نشاط  وفعاليّة جماعات الضغط  في الحالات التي تفشل فيها برامج ومشاريع الأحزاب في تحقيق مطالب الشعب؛ وهذا النشاط مرهون بوجود أنظمة ديمقراطيّة، وقد تتواجد في الدولة غير الديمقراطيّة، إلا أنها تعمل بشكل سرّيّ لتحقيق أهدافها.

 

وتقع جماعات الضغط في الأنظمة السياسيّة الديمقراطيّة هرميّاً بين الحكومة والبرلمان ومؤسّسات المجتمع المدنيّ، وتحديداً بعد الحكومة والبرلمان، وقبل مؤسّسات المجتمع والأحزاب، فهي فوق مؤسّسات المجتمع المدنيّ والأحزاب تنظيماً وتأثيراً، ودون الحكومة والبرلمان من ناحية الصفة الرسميّة، لذلك تلعب تلك الجماعات دور الوسيط بين مؤسّسات المجتمع المدنيّ التي تمثّل الشعب من جهة، والحكومة والبرلمان من جهة أخرى، بانعدام جماعات الضغط في أيّ مجتمع أو ضعفها، تنعدم العلاقة والتفاعل بين المؤسّسات المدنيّة والحكومة والبرلمان، وتزداد الهوّة بينها، وبالتالي تضعف العلاقة بين الشعب والحكومة والبرلمان، فالشعب بعد أن يختار ممثّليه في البرلمان والحكومة عبر الانتخابات، لا يتركهم يتصرّفون وحدهم كما يشاؤون حتى الانتخابات القادمة، بل تتمّ متابعة أولئك والضغط عليهم عبر جماعات الضغط المختلفة، ويعني ذلك أن عدم وجود جماعات ضغط  قويّة يهدّد مستقبل الديمقراطيّة، ويقود إلى نشوء مراكز ضغط غير قانونيّة تفتقر إلى التنظيم والشفافيّة والتركيز، ويضعف أداء البرلمانيّين والموظّفين الحكوميّين، كما يبقي دور الأحزاب ومؤسّسات المجتمع المدنيّ هامشيّاً، ويقود إلى ضعف في العلاقة والتفاعل بين الشعب والدولة بالمعنى الأعمّ، غير أن وجود جماعات ضغط قويّة بشكل أكثر من اللازم يفرغ النظام الديموقراطيّ من فكرة أساسيّة يعتمد عليها، ألا وهي الحرّية في إبداء الرأي والتعبير وحرّية الاختيار.

 

وبالنظر إلى الحالة العامّة في المجتمعات الشرق أوسطيّة نجد افتقارها بشكل كبير إلى هذا النوع من الجماعات لأسباب كثيرة، وعلى رأسها بنية هذه الأنظمة التي تفتقر إلى الديمقراطية، وتقمع حرّية التعبير والرأي، وهذا ما ينطبق على الواقع السوريّ باستثناء بعض المبادرات مؤخّراً،  والتي انطلقت بغية تحقيق أهداف معيّنة، ولكن بقيت في حدود المبادرات، ولَم تتطوّر لتأخذ شكلها التنظيميّ القانونيّ حتى يتسنّى لها الاستمرار في ممارسة الضغط لحين تحقيق أهدافها، وما نداء برايمن الذي أطلقه مجموعة من النشطاء الكرد بهدف توحيد المواقف السياسية بين الأحزاب والتيّارات السياسيّة الكرديّة إلا مثال حيّ على هذه المبادرات التي تحتاج إلى  رعاية وتطوير لتحقيق هدفها.

.

.

 

اقرأ المزيد للكاتب .. 

 

 



04 نيسان 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة