728 x 90

جشع التجّار يتحالف مع الميغ في القضاء على السوريين

2828631558.jpg

 

 

هاديا المنصور

 

دخل محمود (24 عاماً) المشفى في حالةٍ صحيةٍ يرثى لها، يعاني من الدوار والغثيان والاضطرابات الهضمية والمعوية. وبعد ساعةٍ قضاها في العناية المشددة خرج على نقالة. عن وضع محمود يتحدث الطبيب علي (30 عاماً)، الاختصاصيّ في الأمراض الهضمية، لمجلة "صوَر" قائلاً: ”يبدو أنه تناول طعاماً غير صحيٍّ أو منتهي الصلاحية، ما جعله يتعرّض لحالة تسمّمٍ خطرة، استطعنا تلافي مضاعفاتها بإجراء غسيل معدةٍ له وحقنه بمضادّات تسمّم”. ويوضح الدكتور علي أن هذه الحالات انتشرت في الآونة الأخيرة بشكلٍ كبيرٍ نتيجة غياب الرقابة الصحية والتموينية على الأطعمة والمواد الغذائية.

 

حال محمود هو حال الكثير من السوريين الذين أصبحوا عرضةً للأمراض نتيجة طمع التجار وغياب الضمير في توزيع الكثير من الأطعمة منتهية الصلاحية في الأسواق السورية، مستغلين غياب الرقابة وساعين من وراء ذلك إلى زيادة ثرواتهم على حساب صحة الناس وحياتهم.

 

يقول محمود: ”اعتدت شراء اللحوم التركية المستوردة نتيجة رخص ثمنها قياساً إلى ثمن اللحوم المحلية التي ارتفع سعرها أضعافاً مضاعفةً في ظل الحرب. وبالمقابل فإن وضعي المادي ضعيف، ونادراً ما أجد عملاً”. ويحمد محمود الله لأن ولده وزوجته لم يأكلا من هذه اللحوم أيضاً، وإلا كانت النتائج كارثيةً في حقّ عائلته.

 

 

أبو أسامة (48 عاماً) أحد بائعي اللحوم المستوردة التركية في كفرنبل بريف إدلب الجنوبيّ، يقول: ”الحقيقة أنني أعمل في هذا النوع من التجارة نظراً لإقبال الناس على شراء هذه اللحوم. أحاول في كلّ مرّةٍ أن أطّلع على تاريخ إنتاجها ومدّة صلاحيتها وتاريخ انتهائها، ساعياً من ذلك إلى شراء اللحوم الأفضل حرصاً على صحة المواطن وعلى سمعتي التجارية”. ويوضح أبو أسامة أنه يعمل على استمرار تجميد هذه اللحوم لعدم فسادها. وإن كانت هناك لحومٌ منتهية الصلاحية فهذا الأمر ليس خطأه، بحسب قوله، وإنما خطأ التجار الذين يبيعونها له.

 

أبو محمد (40 عاماً) أحد أعضاء المجلس المحليّ في مدينة كفرنبل، يقول ”ازداد جشع التجار في ظلّ الحرب وأخذوا يُدخلون إلى البلاد ما هبّ ودبّ من المواد الغذائية واللحوم الفاسدة، وخاصّةً في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، والتي تخلو من النظام الرادع لمثل هؤلاء”. ويؤكد أبو محمد أن الفئات الحاكمة في مناطق سيطرة المعارضة، من جبهة النصرة وجميع الفصائل الثورية، همّها الأوّل والأخير هو الجبهات والمعارك وتحرير الحواجز وإسقاط النظام، أما الأمور المحلية والرقابية فهي مهملةٌ رغم أهميتها وضرورتها، وهذا ما زاد من جرأة التجار وعبثهم بصحة الناس الأبرياء.

 

أم وائل (38 عاماً) أرملةٌ فقدت زوجها في الحرب وأصبحت معيلةً لأولادها الأربعة، تقول عن تجربتها في هذا الموضوع: ”أوضاعنا المادية متردّية، وبالكاد نستطيع تأمين ما يلزمنا من متطلبات الحياة. أما اللحوم فمن المعلوم أنها الأغلى ثمناً بين أنواع الأطعمة في منطقتنا. عندما يطلب أطفالي أن أشتري لهم اللحم أحاول إقناعهم بتأجيل هذا المشروع ريثما أستطيع تأمين ثمنه، وحين أستطيع توفير بعض المال أسعى إلى شراء اللحوم التركية لرخص ثمنها”.

 

 وتردف قائلةً بأنه في يوم 24/6/2015 حدث ما لم يكن متوقعاً، وهو إصابتها وأطفالها بالتسمّم نتيجة تناولهم هذه اللحوم. ولولا إسعافهم إلى المشفى الميدانيّ الذي قام بمعالجتهم لا تدري ما كان سوف يحلّ بها وبأطفالها. وهي اليوم مستعدّةٌ أن تعيش طوال حياتها على النباتات بدلاً من شراء اللحوم المستوردة وتكرار ما حدث معها. وتعبّر أم وائل عن غضبها بالقول: ”أتمنى أن ينفق هؤلاء التجار عديمو المسؤولية ما يربحونه من أموالٍ على صحتهم، وأن يصيبهم ما يصيب الناس من أمراضٍ بسبب طمعهم وجشعهم”.

 

من جهةٍ أخرى يقول غالب الإبراهيم (48 عاماً)، وهو أحد تجار كفرنبل: ”صحيحٌ أنني أحضر اللحوم التركية المجمّدة وأقوم بتوزيعها على المحلات وبيعها، ولكنها بمواصفاتٍ جيدة، إذ إنني أتأكد من ذلك من تاريخ الصلاحية المطبوع عليها. فإن كانت هناك أيّ لحومٍ غير صحيةٍ فيعود ذلك إلى البائع الذي لا يحسن تخزينها وتجميدها”.

 

من جهته يؤكد سالم الشاكر، وهو أحد تجار الأدوات المنزلية، أن التجار يقومون بشراء اللحوم التي مضى عليها وقتٌ طويلٌ وهي مخزّنة، ولذلك يتمّ بيعها في تركيا بأسعارٍ منخفضةٍ لأنهم سيتخلصون منها بعد أيامٍ إن لم تبَع لأنها ستفسد. فالدولة التركية لا تستهين بقضية من يبيعونها في الداخل التركيّ وهي فاسدة، بسبب وجود رقابةٍ على هذا الموضوع وعقوباتٍ صارمةٍ للمخالفين. ولذلك يسارع التجار السوريون إلى شرائها بأبخس الأثمان، وأحيانا يقومون بتغيير مدّة الصلاحية المطبوعة على اللحوم ليعتقد من يشتريها أنها طازجةٌ وجيدةٌ في حين أنها فاسدة. ويعبّر الشاكر عن أسفه قائلاً: ”دائماً المواطن السوريّ هو الضحية. وكأنّ قصف قوّات النظام له ليلاً ونهاراً لا يكفيه حتى يصبح عرضةً للأمراض بسبب جشع التجار أيضاً”.

 

ويقول الطبيب حسام الجندي (58 عاماً)، مدير مشفى الشفاء الميدانيّ في معرّة النعمان: ”ارتفعت نسبة الأمراض الهضمية والمعوية بشكلٍ كبيرٍ في الآونة الأخيرة. هناك حالاتٌ تصل إلينا أكثرها حالات تسمّم؛ التهاب معويّ؛ قرحات معدية؛ التهاب كولون؛ أكياس ماءٍ على الرحم؛ إضافةً إلى أكثرها خطراً وهي السرطانات التي انتشرت بشكلٍ ملحوظٍ وغير مسبوق”.

 

ويعزو الدكتور الجندي هذه الأمراض إلى غياب الرقابة الصحية وانتشار التلوّث في كلّ مكان، مترافقاً مع زيادة أعداد الاستغلاليين من التجار الذين لا يعيرون صحة المواطن أيّ اهتمام. فقد بلغ عدد المتضرّرين نتيجة الغذاء حوالي 200 ألف حالةٍ على مستوى محافظة إدلب وريفها خلال هذا العام.

 

 

 

ويتابع محذراً: ”يجب على كلّ شخصٍ أن يكون حذراً في شراء الأطعمة، وأن يبتعد عن المواد الغذائية المستوردة، وخاصّةً اللحوم لأنها الأكثر عرضةً للجراثيم والفيروسات الممرضة”. والأفضل، بحسب الدكتور الجندي، معرفة جودة اللحوم من رائحتها لأنها ما إن تفسد حتى تظهر لها رائحةٌ ولو خفيفة، ويحذّر من شرائها وتناولها.

 

 

ويختم حديثه بالقول: ”يتعرّض السوريون اليوم لحرب إبادةٍ من كلّ جوانب الحياة السياسية والعسكرية والمعيشية والصحية والنفسية، فعليهم جميعاً الانتباه وأخذ الحيطة والحذر. في هذا الوقت السوريُّ وحده المعنيُّ والمسؤول عن صحته وسلامته وسلامة عائلته، ريثما يقدّر الله مخرجاً للأزمة الراهنة”.

 

 

 

.

.

.

اقرأ أيضاً للكاتبة :

 

ــ أرامل الحرب: بين فقد أزواجهنّ وتحدّيات الحياة

 



13 آذار 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة