728 x 90

جدتي.. فالانتاين بلحيته.

1890091649.jpg

 

 

*نبيل الملحم

 

كان اسمها ورد الشام، هي واحدة من جدّاتي (أنا رجل مصاب بتعدد الجدّات)، ولم أكن ألتقط اسمها دون شرط أن ألفظ "الراء" كما ينبغي لرجل كامل، لا أعرف عن تلك السيّدة مغامرات عابرة، غير أنها تشبه طيور الشرق.. طالما أراحت قدميها في دفاتري الصغيرة، كما لو ولدت دفاتري من قدميها.

 

اليوم، أعرف بالتمام والكمال المعنى الجدّي لاسمها، فالأسماء كما الجريمة تحتاج إلى مبرر وشهود وقرائن.

 

تلك السيّدة المثقلة بستمائة وألف وجع، كان اسمها ورد الشام، لم لا؟ فـ :

 

  • *هذه الشام اليوم تحضّر نفسها لتحمل وروداً وتهرع في يوم مخصًص للعشاق.
  •  

 

من دمارها تركض حاملة فوق كتفيها وجع المدن، لتهرهر وجعها عن كتفيها كما (عتّال) نزق يغافل متعهدي الورشة.. مدينة تركض بكل جلال الموت نحو جلالة الحياة، وهي تدخن أولى سجائرها.

 

يا الله، كم ترهقك خيبتك، وأنت تنام بلا وردة تُهديها أو تُهدى إليك، وأنت الرجل الذي لا قتيل من بيته، ولا جنازة من سلالته، فيما القتلى يرفعون ورودهم ملوّحين للحياة أن :"يا كلبة نحبّك.. أنت كلبتنا".

 

غداً أو ربما اليوم، عيد العشاق في مدينة عرفت الموت، ونكهة الاحتضار، وغِفلة أيام ما كانت بالحسبان.. مدينة تتفاهم مع الله دون وسيط.

 

من حق دمشق أن نمتدحها لا كما أيّة مدينة أخرى، مع أن الموت  طال العالم دون أن يُنبئه قلبه، أو يؤنّبه إن شئنا، ومع أن أنوارها أطفئت في قمرتها.

 

  • *عيد العشاق؟!!
  •  

أيّة مسافة تقطعها هذه المدينة ما بين أراجيحها، وحواف احتضارها؟

 

- للمدن سرّها، كما للمرأة.

 

المدن امرأة.. هي هكذا، ولهذه المدينة ستة آلاف دهر من الزفاف، ولهذا تعرف كيف تخادع الموت ودمارها وتنهض للحظات معدودات بالاقحوان والقرنفل، ولن يمنعني أنا الصبي، سليل الفلاحة .. شاهد الدجاجات والديكة وتكاثر الحمير المعلن، من أن أمضي في سوقها من باب شرقي وصولاً للبزورية لأشمّ رائحة "الخولنجان" والفلفل وزعتر فلسطين البري، كما الصبايا  وهن يعلن الحرب على الترمّل، ويوطدّن عزيمتهن ليصرخن بملء ضحكاتهن:

 

  • *فلتحيا الحياة يا خنازير الحرب، فلتحيا عصافير البلد.
  •  

يصرخن صرخاتهن، ويدوّنها في الدفاتر المرمّزة، صرخات ستدخل عاجلاً أو آجلاً في سجلات مدينة عاشت قبل الحرب، وتعيش مع الحرب، وبتّ أشك  في احتمال فنائها، وأنا الشكّاك بقيم البقاء على قيد الحياة كلّها.

 

هذه امرأة بجلباب من حرير، ربما لم تخطط لبطنها الناهض،  تحمل وردة.. وعلى حافة الطريق هي وهو، اثنان يملكان العالم وتعوزهما اللقمة  يخططا من أين سيسرقا وردتهما.

 

- أيّة مدينة هذه؟

 

هي جدتي بالتمام والكمال، "ورد الشام"، صاحبة الذواكر التي لا تحصى، سلاحاها الوحيدان سرّها وسرّها، وما من سلاح آخر لتبرر اسمها.

 

اليوم تعرفت على جدّتي.. اليوم فقط عرفت معنى اسمها.. ضميرها، جدائلها، وحزمة أمشاطها التي تخطّط لشيب ضفيرتها.

 

لكلّ المدن دروس عقيمة، باستثناء هذه المدينة، ربما دروسها سلالات لا تنتهي:

 

  • *سلالات من ليال مجنونة.. مآذن لا تحصى.. بوابات سبعة، ولن يعوزها موسى بن نصير ليتسوّل أمام بوابة أعظم جوامعها.
  •  

لنقل بالفم الملآن أن هذه المدينة لا تخطئ، نحن الخطّاؤون وها نحن نحزم أمتعتنا لنغادرها.

 

ربما لأننا لم نحظ بوردة، ربما لأنها (الوردة) لا تنمو بين أصابعنا المتيبسة، ربما لأننا لم نتأمل فجر دمشق كما ينبغي.

 

ها هي حبال الأرجوحة تفلت بنا.

 

- لا .. ليس بكم .. بي وحدي.

 

ولأن الأمر كذلك سأغادرها طالباً جسوراً نحو مواعيد لن تأتي، مع بشر ما كانوا، طوعاً أم كرهاً بتنا مذعورين من ورود مدينتنا، وقد اتخذنا القرار بالنيابة عنها.

 

كنت أخالها مأوى عجزة، أو ربما بقرة خارت قواها، وكنت على يقين كيف التهمت ثقافة "الهوت دوغ" و"الجينز" وتعاليم اليهودي "سرفان شرايبر" ورودها، وكنت أظنها عشيقة استراتيجة للفناء.. كنت أظن كل ذلك، غير أنني كما ظنوني مجرّد (ظن رجل).

 

  • *تصوروا أن يتحوّل الرجل إلى مجرد (ظن).
  •  

مرة ثانية أنا رجل متعدّد الجدات:

 

  •  *دمشق، يا جدتي.. هاتي جديلتك لأترجح بها.. لقد تقطّعت حبال أرجوحتي.
  •  

قوليها بمرح إن شئت، أو ارفعي شحّاطتك في وجهي واصرخي بي:

 

  • *لا تغادر يا صبي، ابق حيث أنت وسدّ شقوق الباب بالخُرق، ولكن حذار أن تأوي سفن ما من مراسي لها سوى النسيان.. تعلّم أن  لا تنسى.

.

.

اقرأ المزيد للكاتب .. 

 

 



12 شباط 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة