728 x 90

ثلاثة شهداء ومعتقلان ..حين تَفتَح الجراح أبواب البَوْح

3025931083.jpg

 

                

        ثلاثة شهداء ومعتقلان ..حين تَفتَح الجراح أبواب البَوْح 

سوريا مقصلة الأمومة

 

                       

عندما تحاول الدخول إلى عالم أمّ أحمد، لا بدّ أن يفاجئك جبروتها، تماماً كما يفاجئك مقدار الألم في روحها، الأمّ التي أصبح ألمُها قُوتَ يومها بعد أن حوّلت الإنسانية أبناءها إلى أرقام وإحصاءات.

 

كانت أمّ أحمد تعيش مع عائلتها المؤلّفة من عشرة أفراد في أحد أحياء حلب، وكان لدى العائلة مكتب لآليات الشحن الثقيلة بين المحافظات، تعيش منها، ولم تكن تدرك أم أحمد يوماً أنه قد يحصل معها ما حصل حيث تقول: "لم نكن ندرك بأننا سوف ندفع الثمن باهظاً ".

 

قصّة أمّ أحمد هنا تمثّل قصص آلاف الأمّهات السوريّات، اختبرت الفقد باستشهاد ثلاثة من أبنائها، كما اختبرت قسوة الانتظار باعتقال الاثنين الآخرين، ولا زالت تتنظر منذ ستّ سنوات، تجهل مصيرهم، ولا تفوّت أيّ مناسبة أو فعاليّة تخصّ المعتقلين، علّها تصل إلى بصيص أمل يرشدها إلى ابنيها القابعَين في سجون النظام.

 

تسرد أمّ أحمد قصص استشهاد أبنائها الثلاثة متجاهلة الآلام التي تعتريها، وهي تفتح أبواب جروحها التي لم تندمل بعد، تريد أن يسمع العالم عمّا حدث لأبنائها الخمسة.

 

تقول: "اعتُقل عبد الغني ويحيى وعبد الله في بداية الثورة 2011، ولكن فقط لأشهر، وذلك إثر مشاركتهم بالمظاهرات"، ومع اشتداد الثورة في حلب وامتدادها إلى الجامعة، لم تستطع أمّ أحمد منع أولادها من المشاركة في المظاهرات.

 

عبد الغني كان طالب بكالوريا يبلغ من العمر 17 عاماً، كان موهوباً، يقوم  بفكّ جهاز الحاسوب، ويصلحه بسرعة مذهلة في عمر الخامسة عشر. تسرد الأم قصة استشهاد عبدالغني رغم قساوة اللحظات التي عاشتها، حين أراد الذهاب إلى السوق يوم الخميس، تقول:  " لم أصدّقه حينها، فطلب منّي مرافقته، تسوّقنا، وفي اليوم التالي ارتدى ثيابه الجديدة وتعطّر كأنه ذاهب إلى عرسه، وجلست أنا في الشرفة أنتظر خروج المتظاهرين الذين كان عبد الغني واحداً منهم، لم أتوقّف عن الدعاء عندما بدأ ضرب الرصاص، أحسست أن رصاصة دخلت في قلبي، ولم أعد أطيق الجلوس، كانت نفسها رصاصة القنّاص التي اصطادت روح ابني، بينما كان يقوم بتصوير المظاهرة عند دوّار صلاح الدين، طلبت من ابنتي أن تتّصل به، أجاب صديقه أن عبد أصيب، وأنهم في طريقهم إلى المشفى الميداني لإسعافه، ولكن رصاصة غدرهم لم تمهل رفاق ابني لإنقاذ روحه، استنفرت كل البيت للصلاة له علّه ينجو، وانتظرت، انتظرت طويلاً، كانوا يقولون إن هذا التأخير بسبب حاجته للدم، لكنهم منعوني من الذهاب إليه، رغم أني أحمل زمرة دمه نفسها، وبعد ساعة تقريباً، جاءني العريس مغتسلاً بدمه، لا أدري من أين أتتني تلك القوة، أردت فقط أن أشم رائحته لآخر مرّة، كان نائماً كالملاك، مسحت الدم عن وجهه وقبّلته وشممت رائحته، وبعدها غبت عن الوعي ".

 

ولكنّ القدر لم يقف عند عبد الغني، كان لشقيقه محمد بدر الشاب الوسيم  ذو الـ 24 عاماً، والحائز على شهادة معهد متوسّط هندسيّ، نصيبه هو الآخر، حيث كان يخدم العسكرية في محافظة القنيطرة، عندما سمع نبأ استشهاد أخيه طلب إجازة للنزول إلى حلب، بعد أن أقنع الضابط أن المسلّحين قتلوا أخاه.

 

تقول أمّ أحمد " أراد محمد الانشقاق وعدم العودة، ولكني لم أوافقه على ذلك خوفاً من بطش النظام، إذ كنّا نرى ما يفعله بأهالي المنشقّين، فعاد إلى قطعته، وعندما اجتاح الجيش مدينة دير الزور، أرسلوا ابني ضمن قطعته هناك، لم يستطع المشاركة بالقتل، خاصّة وأن عمله في القنيطرة كان إدارياً فقط، فقرّر الانشقاق، وبمساعدة من الثوار في دير الزور تمّ تأمين انشقاقه واختار العودة إلى حلب".

 

في طريق عودته اعتقله حاجز المنارة التابع للنظام في الشهر السابع 2012. حاول الهرب فأطلقوا عليه الرصاص ليُصاب في قدميه، ثم اقتادوه إلى المعتقل، ومنذ ذلك التاريخ لم يعرف أهله عنه شيئاً سوى هذه التفاصيل التي أخبرها زميل له في المعتقل، خرج بعد شهر من تاريخ تلك الحادثة .

 

 

اشتدّت الثورة في حلب، وخاصة في الجامعة، وبعد استشهاد عبد الغني واعتقال محمد بدر، بدأ القصف على المدينة بشكل لم تعهده من قبل، وشرعت الطائرات تصبّ البراميل عليها، ومع اشتدادها  زاد أخوة عبدالغني ومحمّد إصراراً على مواصلة الطريق، لكن العائلة لم تعد قادرة علي البقاء في حلب في تلك الفترة. تقول أمّ أحمد: "قرّرنا النزوح إلى الريف الشمالي، لكن أولادي الباقين استمرّوا بالعمل كخليّة نحل، من الخروج في المظاهرات إلى توزيع الإغاثة والمكتب الإعلاميّ".

 

استمرّت الحال هكذا إلى الشهر التاسع من عام 2012، إلى أن حصلت الفاجعة الأكبر باستشهاد أحمد واعتقال يحيى في يوم واحد. تسرد أمّ أحمد ما حدث في ذلك اليوم، وهي لا تستطيع أن تحبس دموعها، وكأنّ القدر يتربّص بأبنائها واحداً تلو الآخر.  " عندما تأخّرا في العودة بدأ قلبي بالخفقان، اتّصلت بأحمد، فأجابني شخص آخر وسألني إن كنت أمّه، قلت نعم وطلبت التحدّث إلى ابني، وسألته مَن يكون؟ فقال إنه من الجيش الحرّ للإيقاع بنا، أجبت بأنه لا يهمّني، وأننا لسنا مع أحد، ولكنه بدأ يكيل لي الشتائم، وقال إنهم الجيش السوري، وأخبرني بالحرف الواحد: (أولادك عندنا، وتشاهدي على أرواحهم، هذا حاجز الشقيف)، وأقفل الخطّ. انقطعت كل أخبارهم لمدة 4 أيام، بعد ذلك اتّصل بنا أحد أقربائنا ليقول إنه شاهد جثّة ابني أحمد في مشفى الجامعة بحلب".

 

أحمد 28 عاماً، وهو الابن الأكبر في العائلة، لم يكمل دراسته، كان يعمل على سيارة مغلقة بنقل الأدوات الكهربائية بين المحافظات، في يوم استشهاده اتّصل به  أخوه يحيى كي يُقلّه من حلب المدينة إلى البيت، وفي طريق العودة، نُصِب لهما كمين نتيجة تبليغ قام به شخص ما عنهم.

 

استطاعت عائلة أمّ أحمد عن طريق أحد المعارف معرفة ما حدث لابنيها على الحاجز، حيث تمّ توقيفهما وبدأوا بتعذيبهما، وخاصة يحيى، فلم يحتمل أحمد رؤية أخيه معذّباً، فبدأ يكيل اللكمات لأفراد الحاجز، الذين قاموا برشّه مباشرة وقتله على الفور، وأُرسل يحيى 22 عاماً، الطالب في السنة الرابعة في هندسة الميكانيك، قسم الطاقة الى أحد المعتقلات، ومنذ تاريخ اعتقاله إلى اليوم لا تعلم أمّه عنه شيئاً.

 

وبعد عملية بحث عن طريق الأقارب تمكّن الأب من استلام جثّة ابنه أحمد من المشفى مع شهادة وفاته التي أُجبِر على أن يوقّع عليها، ويعترف أن ابنه كان إرهابياً.

 

تقول أمّ أحمد "لم يسمحوا لي برؤيته، دفنوا أحمد دون أن أودّعه، لم أقبّله، دون أن أتمكّن من أن أرسل سلاماً لعبد الغني معه".

 

كيف احتملت هذه الأمّ  كل هذا الألم؟ من أين لها القدرة على ذلك؟ وهي تفكّر دائماً،  كيف لم تزوّج أحداً منهم، لم تفرح بهم؟ تفكّر كيف اختطفهم الموت والاعتقال على غفلة منها ومن الحياة التي كانت تعتقد أن أعمارهم فيها مديدة أمامهم؟ ثم أخرجت من حقيبتها صورهم جميعاً، لكنّ دموعها سبقتها عند صورة عبد الله، شهيدها الأخير.

 

عبدالله 27 عاماً، كان مشاكساً منذ صغره، لا يسمح لأحد أن ينال من حقّه، كان طالباً متفوّقاً جداً، في الصف الحادي عشر، أثار ذلك حفيظة ابن الموجّه، المعيّن من قِبَل الفرقة الحزبيّة، فبدأ يضايقه، لم يتحمّل ذلك، فقام بضربه وترك المدرسة والتحق بالجيش لتأدية الخدمة الإلزامية، وبعد تسريحه عاد إلى المدرسة وقدّم البكالوريا، ثمّ سجّل في كلية الآداب- قسم التاريخ، وصل إلى السنة الرابعة، وبقيت له مادّتان على التخرّج، قبل الثورة بأشهر أعلنوا عن مسابقة للطلاب المتفوّقين للتأهّل كمعلّم صف بشكل شرطي حتى التخرّج، تقدّم للمسابقة وحصل على المركز الأول، وعندما ذهب ليستكمل أوراقه، أخبره موظف التربية أنه لا يمكن ذلك إلا بواسطة كبيرة أو دفع المال، فما كان منه إلا أن مزّق الأوراق ورماها في وجه الموظف وخرج.  

 

تقول أمّ أحمد " كان يجب أن ندفع ثمن حقّنا لنحصل عليه، كل هذه الأسباب وغيرها الكثير دعت أولادي للخروج في الثورة ".

 

اعتُقل عبدالله  في بداية الثورة، وتعرّض للإصابة ثلاث مرّات، أثّرت الإصابة في المرّة الأخيرة على العصب الحسّيّ في إحدى يديه، فسبّبت له فقدان الحركة. بعد استشهاد أحمد واعتقال يحيى بشهر واحد، أي في الشهر العاشر 2012 قال إنه سوف يذهب ليوزّع بعض السلال الإغاثية في الريف والمدينة، لم تثنه  توسّلات والدته عن الذهاب، تقول أمّ أحمد "كان حدسي يخبرني أنّي لن أراه ثانية، فالتفت إليّ وقال: (أمّي لازم تتوقّعي كل شيء، يمكن ما أرجع، هي ثورة والعمر واحد والربّ واحد)، ضمّني إلى صدره وقبّلني ومشى".

 

بعد خروج عبدالله بيومين انقطع الاتّصال به، وبدأت العائلة بالبحث عنه لمدّة عشرين يوماً، إلى أن أبلغهم المكتب الإعلامي أن أحدهم اتّصل به من أجل التفاوض على إخوته المعتقلين، تقول أمّ أحمد "بعد أيام كانت ابنتي تتصفّح الفيسبوك، وإذ بخبر يقول إن طلاب جامعة حلب يشيّعون الشهيد عبدالله كعكة الذي استُشهد تحت التعذيب، وأحد أساتذته في الجامعة ينعيه على صفحته، فأخذت الهاتف لأتّصل به، وكلّي رجاء إلى الله أن يكون الخبر كاذباً، رجوته أن يخبرني الحقيقة، فقال: " للأسف يا أمّي الخبر صحيح ".

 

دخلت العائلة في دوّامة البحث عن جثّة عبدالله، حيث تمّ العثور عليها في المشفى العسكري، ذهب الأب لاستلامها مع شهادة وفاته بجلطة قلبيّة، كان ذلك في الشهر العاشر 2012.  

 

تقول أمّ أحمد "أتوا بجثّته إلى البيت، كان قدري أن أودّع أولادي وعائلتي التي أصبحت أثراً بعد عين، لم يبقَ من أولادي الستّة إلّا زكريا، بعد نبأ استشهاد عبد الله أصيب بصدمة نفسيّة، لم يعد يقوى على الكلام. بعد كل ما حصل لعائلتي لم أستطع مواصلة العيش في سوريا، قرّرنا اللجوء إلى تركيا، وبعد مدّة طويلة تعافى زكريا، هو الآن وحيدي ومعيلنا، تزوّج وله ثلاثة أطفال، أمّا زوجي فما زال يعاني حتى الآن، ويخضع للعلاج النفسيّ الدائم.

 

همّ عائلة أمّ أحمد، حالياً، هو معرفة مصير أبنائها المعتقلين، تقول أمّ أحمد "أريدهم أحياء معي، نحن لم نفعل شيئاً، ولا نستحقّ كل هذا العقاب، فقط طالبنا بحرّيتنا وكرامتنا، أتمنّى الحرّية لأولادي وكل المعتقلين".

 

قصّة أمّ أحمد تجسّد المأساة السوريّة التي لا يمكن لها أن تُجسّد، قصّة وقعت في العالم الحقيقيّ، حيث الإنسانية صمّاء لا تسمع صرخات الأبرياء، ولسان الحقّ أبكم لا يردّد صدى تلك الصرخات، حيث يمكن لطاغية موتور أن يقتل أبطال الرواية، ويدمّر مدنهم، ويمحو أثر عائلاتهم.

 

 



07 حزيران 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة