728 x 90

تزايد حالات الانتحار بين النساء في سوريا

1842557120.jpg

 

 

*مها الأحمد

 

بقلق وخوف شديدين ينظر محمّد إلى زوجته وهي ممدّدة على سرير المرضى في المستشفى بدون أي حراك، تصدر عنها تأوّهات أليمة فيما تقف أمها فوق رأسها لا تستطيع حبس دموعها المتساقطة حزناً على ابنتها التي أصبحت أقرب للموت منها  إلى  الحياة. "حبيبتي لا تتركيني" تقول أم أمل .

 

اكتشف الاطباء بعد فحص  أمل (20 عاما)، والتي تم إسعافها الى المشفى من قبل زوجها، أنها تناولت حبة من الغاز السام.

 

 

أمل واحدة من حالات الانتحار العديدة التي ازدادت بعد الأزمة السورية في إدلب وريفها والمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، بسبب ظروف اجتماعية واقتصاديه قاسية في ظلّ الحرب.

 

يقول الطبيب أمجد: "لقد تمكنا من استخراج حبة الغاز السام من معدة أمل بعد محاولات حثيثة، ولكنها للأسف كانت قد تناولت حبّتين، ولم تخبرنا  إلا بوجود حبة واحدة فبقيت الأخرى داخل أحشائها  إلى أن توفيت بعد ذلك".

 

وعن ملابسات انتحار أمل، والمشاكل التي كانت تعاني منها، توضح والدتها لمجلة صور  أنها كانت تعاني من العقم، حيث أخبرها الطبيب أنها غير قادرة على الحمل، كما كانت هناك خلافات مستمرّة بين زوجها وأبيها سببت لها ألماً وحزناً كبيرين، خاصةً حين أشهر زوجها السلاح في وجه والدها.

 

الخلافات بين والد أمل وزوجها لم تتوّقف حتى بعد وفاتها، بسبب مراسم الدفن والعزاء. ويدافع والد أمل  عن موقفه محتجّاً بأنه لم يكن يتوقّع أن تنتحر بسبب مشاكل بسيطة برأيه ولا تستحق هذا المصير المأساوي الذي آلت إليه ابنته.

 

نسب الانتحار في سورية

 

لا توجد إحصائيّات دقيقة لأعداد المنتحرات في سوريا بشكل عام، نتيجة عدم وجود جهات توثّق مثل هذه الحالات، غير أن بعض التقارير الإعلامية تبيّن أن  معظم الحالات كانت تتمّ من قبل نساء قاصرات تتراوح أعمارهن ما بين 15-21 سنة، ومعظمهن قد تزوّجنَ حديثاً، فقد كان هناك على مستوى مدينة كفرنبل فقط خلال عام 2016، أربع حالات لنساء قاصرات، مقابل محاولتين للذكور، إحداها  لشاب مراهق  والأخرى لرجل،  وتبيّن أن اثنتين من المنتحرات كنّ يشتكين من حالة نفسية مضطربة، كما توضح زينب والدة إحدى المنتحرات.

 

نسبة الانتحار خلال هذا العام هي الأعلى على مستوى سوريا، وفي إحصاءات لمنظمة الصحة العالميه فإن 3000 حالة انتحار تقع كل يوم في العالم. وعلى الصعيد السوري، وبالتحديد بعد الأزمة، سُجّلت حالات انتحار بين القاصرات بشكل خاص على مواقع إعلامية سورية وتركية.

 

وقد سُجّلت العديد من حالات انتحار السوريات في الكثير من الأماكن،  إحداها لمتزوجة قاصر في مدينة غازي عنتاب في تركيا عام 2016 بواسطة طلق ناري أطلقته على رقبتها، وفق موقع "زمان الوصل".

 

 كما سُجّلت حالة أخرى للاجئة سورية أخرى في ألمانيا بحسب موقع "مرآة سوريا الإخباري"، وثالثه لفتاة لاجئة في إقليم كردستان العراق عام 2014. وفي خبر على "شبكة الثورة السورية"، أقدمت لاجئة سورية في العشرين من عمرها على الانتحار في السويد. وقد سُجّلت أعلى معدلات الانتحار بين النساء بعد الأزمة عام 2013، أغلبها في ريف دمشق، وخاصة في الأحياء الفقيرة.

 

 

الخبيرة  النفسية مايا (35 عاما)  من خان شيخون، ترجع سبب انتشار حالات الانتحار بين النساء القاصرات إلى كونهنّ في عمر لا يسمح لهن بامتلاك الوعي والخبرة الكافية للتأقلم والتكّيف مع الظروف الاجتماعية والمادية والأسرية الصعبة، وعدم القدرة على مواجهة الفشل، وأيضاً تقيّيد الحرية الشخصية للمرأة من قبل المجتمع العربي، الذي هو مجتمع ذكوري متحكّم خاصة بالفئة العمرية الصغيرة من النساء، وهناك أسباب أخرى، تحدّثت عنها مايا، تجعل النساء هنّ الشريحة الأكبر في مجتمعنا ميلاً للانتحار، تتمثّل في أن المرأة هي من تتحمّل عادة تبعات الفشل المادي والاجتماعي والعاطفي.

 

أم روان تسرد حكاية انتحار ابنتها (17 عاما) من كفرنبل لمجلّة صُوَر، موضّحة أن ابنتها روان جاءتها آخر مرّة عقب شجار مع زوجها فقرّرت إعادتها إليه: "حدث ما كان غير متوقّعاً، حيث ابتلعت ابنتي حبتين من الغاز السام، ولم تخبرني إلا  بعد مضي  أكثر من نصف ساعة".

 

ساءت العلاقة بين روان وزوجها بعد ثلاثة أشهر من زواجهما، كما أنها فقدت والدها قبل الأزمة بسنتين في حادث سير، وفق ما تقوله والدة روان،  التي تضيف: "إن أكثر شيء يُشعرني بالندم هو أن ابنتي كلما كانت تأتيني بعد شجار مع  زوجها كنت أعيدها إليه رغماً عنها بسبب  خوفي من أن تعيش نفس ظروف التي أعيشها كأرملة إن هي طلّقت زوجها".

 

في ظلّ غياب الرقابة والنظام في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلّحة، ليس هناك من جهة تهتمّ لأمر الانتحار، وأغلب الحالات يتمّ التكتّم عليها من قِبل ذوي الضحايا خوفاً من العقاب الصارم من قِبل بعض الجهات الموجودة في تلك المناطق، وخاصة المتشدّدة منها كجبهة النصرة، مع العلم أن القانون السوري لا يعاقب على جريمة الانتحار باعتبار أن المنتحر خسر نفسه، بحسب عبد القادر الموسى رئيس التحقيق الجنائي المتقاعد.

 

        وفيما يتعلّق برأي الشرع الإسلامي في تلك المسألة، يشدّد الشيخ محمد الخطيب( 83 عاما) من كفرنبل على ضرورة نشر الثقافة الدينية حول هذا الموضوع، وتوضيح رأي الشرع والدين الإسلامي بالانتحار، ويقول: "الانتحار محرّم تحريماً كلّياً على كل إنسان بالغ عاقل راشد، وحجّة الشرع في ذلك أن الإنسان لا يملك الحقّ في إنهاء حياته مثلما أنه لا يملك الحقّ في إنهاء حياة الآخرين، والدليل من القرآن الكريم، حيث قال الله سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلقوا بأنفسكم  إلى التهلكة).

 

وعلى الرغم من التكتّم على الموضوع، يتمّ في بعض الحالات إخبار المحاكم الشرعية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة بحوادث الانتحار من قبل أهل الشخص المنتحر للتحقيق والتأكّد من سبب الوفاة، كحالة رحاب (22 عاما) من كفرنبل، وهي متزوّجة ولديها طفلان، وتمّ اكتشاف انتحارها من قبل أهل زوجها، لكن أهلها لم يصدّقوا وقرّروا تقديم شكوى لمحكمة النصرة، تقول الحاجة أمينة والدة زوج رحاب: "لحسن الحظ تبيّن للمحقّق فيما بعد أنها لم تختنق بفعل فاعل".

 

وتعدّدت الروايات بشأن انتحار رحاب، حيث يقول زوجها إنها كانت تعاني من اضطرابات نفسيّة لم يُعرف سببها، وأنه قد اصطحبها عدة مرات إلى الأطباء النفسيين دون جدوى، فيما تؤكّد والدة رحاب هذه الرواية بقولها إن ابنتها "كانت تشكو من أعراض غريبة، كشعورها بوجود شخص يلاحقها باستمرار."بينما تقول رهام إحدى جاراتها بأنها كانت دائماً تلاحظ خلافات مستمرّة بين رحاب وزوجها.

 

ومع تعدّد الأسباب والأقاويل في هذه القضية، يبقى الانتحار أحد أهمّ ردود الفعل التي تمارسها النساء في محاولة للهرب، وربما الاحتجاج، على واقع أليم لا يرحم أحداً، وخاصّةً المرأة.

 

 



08 كانون أول 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة