728 x 90

بناء الشراكات في ظلّ حساسيّات الصراع

2063522953.jpg

 

*ريناس سينو

 

هدف طالما سعت إليه أنقرة بقوة هو ذلك الذي يسمح لها باستخدام قوتها العسكرية لفرض إرادتها السياسية داخل سوريا كما حدث في جرابلس؛ حيث يشكل هذا التدخل منحى جديداً في الصراع السوري. هذا المنحى الجديد ليس عائداً إلى اعتبار تدخلها  استثناءً،  فالساحة السورية أصبحت مستباحة للجميع، يتدخّل فيها من يشاء.. وهذه الاستباحة مرتبطة بشكل أساسي باستراتيجية بناء الشراكات المتناقضة القائمة على ترتيب الملفات واحداً تلو الآخر للوصول إلى صيغ تحمي مصالح جميع الأطراف الدولية المنخرطة في الصراع.

 

هذا الدخول لم يأتِ اعتباطياً، فهو نتيجة لجهود دبلوماسية "تركية - روسية – أمريكية"، كما لم ياتِ هذا التدخل لحماية السوريين ومصالحهم، ولم يكن الهدف الأول منه هو محاربة (داعش) فقط، بقدر ما هو لحماية مصالح تركيا في القضاء على طموحات حزب الاتحاد الديمقراطي في ربط مناطق كردية بعضها ببعض، وعدم السماح لها بالسيطرة على جميع المنافذ الحدودية مع سوريا كي لا يتحول الحصار من الداخل للخارج، وهذا ما معناه أنه موجّه ضد الكورد وطموحاتهم في فدرالية تشجع أكراد تركيا للسعي إلى ذات المطلب، وفي ذلك مصلحة لإيران أيضاً لحماية أمنها القومي. وتوجيه الرأي العام المحلي والدولي نحو قضية أكبر لاستكمال عملية التطهير التي يقودها حزب العدالة والتنمية على خصومه السياسيين الذين قاموا بمحاولة انقلاب فاشلة. كما أن مباركة الروس لها ما يبرره، فهم بهذه الشراكة حقوق مطلبين رئيسيين:

 

 الإبقاء على حليفهم الرئيسي بشار الأسد على الأقل في المرحلة الانتقالية، وتوجيه جهود أنقرة نحو مواجهة الـ PYD بدلاً من السعي الى إسقاط بشار.  وكسب المزيد من الوقت لسحق المعارضة في حلب وإدلب من خلال زج تركيا أكبر حليف للكتائب الإسلامية في الحرب السورية بشكل مباشر بدل حربها بالوكالة، وهو هدف سعت إليه منذ زمن اختراقاتها المتكررة للأجواء التركية، وبطبيعة الحال سوف ينعكس إيجاباً على موقفها فوق طاولة المفاوضات المقبلة.

 

أولاً، لا يمكن أن يحصل مثل هذا الاتفاق بدون موافقة ومصلحة أمريكية.. إذ أن هذه الشراكة سوف يحقق لها  إضعاف (داعش)، وتحقق لها تقدم أقل تكلفة، مادياً ولوجستياً وزمنياً من خلال محاصرة (داعش) وإبعادها عن المنافذ الحدودية باتجاه الرقة.

 

ــ تخفيف الضغط الذي تمارسه أنقرة عليها وإعادة الثقة مع حليفها في الناتو وإعادة الشراكة معها مرة أخرى بدل من خطر شراكة تركية - روسية  استراتيجية تخلط أوراقها في المنطقة ولن أستغرب إذا ضحّى الأمريكان "بفتح لله كولن" للحفاظ على شراكتها مع تركيا كما ضحّت بجزء من علاقتها مع الـ PYD.

 

 في ظلّ هذه القراءة للشراكات لا نجد أي مصالح سورية بحيث تبقى المصلحة الوحيدة هي إضعاف (داعش) وهو مكسب لا يستخف به، وهو لم يأتِ نتيجة لجهود دبلوماسية من الفرقاء السوريين، وهو لا يشكل أكثر من تلاقي مصالح بشكل غير مخطط له. فكل القوى الإقليمية والدولية تقدم تضحيات وتنازلات في سبيل بناء شراكات تتيح لها الحفاظ على مصالحها في سورية، لأنها أدركت بعد كل هذا الصراع أنه لا منتصر ولا خاسر وحيد. والجميع اتفق على تسوية الملفات واحداً تلو الآخر بشكل تدريجي، باستثناء السوريين يقدمون التضحيات والتنازلات بدون مقابل.

 

إذاً ، ما الحل بالنسبة للسوريين لبناء شراكات تضمن حقوق الجميع  وبنفس الوقت المحافظة على التوازنات الدولية؟. برأيي أنه يجب إعادة بناء الشركات بشكل تدريجي من مستوى محلي ثم وطني ثم دولي، أي إن الشراكات الحقيقة الإيجابية، هي تلك التي تبدأ من الداخل إلى الخارج وليس العكس. وأعتقد أن أقوى الشراكات  التي يمكن بناؤها هي تلك الشراكة التي تجمع بين القوى السياسية العربية والقوى السياسية الكوردية،  ولن تنجح هذه الشراكة ما لم يتم تقديم تنازلات من الطرفين، فمَ هو المطلوب من الطرفين لإنجاح هذه الشراكة كي تقودنا نحو دولة جديدة عصرية تكون حقوق جميع المكونات السورية مصانة؟.

 

 

القوى السياسية العربية

 

أولاً:  عليها أن تدرك جيداً حساسية الصراع الكوردي- التركي التاريخي حتى لا يتم استغلاله لتأجيج صراع عرقي تتوفر فيه جميع مقومات النجاح بين مكونين رئيسيين. فإذا افترضنا أن الكورد استعانوا بالجيش الإسرائيلي لتحرير مدينة الحسكة.. فكيف ستكون ردة فعل القوى السياسية العربية؟ فالحساسية  تجاه هذا التدخل في الصراع الكوردي-التركي يتشابه كثيراً مع حساسية الصراع العربي- الإسرائيلي.

 

ثانياً:  لبناء شراكة مع القوى السياسية الكوردية يجب الاعتراف بها كواقع موجود الآن وفي المستقبل. وأيضاً الاعتراف بمطالب الكورد ودورهم وحقهم في المشاركة بقيادة سوريا المستقبل.

 

ثالثاً: الشراكة مع الأقليات وحل المعضلة. فمشكلة الأقليات الدينية والعرقية هي مشكلة الأكثرية قبل أن تكون مشكلة الأقلية بحد ذاتها؛ لذلك مطلوب بناء شراكة حقيقة مع هذه الأقليات من خلال الاعتراف بحقوقها ووجودها ودورها بمشاركة الحكم في المستقبل كشريك حقيقي.

 

رابعاً: من يفترض أن النظام لن يكون موجوداً في سورية المستقبل، فهو واهم، ومن يعتقد أنه سيكون هناك منتصر وحيد، فهو واهم ايضاً.  وفي ظلّ استحالة بناء شراكة مع رأس النظام يجب البحث عن شراكات مع أطراف من داخل النظام، الأقل ارتباطاً مع هرم السلطة. فالنظام مثله مثل البقية عبارة عن تشابك وترابط مجموعة من المصالح التي تحكمها قوى مختلفة.  

 

تقديم التنازلات وبناء هذه الشراكات يجب وضعها ضمن مشروع وطني جامع للجميع، وبطبيعة الحال لن تكون بدون مقابل، فهي سوف تحقّق مجموعة من المكتسبات، وسوف تزيد من فرص إيقاف القتل وتدمير المدن التي تتعرض لها معاقل القوى السياسية العربية مثل حلب وادلب. حيث إنه لا يجب  أن يكون الهدف الرئيسي هو إسقاط النظام والاستيلاء على السلطة، بل يجب أن يكون هو حماية شعبها من القتل والتنكيل، فالثمن يستحق تقديم التنازل إذا ما ارتبط بحماية أرواح الناس. كما أن هذه الشراكات سوف تؤدي الى إضعاف خصمها الرئيسي المتمثل في "الأسد"، وتؤدي إلى بناء جبهة قوية في مواجته. وأيضاً هذه الشراكات سوف تزيد ثقة المجتمع الدولي بها، ويكسبها مزيداً من مرتكزات القوة العسكرية والسياسية على طاولة المفاوضات المقبلة. وبالتأكيد   سوف تفضي إلى ربط مصالح جميع الدول بعضها ببعض من خلال هذه الجبهة.    

 

القوى السياسية الكوردية

 

أولاً: على القوى السياسية الكوردية بشقيها " ENKS & PYD " أن تراعي حساسية الصراع للقوى العربية السياسية مع النظام، وأن تدرك وتعي جيداً خطورة الزج بالكورد في صراع طائفي وعليها أن تقرأ جيداً المشهد العنيف الذي تتعرض له معاقل هذه القوى، من قتل وتدمير ممنهج، الغاية الأساسية منه تعزيز هذه الصراع الطائفي.

 

ثانياً: على"PYD " أن تستثمر انتصاراتها العسكرية لتحقيق مكتسبات سياسية للشعب الكوردي. وهذه المكتسبات لن تتحقّق من دون بناء شراكات وتقديم تنازلات لبناء مصالح مشتركة، بداية على المستوى المحلي مع خصمها السياسي "المجلس الوطني الكودي" وإتاحة الفرصة له بالمشاركة معها في إدارة المنطقة.

 

ثالثاً: ضمان وصَون حقوق المكونات الأخرى في مناطق الإدارة الذاتية من "عرب وكلدان وسريان" ومشاركتهم بشكل حقيقي وفعال في إدارة المدن ورسم ملامحها السياسية والاقتصادية. كما أن عليها استثمار  انتصارها على النظام في الحسكة وحشره في مربعها الآمن واستثمار التوافق الامريكي-الروسي- التركي   للانفتاح أكثر على المعارضة وبناء جبهة قوية. وعلى "المجلس الوطني الكودي" أن يشكل الجسر الأساسي لانفتاح الـ "PYD "  على المعارضة وبناء شراكة مستقبلية.

 

على "PYD "  أن تفكر بشراكة جدية مع أنقرة لحماية مصالح ومكتسبات الكورد السوريين وعدم جعل الكورد قرباناً لقضية الكورد في تركيا. وإلا أن القضيّتين سوف تخسران إذا ما تلاقت مصالح الدول مع بعضها وخير مثال هي جرابلس. إذا أنّ  شعار تحرير وتوحيد كردستان يشبه إلى حد بعيد شعار "وحدة الأمة العربية" بدون الالتفاف إلى واقع كل دولة من هذه الدول، من حيث تركيبتها السكانية وقوتها الاقتصادية ومشاكلها المحلية المجتمعية. فالمقاربة لم تكن مستندة على واقع هذه الدول وتوازنات القوى الدولية، وهذا لا يعني عدم دعمنا أوتأييدنا المطلق لحقوق الكورد في تركيا وحقهم في تقرير مصيرهم.

 

هذه التنازلات والشركات لن تكون بدون فوائد للقوى السياسية الكوردية، إذ أنها سوف تحقق مطالب الكورد وباقي المكونات التي تشاركها وتحافظ عليها. كما أنها سوف تكسبها المزيد من الشرعية الوطنية والدولية وسوف تضمن لها مكاناً في المجتمع الدولي على طاولة المفاوضات، وبالتالي لعب دور رئيسي في رسم ملامح سوريا المستقبل. حيث إن علاقة أغلب الدول مع ال "PYD " هي علاقة تكتيكية مؤقتة، ليس لها أي عمق سياسي. فيكفي وضعها على لائحة الاٍرهاب الدولية حتى يخفت نجمها، لذلك عليها أن تكون أكثر حرصاً على كسب الشرعية الدولية، وهذا بحاجة إلى تقديم تنازل آخر وهو قطع علاقتها مع حزب العمال الكردستاني.

 

قد تبدو هذه الحلول نوعاً من "الطوباوية أو الرومانسية السياسية" بالنظر إلى واقع الصراع الذي نشهده، ولكن في عالم سياسة الشراكات وتلاقي المصالح هي أمور واردة دائماً، وأعداء الأمس بين ليلة وضحاها يتحولون إلى أصدقاء، والزمن وحده الكفيل لإثبات صحة هذه التحليلات والآراء ونجاعة هذه الشراكات.

.

.

اقرأ المزيد للكاتب.. 

 

 



25 آب 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة