728 x 90

بعد أيام رمضان الدامية.. السوريون يأكلون كعك العيد المرّ

3124573479.jpg

 

 

لبنى سالم

 

ينتظر الأطفال عادةً قدوم أيام العيد بفارغ الصبر، لما تحمله من المرح والسعادة، أما في سوريا فيعرف الجميع أن العيد هذا العام سيكون قاسياً كما رمضان. ففي العيد تنفتح الجراح، ويستذكر الإنسان خساراته، وينشغل عقله بمقارنةٍ عبثيةٍ بين حاله هذه الأيام وبين الماضي. مآسي السوريين بأشكالها لم تترك لفرحة العيد مكاناً، وغصّة فقدان أو غياب عزيزٍ تجعل طعم هذا العيد مرّاً.

 

تشتّت العائلة يغتال فرحة العيد

 

لطالما كان العيد فرصةً للقاء الأقارب والأصدقاء، إلا أن حالات النزوح والهجرة واللجوء، التي يعاني منها الشعب السوريّ، جعلت اجتماع جميع أفراد العائلة في بيتٍ واحدٍ أمراً شبه مستحيل. يقول أبو صائب، وهو من أهالي مدينة حلب: "في كلّ عائلةٍ هناك فردٌ، على الأقلّ، ليس موجوداً". وتضيف زوجته: "لدينا خمسة أبناءٍ وثلاث بناتٍ متزوّجاتٌ في دولٍ مختلفة، وشابٌّ يعمل في الخارج، والأخير فقدناه أثناء هجرته إلى أوربا. بعد مرور كلّ هذه السنين عدت لأعيش وحيدةً مع زوجي". وعن مظاهر العيد تقول: "أيام العيد من أقسى أيام حياتي، فلن أتمكن من رؤية أحدٍ من أبنائي أو أحفادي. ليس هناك من يأكل كعك العيد الذي أصنعه".

 

الأكثر مرارةً هو ما تعانيه مئات الآلاف من أمهات الشهداء والمعتقلين والمفقودين. تقول أم هادي: "سنةٌ ونصف مرّت على اعتقال ابني، ولم أسمع عنه أيّ خبر. تقتلني أفكاري وتساؤلاتي كلّ يوم: هل هو حيٌّ أم ميت، هل يصوم أو يعرف أن رمضان قد جاء؟! لا أستطيع الخروج من دوامة القلق الدائم، وهذا يفقدني القدرة على التفكير أو الاحتفال مع عائلتي بقدوم العيد".

 

تمضي حرب الكبار ويستمرّ الأطفال السوريون بدفع الضريبة تلو الأخرى، ولعلّ فرحة العيد ليست آخر هذه الضرائب. سلمى واحدةٌ من الأطفال السوريين الذين لن يحظوا بثياب العيد في هذا العام أيضاً، وستكتفي بقبلات أمها ومزيدٍ من اللعِب. فعلى سلمى أن تدرك، في سنٍّ مبكرةٍ، أن والديها لا يملكان المال لشراء الثياب. تقول أم سلمى، وهي من أهالي ريف حلب: "يعرف أطفالي أنهم لن يحصلوا على ثياب العيد. وهم لم يطالبوا بها حتى. إذ إنهم ليسوا الوحيدين، فمعظم أصدقائهم لا ينتظرون ثياب العيد. يصعب على الأهل ألا يتمكنوا من إفراح أطفالهم في العيد، لذا قرّرت أن أخيط لهم ثياباً جديدةً يدوياً كمفاجأةٍ مع قدوم العيد".

 

 

رمضان الفقراء حرمانٌ وحاجة

 

يحرم الفقر آلاف العائلات السورية من الحصول على متطلبات الحياة الأساسية، كالطعام واللباس والسكن الكريم ومصادر الطاقة. وفيما ترتفع أسعار المنتجات الغذائية والألبسة مع حلول شهر رمضان، تزداد صعوبة تأمين متطلبات الطعام لشهر الصيام، ولباس العيد. كما أن قلةً قليلةً جداً من أهالي مدينة حلب تستطيع أن توفّر مزيداً من ساعات الراحة من العمل خلال شهر الصيام، ووسائل الرفاهية الأخرى.

 

 تُقدّر أعداد الفقراء في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام بحوالي النصف، تبعاً لإحصائيات المسجّلين في الجمعيات الأهلية. وبالتالي فنصف سكان المدينة يحتاجون إلى تلقي المساعدة ليستطيعوا تأمين متطلبات الحياة الرئيسية لا أكثر.

يقول ألكسندر، أحد المتطوّعين في الجمعيات الخيرية: "استناداً إلى مقاييس الأمم المتحدة، وإلى البيانات التي تمّ جمعها خلال الستة أشهر الماضية، فإن أكثر من نصف سكان المدينة لا يستطيعون تأمين كفايتهم من الطعام والماء ومصادر الطاقة وتكاليف التعليم".

 

 

أما عن المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة فيضيف ألكسندر: "نعتقد أن الوضع أسوأ في القسم الشرقيّ من حلب، لكن لا وجود لإحصائياتٍ دقيقة".

ويُقدّر أفراد الطبقة الغنية في حلب بأقل من 5% من السكان، بسبب هجرة معظم أصحاب رؤوس الأموال من المدينة. لكن، ومن وجهة نظر قصيّ الذي ينحدر من عائلةٍ ميسورة الحال: "في الحرب، لا يفعل المال كلّ شيء. صحيحٌ أني لا أزال أتناول إفطاراً شهياً في رمضان، لكني لم أحصل عليه خلال أيام الحصار. كما أني أعيش، كغيري، خوف الاعتقال أو الإصابة أو الفقدان أو الموت. فلا يمكن للمال أن يشتري لي الأمان".

 

 

من جهةٍ أخرى تقول أم رامي، وهي ربّة منزل: "عليّ تحضير وجبة إفطارٍ لا تتجاوز كلفتها ألف ليرةٍ في اليوم. راتب زوجي 20 ألفاً، لذا فنحن نصرف من مدّخراتنا لتحضير الإفطار. جميع وجبات إفطارنا خاليةٌ من اللحوم، وأحياناً من اللبن والسلطات، ومليئةٌ بدعوات الفرج القريب". وعن تحضيرات العيد تقول أم علي بسخريةٍ مريرة، وهي نازحةٌ في المدينة الجامعية في حلب: "فكّرنا بتزيين غرفتنا إلا أنها لم تتسع للزينة. نعيش ستة أشخاصٍ في غرفةٍ واحدة. علينا أن نجد متّسعاً للنوم قبل أن نفكر بشراء لوازم العيد".

 

وقد سجّلت أسواق مدينة حلب ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار المواد الغذائية خلال الشهر الكريم. والسبب، وفقاً للعم عطا، وهو أحد أصحاب المحالّ التجارية، أن "عدداً معيناً من التجار يحتكرون إدخال جميع المواد الغذائية إلى حلب، ويقومون بالتحكم المطلق بأسعار توزيعها للباعة. ولهؤلاء التجار نفوذٌ كبيرٌ وتعاونٌ مع السلطات الأمنية، لذا لا يجرؤ أحدٌ على منافستهم". يشمل ارتفاع الأسعار الموادّ الأكثر طلباً في شهر رمضان، كالتمور والزيوت والمعلبات والمربيات والحلوى. ويضيف العم عطا: "تصل معظم هذه المنتجات إلى الباعة بأضعاف أسعارها السابقة، فيقوم البائع أيضاً بمضاعفة سعرها، وهو يشعر أن من حقّه أيضاً الحصول على أرباحٍ مضاعفةٍ كغيره. وهو ما يزيد الأمر تعقيداً". فيما استقرّت أسعار موادّ كالأرز والمعكرونة والحبوب. والسبب، وفقاً للعم عطا أيضاً: "التوافر الكبير لموادّ المساعدات الغذائية، المقدّمة من الأمم المتحدة، للبيع ضمن الأسواق بأسعارٍ مقبولة. إذ يقدم العديد من الحاصلين على هذه المساعدات، المخصّصة لأفراد الطبقة الفقيرة، على بيعها في الأسواق والمتاجرة بها".

 

ولا يقتصر الموضوع على حالات بيعٍ فردية. فبرأي العم عطا أن هذه المساعدات "لو وقعت في أيدي محتاجيها لما وجدناها تباع في الأسواق. فلا يمكن لكلّ هذه الكميات المعروضة للبيع أن تكون نتاج حالات بيعٍ فردية لمستلميها. هناك حالات بيعٍ بالجملة، ما يدلّ على أن كمياتٍ كبيرةً لم تقع في أيدٍ أمينة". ويختم العم عطا حديثه بالقول: "هناك إقبالٌ شديدٌ على شراء المواد الغذائية بالرغم من كلّ شيء. انتعاش البيع والشراء بدأ قبل رمضان بأسابيع، فقد قامت العديد من العائلات بشراء المواد الغذائية تحسّباً لهذا الغلاء".

 

لا تستطيع ربات البيوت تجهيز وتخزين أيٍّ من أنواع الطعام مسبقاً، فعدد الساعات التي تتوافر فيها الكهرباء لا يكفي مطلقاً لتشغيل البرّادات وتخزين الطعام. ويقتصر مخزون المنزل في حلب على المواد الغذائية المجففة. تقول أم رامي: "نقوم بشراء كلّ مكوّنات الطعام وتحضيرها في ذات اليوم. لا يمكنني حفظ الطعام في الثلاجة حتى ليومٍ واحد".

 

وفي ظلّ هذا الوضع ليس لدى معظم الفقراء من أملٍ سوى انتظار الحصول على حصّتهم من المعونة الغذائية التي تقدّمها الأمم المتحدة، ويتمّ توزيعها عن طريق بعض الجمعيات الأهلية، كجمعية الإحسان والهلال الأحمر والأمانة السورية للتنمية.



23 تشرين أول 2014

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة