728 x 90

انتشار حراقات النفط في إدلب.. يخلف كوارث للإنسان والبيئة

2965140953.jpg

 

 

نقلت أم محمد طفلها محمد (٣سنوات) إلى إحدى المشافي الميدانية في إدلب نتيجة إصابته بالتهاب مزمن في رئتيه، وذلك بسبب تأثره برائحة حراقات النفط الخام التي يستخدمها بعض التجار بإدلب لتأمين مادة المازوت والبنزين والكاز. حيث تشكو حالة ابنها قائلة لـ (صور) "لم نكن نعرف أن عمليات تكرير النفط البدائي قد يودي بحياة أبنائنا".

 

انتشرت حراقات النفط البدائية في إدلب وريفها بشكل كبير، نتيجة الحاجة الملحة للحصول على مشتقات النفط، غير أن هذه الظاهرة عكست سلبيات فاقت إيجابياتها تمثلت بضرر كبير طال البشر والشجر والحيوان ، سيما وأنها انتشرت داخل المناطق والمدن والأحياء السكنية.

 

عن سبب انتشار هذه الحراقات، وطريقة عملها يتحدث محمد الخالد (٣٩ عاماً) مهندس بترول من ريف إدلب لـ (صور) قائلاً "منذ أواخر عام ٢٠١١ لمسنا ماقام به النظام من محاصرة للمناطق المعارضة له، وقطع كل مقومات الحياة عنها بسبب ثورتها عليه، فبدأ بقطع المواد النفطية، ومشتقاتها بما في ذلك الغاز المنزلي، ولكن الحاجة الملحة دفعت الأهالي في إدلب إلى البحث عن البديل، فلم يجدوا بديلاً في البداية، وعندها راحوا يزيلون الغطاء النباتي في منطقتهم للاستفادة منه في التدفئة، وفي الحياة اليومية".

 

ويضيف الخالد أنه و"مع تقدم الثورة تمت السيطرة على بعض الآبار النفطية، فحصل الناس على النفط الخام ، وهذا النفط الخام، أو ما يسمى الفيول راح الأهالي يستخدمونه في البداية كما هو وبدون أي عمليات تكرير ، وبعدها بدأت فكرة إنشاء حراقات بدائية بسيطة جداً تعتمد على تسخين المادة، وتبريدها وفصلها عن بعضها، حيث كانت تعمل هذه الحراقات من خلال تشغيل نار في حفرة تحت الحلة بواسطة دواليب أو فيول أو خشب ، فتصدر هذه الحراقات روائح كريهة وغازات سامة، إلا أنه تم تحديث هذه الحراقات في الآونة الأخيرة إلى حراقات كهربائية، بحيث تكون النار داخلية، وهناك شديرات من أجل الروائح، وبركة ماء مليئة وجهاز غاز من أجل حرق الغاز الناتج عن عملية الحرق، وكانت هذه الحراقات تعمل بنظام معين بحيث يتم أولاً فرز مادة البنزين، ثم الكاز، ثم المازوت، ثم الشحم"، ويشير الخالد إلى عمليات تكرير بعض المواد البلاستيكية أيضاً للحصول على المواد النفطية التي اعتمدها عدد من بائعي المحروقات.

 

 

عماد الحصرم (٤٨ عاماً) عضو مجلس محلي في معرة النعسان تحدث لـ(صور) عن الوجود الكبير لهذه الحراقات في منطقته قائلاً: "يوجد لدينا العديد من الحراقات في المنطقة حتى زاد عددها عن (١٥٠) محطة تكرير في الآونة الأخيرة، وكل محطة من هذه المحطات كانت تحتاج لعدد كبير من العاملين، كعمال نظافة، وعمال حرق، إضافة إلى عمال آخرون، فكان هناك ما يقارب (١٥٠٠) عائلة مستفيدة من العمل في هذه الحراقات، وكل محطة من هذه المحطات يوجد فيها ٥ شركاء على الأقل، ويعود سبب انتشار هذه التجارة في معرة النعسان إلى النشاط الكبير للأهالي للحصول على المواد النفطية".

 

أما عن الحالات والمشاكل الصحية الناجمة عن الحراقات في المنطقة، فقد تطرق إليها الطبيب سعيد الخطيب (٤٥ عاماً) أخصائي بالأمراض الداخلية قائلاً: "رصدنا زيادة حالات الربو التحسسي لدى الأطفال في إدلب منذ ٢٠١١، حيث تراوحت نسبته آنذاك ما بين ٢-٣% لدى الأطفال، والكبار في السن، وفي عام ٢٠١٢ تراوحت النسبة ما بين ١٠ إلى ١٥%، وبعد دخول هذه الحراقات إلى البلد، وانتشارها الكبير رصدنا ارتفاع تدريجي، ومضطرب لدى حالات المرضى جراء استنشاق الغازات السامة الناتجة عن حرق المواد النفطية، وفي عام ٢٠١٣ أصبحت النسبة فوق ٢٠%، وهي نسبة مخيفة جداً، حتى أنها تكونت حالات من الربو المعند الذي يحتاج إلى جلسات رذاذ مضاعفة، وإعطاء الأوكسجين للمصاب". ويؤكد الطبيب الخطيب أن المواد الناتجة عن الحرق محسسة، ومخرشة للقصبات، كما تزايدت هذه الحالات بشكل كبير لدى عمال الحراقات، والأطفال، وكبار السن، والنساء الحوامل، وفي عام ٢٠١٤ ازدادت نسبة الإصابة بهذه الأمراض لتشمل الشباب أيضاً.

 

كما أوضح الخطيب بأن الغازات التي تنبعث عن هذه الحراقات هي غاز أول أكسيد الكربون، وهو غاز سام يرتبط مع هيلوغلوبين الدم، ومع الخضاب ليؤدي إلى تسمم أعراضه صداع _ميل إلى النعاس، وإذا تعرض الشخص لمدة نصف ساعة متواصلة لهذا الغاز، قد يؤدي إلى الغيبوبة، ومن ثم إلى الموت المفاجئ. وكذلك ينتج أثناء الغلي غاز كبريت الهيدروجين، هذا الغاز رائحته كرائحة صفار البيض الفاسد، ونتيجة التعرض له لمدة دقيقتان، أو ثلاثة ينعدم الإحساس لأنه يرتبط عن طريق النواقل العصبية مع حاسة الشم، فيفقد المصاب حاسة الشم، ويرتبط أيضاً مع الخلايا الدموية، وينتقل إلى الخلايا العصبية في الدماغ، فيؤدي إلى تثبيط أنزيم هام في الخلايا العصبية هو أنزيم سايتوكروم، فيؤدي إلى تثبيط عمل الخلايا العصبية والوفاة.

 

 

وعن الحراقات وأثرها على المواطن والبيئة في إدلب صرح حسين العلي (٥٥ عاماً) مدير النقل لـ(صور) بأنه في العامين الماضيين فقد البنزين ذو المواصفات السورية من المصانع في سورية نهائياً، ليستبدل ببنزين ناتج عن صناعة محلية يدوية بواسطة الحراقات المنتشرة، والذي يؤدي في معظم حالات استعماله إلى تعطيل محركات السيارات وإنهاكها، فضلاً على أن هذه المحروقات تباع في محطات الوقود من دون أي رقابة تذكر، فسعر الليتر الواحد من البنزين يصل اليوم إلى ٤٠٠ ليرة سورية،  إضافة إلى ما تحدثه مخلفات الحراقات على المواطنين، حيث تنتشر السحب الدخانية السوداء في سماء إدلب وريفها، وذلك بسبب استخدام مخلفات النفط الخام في عمليات الحرق للخزانات التي تفرز المواد البترولية، حيث ينتج عن هذه العملية انتشار السحب الدخانية المترافقة بإشعاعات، وغازات النفط السامة، وتلوث الهواء، ووجه التربة، والأرض بمساحات واسعة جداً.

 

 وفي تفاصيل أكثر عن مدى ضرر هذه الحراقات على صحة المواطنين حدثنا أيضاً الطبيب الدكتور خالد السعيد (٤٣ عاماً) مدير الصحة في إدلب قائلاً: "لمسنا تزايداً ملحوظاً في أعداد مراجعي المشافي الوطنية، والنقاط، والمراكز الصحية من الذين يعانون أمراضاً تنفسية حادة ومزمنة، ناجمة عن التعرض لهذه الغازات المنبعثة، حيث تظهر مقارنة الإحصاءات الطبية لمرضى الجهاز التنفسي تضاعف أعداد المرضى، وينوه مدير الصحة إلى أن "مواد النفط الخام تضم غازات مخرشة، وخانقة، وسامة، إضافة إلى الأبخرة، والمذيبات، حيث ينتج عن التعرض لهذه الغازات تأثير في الدم، والدورة الدموية، وحدوث ارتفاع الضغط الشرياني، وتصلب الشرايين، وتناقص تدفق الدم إلى القلب، وحدوث سرطان الدم كما يؤثر في النمو لدى الأطفال حيث تظهر الاضطرابات النفسية، والسلوكية، ويؤدي إلى حدوث تشوهات خلقية، وانخفاض في وزن الولادة .."

 

سليمان الحسن (٣٥ عاماً) أحد أهالي معرة النعسان يتحدث عن مأساته مع هذه الحراقات لـ(صور) قائلاً: "إننا لا نستطيع استنشاق الهواء النقي، وخاصة ليلاً، ويعاني جميع أفراد عائلتي من صعوبة في التنفس، وهناك حالات اختناق أيضاً.

 

ولم يقتصر ضرر هذه الحراقات على البشر فقط بل تعدّاه ليشمل النبات أيضاً بحسب الحسن، الذي يشكو من أن هناك العديد من الأشجار في مزرعته تعرضت، وبسبب الغازات الناتجة عن الحراقات لتساقط أوراقها وثمارها، ومن ثم يباسها وموتها، بسبب تجرثم الهواء تزامناً مع زيادة نسبة وجود هذه الحراقات في الآونة الأخيرة.

 

وهكذا فالحراقات ومخلفاتها تركت لدى المواطن حسرة طويلة من غلاء، وأعطال، وأمراض، وموت، وحتى هذه اللحظة ما تزال منطقة إدلب وريفها تقع بين خيارين أحلاهما مُرّ، الأول حاجة المنطقة إلى المشتقات النفطية، والثاني افتقارها إلى المعدات التقنية، والوسائل التي تمنع انتشار الغازات السامة، والأمراض التي تصيب البشر، والشجر من خطر هذه الحراقات.

 



10 أيار 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة