728 x 90

انتخابات حلب: عرسٌ ديمقراطيٌّ يخلو من الحضور وينتهي بمأساة

3106898124.jpg

 

 

 

لبنى سالم

 

عاد السوريون ليعيشوا ما قُدِّر لهم من حياة الحرب بعد انتهاء ضجّة الانتخابات الرئاسيّة. ومع أن الانتخابات جاءت بنتائج متوقعةٍ على المستوى السياسيّ، إلا أنها أثرت سلباً على حياة الناس في حلب على المستويين الأمنيّ والمعيشيّ. قُتل العديدون قبل الانتخابات وبعدها واعتقل آخرون، وعاد الآلاف من السوريين مجبرين إلى ممارسة هذا النوع من الديمقراطية كأن الثورة لم تكن.

 

سلسلة قراراتٍ إداريةٍ اتخذها النظام لحشد الناخبين

 

ضمن تحضيراتها ليوم الانتخابات، بادرت قوّات النظام إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الأمنية والإدارية لحشد عددٍ من الناخبين. وجاء قرار تأجيل صرف رواتب العاملين في الدولة أوّل هذه القرارات، فقد منع القرار صرف الرواتب قبل انقضاء يوم الانتخابات. ويشير الأستاذ عادل، وهو مدير قسمٍ في إحدى المؤسسات الحكومية، إلى أن الهدف الرئيسيّ من هذه القرار كان إجبار الموظفين على التوجّه إلى الانتخاب: "كما جرت العادة، فإن الموظفين في القطاع الحكوميّ هم أوّل المجبرين على تنفيذ التوجيهات الحكوميّة. أصرّ جميع الموظفين على التوجه إلى مراكز الاقتراع وانتخاب الأسد، فهم يدركون جيداً أنهم لن يحصلوا على رواتبهم إن لم يفعلوا هذا".

 

 

كما يشير الأستاذ عادل إلى صدور توجيهاتٍ إداريةٍ بتقديم تقارير خاصةٍ بالمتخلفين عن الانتخاب: "طُلب من جميع رؤساء الأقسام، خلال الاجتماع الإداريّ السابق، إبلاغ الإدارة بأسماء من لا يقوم بأداء "الواجب الوطني". الأسوأ من هذا أنهم طلبوا مني تقديم التقرير باسمي وتوقيعي، وتحمّل مسؤولية المعلومات الواردة فيه".

 

لكن هذا القرار لم يكن الوحيد، فقد أصدرت جامعة حلب قراراً بتقديم موعد الامتحانات لتتزامن مع موعد الانتخابات. يُذكر أن الجامعة احتضنت حوالي عشرين مركزاً انتخابياً. يقول أحمد، وهو طالبٌ جامعيّ: "فوجئ الطلاب بقرار تقديم موعد الامتحانات ثمانية عشر يوماً، ما أثار استياء الجميع، لأنهم لم يكونوا جاهزين لتقديمها قبل أوانها. كما وُضع برنامج الامتحان ليتوافق مع استقدام أكبر عددٍ من الطلاب، بناءً على توجيهات عمداء الكليّات، وليس بما يتناسب مع مصلحة الطالب".

 

 أما الطالب علي فيرى أن هذا القرار وضع الطلاب في الواجهة، وتسبّب في تعريضهم للعديد من المخاطر: "كانوا يعلمون بوجود تهديداتٍ باستهداف المراكز الانتخابية بقذائف الهاون، ومع هذا أجبرونا على الحضور في هذا اليوم، وكأننا دروعٌ بشرية. سقطت إحدى القذائف في ساحة الجامعة قبيل مروري من هناك. لو لم أكن في سنتي الأخيرة وأريد أن أتخرّج لما حضرت وعرّضت نفسي لهذا الخطر".

 

القطاعات التجارية والصناعية الخاصّة أُجبرت على المساهمة في دعم حملة الأسد

 

امتلأت شوارع مدينة حلب، في القسم الخاضع لسيطرة النظام، بصور الأسد ولافتات التأييد له وتمجيده، كغيرها من المدن السورية التي تهيمن عليها القوّات الحكومية. قُدّمت هذه اللافتات من قبل جهاتٍ مختلفةٍ، نقابيةٍ وتجاريةٍ واقتصاديةٍ، وأحياناً عسكرية. كما حملت أخرى توقيع بعض القبائل والعشائر والعائلات التي عرفت بولائها المطلق للنظام وبتصدّيها للثورة، كآل برّي.

 

 يقول العم أبو أحمد، وهو خيّاط: "انشغلت، طوال الشهر السابق للانتخابات، بخياطة اللافتات التي تحمل صور الأسد وعبارات التأييد له. لم أكن راضياً عن هذا العمل لكني لم أستطع رفض تنفيذها، فمعظم الطالبين كانوا مسؤولين في حزب البعث أو شبّيحة. أخبرني أحد التجار أنه مجبرٌ على تقديم لوحةٍ باسمه، فقد تلقى توجيهاً من الجهات التي تساعده على إدخال بضائعه الى المدينة". أما المرشَّحان الآخران، ماهر حجّار وحسّان النوري، فقد غابت صورهما تماماً عن مسرح الدعاية الانتخابية، ولم تسجّل لهما أية نشاطاتٍ انتخابيةٍ أخرى. يضيف أبو أحمد ساخراً: "توقعت أن أخيط بعض اللافتات للمرشَّحين الآخرَين، لكن لم يطلبها مني أيّ أحد. أعتقد أن العديد من الناس لم يعرف اسميهما قبل يوم الانتخاب".

 

قلّة أعداد المنتخبين في حلب تخيّب آمال النظام

 

استقبلت حلب يوم الانتخابات بهدوءٍ أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة؛ فقد خلت شوارعها إلا من عددٍ قليلٍ من المارّة، فيما انعدمت حركة المواصلات العامة، وأغلقت معظم المحلات التجارية أبوابها، وعزف أصحاب البسطات عن بسط بضائعهم على الأرصفة.

 

 يقول أسامة، وهو تاجر: "التزمنا منازلنا. لم أرد أن أخاطر بالخروج من البيت فيجبرني أحدٌ على الانتخاب، أو أقع ضحية قذيفة صراعٍ لا شأن لي به. وكذلك فعل معظم جيراني، إلا من اضطرّ إلى الخروج كالموظفين والطلاب"، ويضيف أسامة أن خيبة الأمل كانت واضحةً على تصرفات "الشبّيحة" ومؤيّدي النظام ممن عملوا على الترويج له خلال الفترة السابقة: "كانوا يسيرون في سياراتهم ويهتفون كالمجانين في شوارع فارغة".

 

 أما عن مساعي مؤيّدي الأسد لجذب الناخبين فيقول عمار: "عند حلول الظهيرة بدأوا يشعرون بالخطر، بسبب المشاركة الضعيفة، فذهبوا إلى معظم مراكز إيواء النازحين وبدأوا يعدونهم بمكافآتٍ إن هم ذهبوا للانتخاب". ويضيف عمار أن "الشبّيحة" حاولوا مسبقاً نشر الشائعات التي تهدّد غير المنتخبين بعقوباتٍ وتعرّضهم للمسؤولية: "انتشرت شائعةٌ بأنهم سيقومون بثقب الهويات الشخصية خلال الاقتراع، ثم يقومون بتجديد الهويات، بعد فترةٍ من الزمن، لمن ثقبت هويته فقط. كما انتشرت شائعةٌ أخرى تقول بأن الأرقام الوطنية للمنتخبين ستعمّم على الأجهزة الأمنية، وسيتعرّض غير المنتخب للمساءلة إن راجع أية مؤسسةٍ حكومية، أو تمّ تفييش هويته على الحواجز".

 

تجاوزاتٌ حوّلت الانتخابات إلى مسرحية

 

سجّل النشطاء داخل مدينة حلب عشراتٍ من التجاوزات القانونية التي حصلت خلال سير العملية الانتخابية، أكثرها انتشاراً هو استطاعة أيّ شخصٍ الانتخاب لمرّاتٍ متعدّدةٍ ضمن عدّة مراكز، لأنه غير مضطرٍّ إلى استعمال الحبر السرّيّ، الذي كان الوسيلة الوحيدة من قبل الجهات المنظّمة لضمان عدم الاقتراع لأكثر من مرة. يقول صادق، وهو طالبٌ جامعيّ: "لديّ زملاء مؤيّدون قاموا بالانتخاب لأكثر من مرّةٍ في عدّة كلياتٍ ضمن الجامعة، حتى أنهم يتباهون بالأمر وكأنه مدعاةٌ للفخر".

 

 

ينصّ قانون الانتخابات على وجوب الانتخاب بشكلٍ شخصيّ، إلا أن الانتخاب غيابياً كان ممكناً. تقول سلمى بامتعاض: "والدي مؤيّد. وعندما رفضتُ وإخوتي الذهاب للانتخاب أخذ بطاقاتنا الشخصية وانتخب عنّا جميعاً. وأخبرنا أنه لم يكن الوحيد الذي فعل هذا، فهناك العديد ممن ينتخبون بعدّة هوياتٍ، متذرّعين بأنهم لا يريدون تعريض أصحاب الهويات، من الأصدقاء أو أفراد العائلة، للخطر إن هم توجّهوا إلى المراكز".

 

 كما سجّل ناشطون قيام العديد من "الشبّيحة" باستقبال الأصوات عبر "واتس آب" وإيداعها ضمن صناديق الاقتراع. يقول فؤاد: "كان أحدهم يرتدي زياً عسكرياً ويقوم بتلقين الموظفة المسؤولة عن السجلّ أسماء ومعلوماتٍ يقرأها من هوياتٍ شخصيةٍ كان قد استقبلها عبر واتس آب. شخصياً أعتقد أن صور الهويات هذه مسرّبةٌ من إحدى المؤسّسات".

 

الكثيرون انتخبوا دون أن يعلموا!

 

أما كبرى عمليات التزوير فقد تمّت في المؤسسات الحكومية والنقابات، كما يقول عضوٌ في إحدى النقابات العلمية رفض الكشف عن اسمه: "قامت إدارات معظم النقابات بإيداع أصواتٍ للأسد ضمن المراكز الانتخابية التي افتتحت ضمن المباني التابعة لها، مستعملةً المعلومات الشخصية التي تمتلكها لملء سجلات الناخبين. تمّ الموضوع بشكلٍ سرّيٍّ، ولا يعلم جميع المنتخبين أنهم انتخبوا دون علمهم".

 

لرصاص الفرح ضحاياه أيضاً

 

ما إن أعلن الإعلام الرسميّ عن نتائج الانتخابات، والتي لم تفاجئ أحداً، حتى بدأ إطلاق الرصاص بشكلٍ كثيفٍ من قبل الجنود المنتشرين في جميع أحياء وشوارع المدينة. وقد أسفر الإطلاق العشوائيّ عن وقوع ضحايا وجرحى من المارّين والواقفين على الشرفات. يقول أحمد، وهو ممرّضٌ في أحد المشافي الحكومية: "جاءت عشرات الإصابات خلال ساعات الاحتفال. وقُتل شخصان أحدهما امرأةٌ أصيبت في رأسها أثناء وقوفها على شرفة المنزل، والثاني من المسلحين الذين يشاركون في الاحتفال، بعدما تعرّض لرصاصة زميله خطأً".

 

 



20 أيلول 2014

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة