728 x 90

الوضع السوري الراهن .. آفاق ومهمّات

3434739375.jpg

 

 

يتوه أغلبية السوريين اليوم في تقييم ما يجري في سوريا، وما يجري لهم، بينما يعيش جزء كبير منهم حالة من الشتات والقهر لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ الحرب العالمية الثانية؛ فمنهم من يحاول العيش والتأقلم في بلدان اللجوء في أوروبا، وآخرون يعانون في مخيمات اللجوء في البلدان المحيطة بسوريا.

 

يضاف إلى ذلك أن الحراك الشعبي العظيم – الثورة الشعبيةـ الذي شهدته البلاد في عام 2011 خَفَت وبدأ بالتلاشي، منذ عام 2013. واليوم، هنالك نحو مليون قتيل ومخطوف ومعتقل وأكثر من الضعف من الجرحى والمعاقين. كما تمّ سحق هيئات الثورة من التنسيقيات إلى المجالس المحلية. ومع نمو أطراف متطرّفة في ساحة الصراع المسلح، مدعومة من قوى إقليمية، أجهز على المقاومة الشعبية التي عُرفت باسم "الجيش الحرّ".

 

لم تعد خريطة تقاسم النفوذ في سوريا كما كانت عليه قبل عامين، فالصورة أصبحت أكثر وضوحاً، ولا يعني ذلك أبداً أنّها صارت أكثر إيجابية؛ فقد زادت مناطق سيطرة النظام وخصوصاً مع استعادته السيطرة على حلب ومن بعدها الغوطة وأخيرا على درعا. بحيث أصبح الوضع الراهن لمناطق السيطرة يتقاسمها النظام وحلفاؤه وهي الأكبر، إضافة إلى مناطق يحتلها أو يسيطر عليها الجيش التركي في شمال غرب سوريا، ومناطق تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وجيب صغير في التنف شرق سوريا تحول إلى قاعدة عسكرية للقوات الأمريكية، من دون أن ننسى جيوب متناثرة وهامشية لتنظيم داعش الفاشي.

هذا التحوّل في تقاسم مناطق النفوذ، هو تعبير مباشر يعكس صورة حال التدخّل العسكري لقوى دولية وإقليمية في سوريا، ومؤشّر على وضع ميزان القوى فيما بينها، وفي تنيظم علاقات تنافسها وتفاهماتها في آن واحد من خلال اتّفاقات متعدّدة ومتغيّرة أبرزها الأستانا التي تجمع روسيا وتركيا وإيران باعتبارها "دولاً ضامنة" ... ما يسمح لها، إلى حدّ ما، ترتيب تنافسها فيما بينها، وتنظيم تدخّلاتها ومصالحها في بلادنا، ويبدو التدخّل الروسي، وإلى حدّ أقلّ الإيراني، أن له اليد الأكبر والأقوى في السيطرة، في حين تقوم الولايات المتحدة، بتدخّل أقلّ كلفة يثبت حضورها كلاعب هامّ في تقرير مصير البلاد، إضافة إلى روسيا وإيران وتركيا. وبهذا يكون السوريون قد خرجوا من المشهد العامّ الذي يتقرّر فيه مصيرهم ومصير بلادهم.

 

ما يعني باختصار، أن الثورة السورية العظيمة قد هُزمت في بحر من دماء الجماهير السورية، وخراب ودمار فظيعين لبلدات وأحياء ومدن، هذه الحقيقة المؤلمة يرفض البعض الإقرار بها، ويراهن على أنها ما تزال في " قلوب" السوريين، وفي بعض النشاط المدني لعدد منهم، القابعين في بلاد "الشتات". والحال، فإن الثورة بصفتها اندفاع الجماهير الواسعة إلى ساحة الفعل في القضايا التي تتعلّق بمصيرها لم تعد قائمة الآن، وهُزمت نتيجة عوامل – ذاتية وموضوعية- عدّة من بينها وحشية النظام، وتكالب أطراف عدّة مدعومة من أطراف دولية وإقليمية، تلك الحليفة للنظام، وأيضاً تلك التي ادّعت عداءها له و"صداقتها" للشعب السوري، وإلا فأين هو الحراك الشعبي وكيف تتجلّى ديمومته؟

 

إذاَ، هنالك انتصار عنيف للثورة المضادّة المتعدّدة الأطراف وسحق للثورة الشعبية بما يحمله ذلك من ردّة رجعية كبيرة. قول ذلك لا يعني الاستسلام لهذا الواقع المرير، بل يعني فهمه لوضع سياسات ملائمة تسمح بمتابعة النضال من أجل تحقيق أهداف الثورة الشعبية في التحرّر من الاستبداد والمساواة والعدالة الاجتماعية، والتحرّر الوطني من كلّ الاحتلالات والوصاية على شعبنا وبلادنا.

 

ورغم الهزيمة الدموية للثورة، لكن تأثيراتها عظيمة جداً. فمن جهة، ثمة ملايين السوريين، إن لم يكن كلهم، أصبحوا معنيين بقضايا كبرى لم تكن تعنيهم كلهم سابقاً، إلى أين؟ وما الحلّ؟ وكيف؟ وما تزال تتردّد في العقول كلمات الحرّية والكرامة والمساواة. ومن جهة أخرى، حصلت في البلاد تحوّلات اقتصادية واجتماعية هائلة، هنالك مناطق عمالية وشعبية في أطراف المدن الكبرى (دمشق وحمص وحلب...) قام النظام، عمداً، بسحقها وتدميرها وتهجير أهاليها لتتحوّل إلى مناطق لاستثمارات عقارية للبرجوازية المرتبطة عضوياً بالنظام الحاكم. وهذا في الوقت نفسه يؤدّي إلى تمركز تواجد الجماهير الشعبية في مناطق عدّة في البلاد، بخلاف ما كانت عليه الحال سابقاً، حيث كانت سياسات النظام، منذ عقود، تقوم على تفتيت وشرذمة تواجد المناطق العمالية والشعبية على امتداد سوريا، ومنع تمركزها كمصانع ومشاغل وأيضاً كمناطق سكنية.

 

 ومن بين تأثيرات الثورة أنها عرّت النظام تماماً، فهو تصرّف كعصابات قاتلة بحقّ السوريين وبعنف مرعب. تُعرّي النظام إلى ما هو عليه حقيقة: عسكر وأجهزة أمن وميليشيات هدفها الوحيد تأبيد حكم طغمة ضيقة من النخب الفاسدة على حساب حياة ومستقبل الشعب السوري. ورغم ادّعاءات النظام بالانتصار النهائي، لكن ما هو أكيد أنه أصبح أكثر هشاشة وضعفاً عمّا كان عليه، واليوم هو نفسه أصبح أسير حلفائه الذين وفّروا له القدرة العسكرية على سحق الثورة، ونقصد إيران والأهم روسيا، لم يعد النظام يملك تماماً استقلاليّته التي كان يدّعيها. فهذه الدول ستخضعه لما ستراه يحفظ مصالحها في سوريا والمنطقة والعالم. فقد أصبح وجوده وبقاؤه ومصيره، إلى حد كبير، ورقة في أيدي هذه الدول الإقليمية والدولية التي، ويجب علينا التذكير، لا يهمّها ولا يعنيها بشيء مصالح الشعب السوري وطموحاته بالحرّية والكرامة.

 

وفي الوقت نفسه، فإننا نلاحظ ظاهرة عودة النظام، بأجهزته القمعية المتعدّدة، إلى عاداته العنفية السابقة على الثورة، في قمع وقهر الناس في مناطق استطاع النظام تحييدها أو الظفر بتأييد له فيها عبر تخويفها بفزّاعة الإسلاميّين "قاطعي الرؤوس"! خلال السنوات السبع الماضية، ما يفاقم من كره الناس فيها له. حيث إنه بالكاد حينما تهدأ المعارك يعود إلى سابق عهده بقمع وتجويع واضطهاد "حاضنته الشعبية" نفسها. لكن ما إن تهدأ المعارك حتى يندفع الناس في هذه المناطق إلى التعبير بأشكال شتّى عن تزايد حنقها على النظام، ونقمتها عليه لِزَجِّهِ أبناءها في مطحنة دفعها إليها بهدف تأبيد حكمه، واحتجاجاً على قمعه لها واستمرار إفقاره لها، واستشراس وفجور ميليشياته وأتباعه بحقّ عموم الناس. هناك شحنة كبيرة من الكُره والنقمة على النظام في مناطق كان يعتبرها نظام الطغمة موالية له ومدافعة عنه، سترتدّ عليه عاجلاً أو آجلاً.

 

في المقابل، لم تكن، ما يعرف بالمعارضة "الديمقراطية" واليسارية السورية، أحسن حالاً من النظام. وشكّلت عائقاً وعبئاً على كاهل الجماهير الثائرة، فهذه المعارضة تمزّقت إلى قسم انضمّ إلى النظام أو إلى هيئات تابعة لقوى دولية أو إقليمية مثل هيئة التفاوض والائتلاف، والتي هرولت إلى المشاركة في اللجنة الدستورية التي تطبخها روسيا. ولأن مصير البلاد أصبح ممسوكاً بين فكّي القوى الامبريالية والإقليمية المتنافسة فيما بينها، فإن أياً من هذه الهيئات "المعارضة" لا تملك لا استقلالية قرارها، ولا استقلالية إرادتها.

 

وقسم آخر من المعارضة الديمقراطية واليسارية بقي خارج هذا الوحل الانتهازي، لكنه بقي مشتّتاً وضعيفاً، واقع حاله هو التالي، هنالك مجموعات وأفراد منها تتواجد في مناطق النظام، وقسم آخر منها يتواجد في مناطق الاحتلال التركي والنفوذ التكفيري الجهادي. وأخيراً هنالك تجربة شمال شرق سوريا، أي منطقة الإدارة الذاتية، وهي تجربة غنيّة وهامّة، لها تخومها ونواقصها التي يفاقمها وضع الحرب الذي تعيشه البلاد، ونرى بأن قضية الديمقراطية في سورية مرتبطة بحلّ ديمقراطي للقضية الكردية، وأن الأخيرة تأخذ أهمّية بيضة القبان في إمكانية وعمق التحوّل الديمقراطي الممكن. إذاً، هنالك ثلاثة قطاعات، ماتزال منفصلة ومنعزلة عن بعضها، لتواجد ونشاط القوى الديمقراطية واليسارية، ولكن ليس هناك تواصل أو تنسيق جدّي ومثابر فيما بينها إلا في حدود ضيّقة، مع تنافس رؤاها وإستراتيجيّاتها ممّا يزيد من ضعفها ووهنها.

 

 إن استطاع النظام، اللعب على ذلك واستمالة الإدارة الذاتية له، فهذا سيقوّي من قدراته وفرص بقائه واستمرار الدكتاتورية، وفي المقابل، ان استطاعت المعارضة الديمقراطية تشكيل تحالف مع الإدارة الذاتية فإن موازين القوى السياسية والاجتماعية ستتغيّر، إلى حدّ كبير، لمصلحة كفاح شعبنا من أجل الحرّية والديمقراطية والمساواة والعدل الاجتماعي.

 

 

إننا نعتقد، أن التكتيك الصحيح، في لحظات الهزيمة والردّة الرجعية، هو تكتيك الجبهات المتحدة. ما يعني ضرورة توحيد هذه القوى في القطاعات الثلاثة المذكورة في جبهة او جبهات متحدة حول مهمّات أساسية مطروحة علينا جميعاً، أولها قضية الخلاص من نظام الاستبداد، وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي على أنقاضه يقوم على المساواة الكاملة بين السوريين بغضّ النظر عن دينهم أو عرقهم أو جنسهم. ثانياً، قضية إزالة الاحتلالات وإخراج كل الجيوش والميليشيات الأجنبية والطائفية. وثالثاً، تحقيق العدالة الاجتماعية، من دون أن نهمل إطلاقاً، ضرورة الدعوة، والعمل، على وقف هذه الحرب المجنونة ضد شعبنا، وعودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم والإفراج عن المعتقلين والمخطوفين في كل المعتقلات.

 

 مدى جدّية القوى المذكورة، رغم ضعف معظمها في الوقت الراهن، في تحقيق ذلك، وقدرتها على الفعل بالارتباط مع هموم الناس وكفاحهم، سيكون عاملاً أساسياً في رسم صورة مستقبل شعبنا وبلادنا.

 



27 تشرين ثاني 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة