728 x 90

الهويّة .. نقيض الخير والشرّ

2918549035.jpg

 

الهويّة مسألة تاريخية، لم تقتصر يوماً على قومٍ دون غيرهم، ولا على شرقٍ دون غرب، وإن بَدَت في الوقت الراهن أنها آفة الشرق الأوسط عامّةً والوطن العربيّ وسوريا بشكل خاصّ؛ وتحت انقسامات الهويّة سارت جيوشٌ جرّارة وقَتَلة مزدانون بأوسمة الانتماء ودُمّرت أجمل المدن وارتُكبت أفظع المجازر والجميع كان يهتف "انتصرنا"!.

بالشكل العامّ تُعرّف الهوية على أنها مجموعة من الانتماءات تتشابك وتتداخل لتشكّل الشخص الذي أنت عليه، ومن هذه الانتماءات: الإثنية، والدينية  والقومية .. إلخ؛ والانتماءات السابقة هي واحدة من آفات الأزمة السورية الراهنة. ونلاحظ أنه في حالة الأزمات التي تعيشها الدول، تصل الانقسامات في الهويّة إلى حدّ الميوعة ويبدأ ظهور فصيلة من الانتماءات الجديدة كانت مدفونة تحت الرماد، وكافّة هذه الانتماءات توصِل إلى نتيجة واحدة وهي شرذمة الهويّة بدلاً من تحديدها. فما كان يجب أن يُنظر إليه على أنه مجموعة من المشتركات التي تكوِّن الهويّة، صارت خلافاً على أولويّات تصنيفها، فهذا يُعرف نفسه كعربيّ سوريّ وذاك كرديّ سوريّ وآخر مسلم،  وهناك من يصل إلى حدّ التصنيفات الطائفية فيصبح مسلماً سنّياً، علوياً شيعياً، بل أن آخرين يضربون في جذور التاريخ، فيصبح آشورياً أو بابلياً أو فينيقياً.. والحقيقة، أنه لدى الجميع نصيب من هذه الانتماءات .

ما الذي يجعل بركة الانتماءات الآسنة تتحرّك مع الهزّات التي تصيب المجتمع ؟

إذا أردنا أن نبسّط الإجابة، فلا بدّ من شرح معنى الهويّة بشكل تفصيليّ أكثر.

إن بطاقة تعريفك الشخصية تخبرك مجازاً، بأنك أنت صاحب هذه البطاقة التي لها رقم لا يتطابق مع رقم آخر، لديك مُشترَكات عامة، من يعيشون في بلدك كاسم الدولة أو الدين وهي مُشترَكات تضمّ الشريحة الأوسع، ثم مدينة الولادة، التي ستتشابه مع مجموعة أقلّ، ثم تبدأ أشياء تفصيلية أكثر كلون العينين تاريخ الولادة إلخ. إن كل هذه المحاولات التعريفية التي تريد أن تقول لك -أنت فلان بعينك-، لا يمكن لها أن تضيِّق حدود هويّتك التي ستتّسع لتشمل مسلمين أو مسيحيين أو عرباً أو كرداً خارج حدود دولتك. ويمكننا أن نضيّق دائرة الهويّة لتشمل المهنة، أو الميول الجنسية أو حتى الآلة الموسيقية التي تعزف عليها لتجد أنك أصبحت من جماعة المثليّين أو جماعة العازفين على البيانو.

قد يشعر الفرد بعد تعدّد التصنيفات أنه ليس لأحدٍ ما هويّة متفرّدة تماماً، وهذا ليس شططاً، بل هو أمرٌ واقع، لكن يمكننا القول إنه لا يوجد أحد يتشابه تمام التشابه في هويّته مع الآخر، إلا أن كل فرد مرتبط مع فرد آخر بهذا الكوكب ضمن انتماءٍ ما، مهما بدا الارتباط ضعيفاً .

إذاً .. ما الذي يدفع المرء إلى أن يتبنّى انتماءً واحداً تذوب تحته كل الانتماءات الأخرى مهما بَدَت تلك الانتماءات واسعة!؟، وكيف تؤثّر التوتّرات السياسية والاجتماعية على الفرد حتى يصبح متعصّباً أو عنصرياً إلى حدٍّ لا يُطاق؟!!

سأطرح بعض الأمثلة لإزالة اللبس عن القضية:

في موضوع هويّة القومية العربية يعتقد البعض أن هذا المفهوم جاء مع بداية الإسلام الذي وحّد قبائل شبه الجزيرة العربية، علماً أن الدولة الإسلامية توالى على حكمها مجموعات قومية لا حصرَ لها انتهاءً بالدولة العثمانية، والتي لجأت مع بداية القرن العشرين إلى اتّباع سياسة التتريك ضدّ كل ما هو عربيّ، وهذه السياسة أدّت لنشوء مفهوم حداثويّ هو مفهوم القومية العربية كردّ فعل على سياسات التتريك.

 وبمثال آخر، نلاحظ كيف يتمسّك ــ الإسلاميّون ــ  بهويّتهم الإسلامية تحت ذريعة أن الإسلام يتعرّض لتهديد دائم، وأن هناك مؤامرات تُحاك من أجل هدم الدين، وتحت ذات الذريعة تنتشر مظلوميّات طائفية تجعل العراقيّ واللبنانيّ والإيرانيّ يتجاوزون هويّتهم الوطنية لتصبح هويّتهم الشيعيّة تسمو فوق كل شيء منعاً لتدمير مراقد مقدّسة أو تدمير حُسينيّات؛ ثم ما تلبث أن تضيق الانتماءات وتتسارع وتيرتها، ويتسارع عداد ضحاياها بالمقابل.

القصد الذي نريد أن نورده من الأمثلة السابقة أن جميع الانتماءات التي تشملها هويّة الفرد تذهب أدراج الرياح عندما يتعرّض أحد هذه الانتماءات لتهديد مباشر بإفنائه، ممّا يجعل الفرد بحالة ردّ فعل متصلّب تجاه كل ما يمكن أن يؤذي انتماءه. في التسعينات، قامت إحدى الدراسات بقياس نمط الانتماءات لدى الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، فعرَّف 90% من العيّنة أنفسهم على الشكل الآتي: عربيّفلسطينيّمسلم أو مسيحيّ، وذلك كان مترافقاً مع ازدياد حجم التهويد داخل

مثلّث النَّقَب، ممّا جعل الهويّة الثقافية تطفو على السطح، بينما قامت الدراسة في الوقت نفسه بقياس الانتماءات في "غزّة" فكان أكثر من سبعين بالمئة من الإجابات على التصنيف التالي: مسلمعربيّ فلسطينيّ، وكان ذلك مترافقاً مع بداية انتشار حماس في "غزّة".

وإذا أردنا أن نبتعد أكثر لتوضيح كيف يصبح انتماء معيّن هو المسيطر على شكل الهويّة في حال تعرّض هذا الانتماء للتهديد، سنجد أن الشخص اللبنانيّ الذي حارب المجتمع ميوله الجنسيّة قد انضمّ إلى جماعات مثليّة عالمية وبدأ بمهاجمة ثقافة وطنه التي تحرّم عليه حرّيته في ميله لشريك من نفس الجنس، وهذا يؤكّد أن الفرد عندما يتحرّر من التوتّرات السياسية والاجتماعية، لن يبالي بشكل الهويّة التي سيحدّدها المجتمع طالما أن لا شيء في هذا المجتمع سيهين كرامته كإنسان لديه حقوق. مثل بعض الأكراد الذين لا يجدون ضيراً في انتمائهم لألمانيا، لكنهم يرفضون رفضاً باتاً الانتماء تحت عباءة الهويّة الثقافية العربية بسبب التوتّرات التي نشأت عبر السنين، وهذا يعيدنا إلى الحالة السوريّة التي ما إن تجلس مع مجموعة من السوريّين في أي مدينة تركيّة أو عربية أو أوروبية حتى ترى انقسام الهويّة الحادّ قومياً ودينياً وثقافياً، والذي كان للحرب الدائرة أثر كبير في تشرذمها.

لا بدّ أن لانقسامات الهويّة واستمرارها أثر رجعيّ وسلبيّ في ضرب أي مشروع للتحرّر، وأن أغلب المراهنات لأعداء الحرّية وقادة الثورة المضادّة يشمل ضرب التماثل الذي يُعتبر العمود الفقريّ لأيّ مشروع ديمقراطي، فيصبح ما كان نقاطاً للالتقاء هو نفسه بذرة الخلاف، والذي يجعل السوريين وغيرهم اليوم أمام سؤالين لا ثالث لهما: هل نريد لهذه الانتماءات أن تقتلنا، أم نريدها أن تجمعنا معاً ؟!!.

 



03 تشرين أول 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة