728 x 90

الهدنة في القانون الدوليّ

1725220346.jpg

 

*عاصم الزعبي 

 

 

عرّف فقهاء القانون الدوليّ الهدنة بأنها: (وقف العمليات الحربية بين طرفي القتال بناءً على اتفاق المتحاربين).

 

وهي إجراءٌ يحمل الطابع السياسيّ إلى جانب الصفة العسكرية، يلجأ إليه المتحاربون عادةً كمقدّمةٍ لإيجاد أساسٍ لعقد صلحٍ بينهما.

فالذي يملك الحقّ في عقد الهدنة هي حكومات الدول المتحاربة ذاتها، وليس رؤساء القوّات المتحاربة الذين يملكون، حسب قواعد القانون الدوليّ، وقف القتال مؤقتاً فقط.

 

ويتولى التفاوض لعقد الهدنة وتحديد شروطها ممثلون عن الطرفين المتحاربين يتمّ تعيينهم خصيصاً لذلك. ولا تصبح الهدنة ملزمةً إلا إذا أقرّتها حكومات الدول الأطراف فيها.

وقد تكون الهدنة عامةً تشمل وقف جميع العمليات الحربية في كلّ الاتجاهات، كالهدنة التي أقرّها مجلس الأمن الدوليّ في العام 1948 بشأن الحرب الإسرائيلية العربية. وقد تكون الهدنة محليةً أو داخليةً كما هي الهدنة في سورية بين النظام السوريّ والمعارضة المسلحة.

 

ويكون للهدنة عادةً زمنٌ محدودٌ تنتهي بانتهاء المدّة المحدّدة لنهايته، ويحقّ لكلّ طرفٍ بعد ذلك العودة إلى القتال إذا لم يتمّ الاتفاق على الصلح. وفي الحالة التي لا يتمّ فيها تحديد وقتٍ معينٍ لانتهاء الهدنة يحقّ للطرفين المتحاربين العودة إلى القتال في أيّ وقتٍ أرادا ذلك.

 

وعند بدء سريان الهدنة، بعد تحديد موعدها، يجب على كلّ طرفٍ أن يبلغ قوّاته العسكرية لإيقاف القتال فوراً. وعندما يتمّ وقف القتال لا يجوز لأيّ طرفٍ من الطرفين القيام بأيّ أعمالٍ هجوميةٍ أو دفاعية. ولكن اتفاق الهدنة لا يشمل عادةً ما يمكن أن تقوم به قوّات الطرفين المتحاربين من الاستعدادات اللازمة لاستئناف القتال حال انتهاء الهدنة، من إعادة التسليح والتذخير وترتيب صفوف القوّات، وذلك حسب المادة 38 من لائحة لاهاي، والتي تنصّ على أنه:

 

ينبغي إخطار السلطات المختصّة والجيوش رسمياً، وفي الوقت المناسب، باتفاقية الهدنة. وتتوقف العمليات العدائية بعد استلام الإخطار وفوراً أو في الأجل المحدّد.

وفي حال حدوث إخلالٍ أو خرقٍ جسيمٍ للهدنة من قبل أيٍّ من الطرفين المتحاربين فإن ذلك يعطي الحقّ للطرف الآخر أن ينقضها. ولكن إذا كان الإخلال قد تمّ ارتكابه من قبل أفرادٍ من أيٍّ من الطرفين من تلقاء أنفسهم فللطرف الآخر أن يطلب معاقبة المسؤولين عن هذا الخرق ودفع التعويضات عن الأضرار التي نتجت عنه، وذلك حسب المادتين 40 و41 من لائحة لاهاي، اللتين تنصّان على:

 

م 40: كلّ خرقٍ جسيمٍ لاتفاقية الهدنة من قبل أحد الأطراف يعطي الطرف الآخر الحقّ في اعتبارها منتهية، بل واستئناف العمليات العدائية في الحالة الطارئة.

م 41: إن خرق شروط الهدنة من طرف أشخاصٍ بحكم إرادتهم يعطي الحقّ في المطالبة بمعاقبة المخالفين فقط، ودفع تعويضٍ عن الأضرار الحاصلة إن وجدت.

والهدنة، أياً كانت مدتها التي تمّ تحديدها، تعني فقط وقف القتال بين الطرفين المتحاربين ولا تنهي حالة الحرب القائمة بشكلٍ قانونيّ، فحالة الحرب لا تنتهي إلا بإبرام الصلح.

ومن الأمور التي لا تمنع استمرار الهدنة ممارسة كافة الحقوق ما عدا أعمال القتال، كحقّ تفتيش الطرق والآليات وغير ذلك، ومصادرة أموال العدوّ ضمن نطاقٍ معيّن، وحتى الحصار، ما لم تتضمّن شروط الهدنة وبنودها صراحةً خلاف ذلك.

 

جاءت الهدنة في سوريا تحت اسم (وقف الأعمال العدوانية). وقد تمّ وضع بنود وشروط الهدنة ومدّتها وتاريخ سريانها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، دون أخذ رأي النظام والمعارضة بشكلٍ مسبق، على الرغم من أنها تصنّف كهدنةٍ داخليةٍ لأنها تشمل وقف الأعمال القتالية في نفس البلد.

 

 

ورغم قبول الهدنة من قبل المعارضة، ممثلة بالهيئة العليا للمفاوضات، لم تكن هناك ضماناتٌ دقيقة، ولم تكن الهدنة مراقبةً من قبل جهةٍ دوليةٍ مستقلةٍ إنما من قبل الناشطين وأجهزة مخابرات.

استثنت الهدنة في سوريا كلاً من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم جبهة النصرة بوصفهما منظّمتين إرهابيتين تمّ تصنيفهما كذلك من قبل المجتمع الدوليّ.

 

ولكن، وبعد سريان الهدنة، لم تلتزم قوّات النظام السوريّ بتطبيقها بشكلٍ كامل، فقد تمّ تسجيل العديد من الخروقات منذ اليوم الأوّل، بل الساعة الأولى، لسريانها. وفي الأيام الأربعة الأولى لها تمّ توثيق ما لا يقلّ عن 145 خرقاً ارتكبتها قوّات النظام من قبل الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

 

تمّ تحديد مدّة الهدنة بأسبوعين في انتظار تبلور خطّةٍ أمريكيةٍ روسيةٍ لإيجاد حلٍّ للحرب المستعرة في سوريا منذ خمس سنوات، والتي أدّت إلى مقتل ما لا يقلّ عن نصف مليون سوريٍّ، حسب الأرقام التي تتحدث عنها الأمم المتحدة، وإلى تهجير ونزوح 11 مليون سوريٍّ في دول الجوار ودول العالم وفي المدن والأرياف.

 

وتبقى الهدنة التي بدأت في سوريا أوّل خطوةٍ فعليةٍ من قبل المجتمع الدوليّ سمحت للمواطن السوريّ المتعب بالتقاط أنفاسه للمرّة الأولى منذ بداية الثورة السورية وتحوّلها من ثورةٍ سلميةٍ إلى حربٍ مدمّرةٍ بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى، ولعلها تكون بدايةً لتأسيس قاعدةٍ يمكن أن يُبنى عليها حلٌّ ما.

.

.

.

 اقرأ المزيد للكاتب .. 

 

 

 



12 نيسان 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة