728 x 90

النكوص إلى القطيعيّة

2377535540.jpg

 

لم تكن رحلة الإنسان الطويلة من التوحّش إلى التآنس على قدر من السلاسة والانسياب على مرّ تاريخه الطويل بقدر ما كانت طريقاً وعراً وشاقّاً، وعرضة في معظم محطّات العبور الصعب ولحظات التأزّم التاريخيّ الحرج إلى خطر الانتكاس والنكوص من جديد، ذلك أن اغتراب الإنسان كان رحلته المحايثة لرحلة العقل في كل زمان و"عالم الإنسان لم يبدأ بعد" كما قال ماركس. ولا يشكّل السوري ابن أولى الحضارات والمناطق المأهولة في العالم استثناء ذلك في رحلة شقائه هو الآخر.  أليس العنف بكل أنواعه من جسديّ ومعنويّ ورمزيّ ولفظيّ، والتفنّن في القتل والتعذيب والحرق والتدمير، وإذلال، وإزهاق الروح الإنسانيّة، وهدر الكرامة الإنسانية وحروب التدمير الذاتيّ وتحت أيّ مبرّر كانت ومن أيّ سبب نتجت مثال ذلك الاغتراب الفاضح؟، ومنزلق نحو النكوص إلى التوحُّش والبدائية والحالة الطبيعية الأوّلية في الإنسان؟

لا يماري أحد أن العنف مازال حقيقة واقعة تفقأ عين الحضارة في غير مكان من العالم المعاصر، وفي معظم المجتمعات، على اختلاف بالدرجة بين بيئة حضارية وأخرى، وأن حرّية الروح مازالت تبدأ بموته في خضم مسعاه، وثوراته نحو التقدّم واستكمال كينونته الإنسانية، كما يجب ألّا يماريَ أحد منا أن العنف في الحالة السورية قد فاق جميع أشكاله في العالم المعاصر على الأقل، وتحت مرأى ومسمع هذا العالم الحديث وبمنتجاته وعلومه وتواطؤ قادته وغياب الدور المؤثّر لشعوبه، ممّا يضع العقل ومنتجه الفكريّ والعلميّ والمادّي والاجتماعيّ والسياسيّ في موقع التساؤل والالتباس. ويضع القِيَم الأخلاقيّة والمُثل العليا في جميع السرديّات الكبرى وخاصة الدينية منها عارية أمام نفسها على محكّ السؤال. ومن نافل القول أنه يضع السوريّين أمام أنفسهم وجهاً لوجه، أمام ماضيهم وحاضرهم، انتصاراتهم وخيباتهم وهزائمهم، وحجم التكسُّر والتهتُّك في نسيج مجتمعهم، والتضخُّم المجوّف في هويّاتهم العقيديّة والأيديولوجية ووهم هويّتهم.

من الطبيعيّ أن الشعوب والمجتمعات في طور تقدّمها ينظمها ككل وجود قانون الكون والفساد والهدم والبناء، وأن سرعة الهدم لا تُقارَن بسرعة البناء، لكن الخطر يصبح واقعاً داهماً عندما يطال الهدم مفاصل حرجة مثل حياة البشر وقيم الإنسان ويهدّد بتشظّي وتذرّر البنية الاجتماعية المختلّة أصلاً على أكثر من صعيد، ويصبح الخوف من احتمال النكوص إلى التوحُّش كلما طال أمدّ الحرب خوفاً مبرَّراً.  فروح الوحش مازالت ثاوية في أعماقنا الخفيّة، وماثلة في غرائزنا الأوّلية عندما تكون في موقع التهديد والخطر. وإلا كيف نفسّر ميل الضحية لارتداء قميص الجلّاد، وتبرير الفعل الشائن للذات بأن الآخر يفعل مثله.؟ وعربدة القوة العارية والجنوح نحو التطرّف وصحوة الهويّات القبلية، "الهويّات القاتلة" حسب توصيف أمين معلوف هويّات (العرق والملّة والنِّحلة والقوم.. ) وأيديولوجيّاته العقيديّة وأنساقها الفكرية المغلقة، وتفشّيها وتفاصلها عن الهوية الوطنية، وتنافيها مع الهويّات الأخرى كتفاصل الزيت والماء. وكيف نقرأ ونقارب ونفسّر ظاهرة العسكرة المتنامية وسرعة تفريخ الفصائل والكتائب وتزايد أعدادها وعديدها وأسمائها وراياتها وشعاراتها المنبعثة من جوف التاريخ والتي لا تحمل في طيّاتها غير حرب الجميع على الجميع. وكأن الحرب قد أصبحت هدفاً بذاتها نظراً لصعوبة تحمّل تبعات السلام. ومن المؤكّد أني لا أخصّ في هذا الكلام جهة بعينها حسب تقسيم الساحة بين معارضة ونظام، ولا أساوي من حيث المبدأ بين الأطراف في تحمّل المسؤولية التاريخية، ولا أحاكم الضحية مرّتين، لكن لابدّ لنا جميعاً وبغضّ النظر عن مواقعنا السياسية وانحيازاتنا الأيديولوجيّة أن نتحمّل المسؤولية الأخلاقية عمّا نحن فيه وهذا أضعف الإيمان.

لا يخفى على المتبصّر ما يعانيه مجتمعنا من ضعف الحالة المدنية، وغياب فكرة القانون العامّ وسموّ الدولة منذ تغوّل العسكر على الحكم، وغياب دور المواطن الفرد وهشاشة وهامشيّة المؤسّسات الحزبية وتشكيلات وأطر المجتمع المدنيّ التي يُعوَّل عليها في أوقات الأزمات والانتقالات السياسية الحادّة في الحفاظ على اللحمة الوطنية والاجتماعية ووقف الانهيار، ممّا جعل الفضاء الاجتماعي والسياسي فارغاً أمام الأُطر التقليدية والريفية، والتشكيلات القبلية والإثنية لتملأه بسهولة وبيسر، معزّزة بدعم وتواطؤ النظام السياسي، وأطره التقليدية المحايثة من منطلق نفعيّ قصير النَفَس تارة، ومن منطق معاندتها وتضرّرها من عملية التغيير تارة أخرى. ولعلّ هذا ما فتح الطريق واسعاً أمام التدخّلات الخارجية سياسياً وعسكرياً، وعربدة مليشياتها الطائفية المتطرّفة وتغوّلها  في الدم السوري والتنكيل بالشعب قتلاً وتدميراً وتهجيراً دون أن يتشكّل رأي عامّ شعبيّ جامع حيالها أو موقف قاطع في رفض وجودها، بل تحوّلت ملاذاً للأفراد والجماعات الريفية منها خاصة، للانخراط في صفوفها كلّ حسب ميوله وتبعاً لعمليّات الترغيب والترهيب، بنوع من التماهي مع المستبدّ بدافع حفظ الحياة وتجنّب الألم الغريزيّ والفطريّ لدى الكائن البشريّ، أو "الخوف من الحرّية" كما يقول إيرك فروم.  ولعلّ هذه الأرضية هي التي شكّلت ومازالت تشكّل مبرّراً أيديولوجياً للقوى الإقليمية والدولية المؤثّرة في المعادلة السورية والرافضة أصلاً لأيّ عملية تغيير ديمقراطيّ حقيقيّ أو مستقلّ عن خياراتها ومصالحها على الأقل، مع ميل لا يخفى لديها في الحفاظ على أشكال التوتاليتاريا العسكرية باعتبارها تشكّل حالة أستاتيكية مرغوبة ومقبولة حرصت وتحرص على بقائها حتى الآن رغم التحوّلات الدراماتيكية والأزمات الاقتصادية العالمية المستجدّة التي طالت معظم هذه البلدان. وهو ما يفسّر خيبات السوريين المتتالية وخذلانهم من قبل هذه القوى وتراجع دورهم في تقرير مصيرهم ومستقبل بلدهم واستئثار تلك القوى بالقرار النهائي أقلّه في المستقبل القريب.

هذه الصورة السوداء لواقع الحال السوريّ  وانسداد الأفق مع استمرار الدمار  الذي يطال المدن والحواضر والقرى، والأزمات المعيشية والانهيار الاقتصادي الذي جعل غالبية المجتمع تحت خطّ الفقر والعيش على تلقّف المساعدات الإغاثية، واستمرار الحصار والإذلال على الحواجز العسكرية التي تقطع أوصال المدن والطرق والتي باتت تتحوّل إلى مشهد اعتياديّ في حياة السوريين، وتنَقُّلهم ولم تعد تثير غير  بعض من تذمّر خجول ومُبهم في غالب الأحيان، وتَراجُع التعليم بكل مستوياته، وتفشّي اقتصاد التهريب والمحاسيب، وانهيار منظومات القيم الأخلاقية التي أصبحت تحابي الأقوى، وتشرعن العنف أخلاقياً بشتّى المبرّرات والمسوّغات، والتضييق على الشباب وقوى المجتمع المدنية الحيّة وهيئات المجتمع المدنيّ  حديثة التشكّل والتي قد يعوّل عليها في رأب الصدوع المجتمعيّة في المستقبل، وانحسار دور المثقّف والثقافة، وهيمنة الإعلام الموجّه والمروّج للعنف والعسكرة بشقّيه الرسميّ وغير الرسميّ وما يمارسه من التظليل والعنف اللفظيّ والرمزيّ مع عصر الصورة وتأثيرها، لهو كفيل بجعل خطر الانزلاق نحو الحالة القطيعيّة والتوحّش وانهيار المجتمع خطراً داهماً، بالرغم من كل  مآثر السوريين الفريدة، ومقاومتهم وتضحياتهم وصبرهم وتحمّلهم الطويل. فعندما يصبح حدث الموت حدثاً يومياً واعتيادياً؛ ومنظر الجثث المدماة والمحروقة؛ وأشلاء الأطفال المتناثرة بين ركام البيوت مسلسلاً يومياً على شاشات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة؛ وأزيز الرصاص وهدير الطائرات ودويّ القصف العنيف؛ وتعذيب المعتقلين حتى الموت؛ وأخبار الخطف والنهب حدثاً لا يثير  غير مشاعر الحقد والكراهية والتشفّي في بعض الأحيان، فماذا يبقى من الإنسان غير جسد الإنسان؟ وعندما يصير السلاح استظهاراً على الصدور والخصور عند الشباب واليافعين ببدلاتهم العسكرية المتعدّدة الأزياء والألوان والأشكال والمصادر، فماذا يبقى من صفات المدينة والمدنيّة وقِيَم المجتمع المدنيّ وهيبة الدولة وسموّ القانون؟ عدا عن فضاء الحرّية والاختلاف. وأيّ أفق في المستقبل القريب لمجتمع يُعبّئ عشرات المقاتلين كل يوم خلف "قائد مُلهَم" ولم يستطع أن يُعبّئ مثلهم في اعتصام مدنيّ سلميّ لوقف الحرب في ساحة كل مدينة، غير خيم العسكر والنكوص إلى القطيعيّة.



02 تشرين أول 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة