728 x 90

النقد العربيّ المفقود ومحنة السّرد المعاصر

2623659221.jpg

 

 

1-  يعاني النقد الأدبيّ إدانة مُضمرة لوجوده، إذ ما الذي يدفع إليه بعد خلق النصّ الإبداعيّ ؟

 

لقد أنقذت الفلسلفة النقد الأدبيّ من هاوية ساحقة لا عودة بعدها، عندما كتب الفلاسفة نقداً للشعر والمسرح عند اليونان، وكتب المعرّي وابن الفارض وابن المقفّع والحلّاج في نقد النصّ الدينيّ عبر الحكاية والترجمة والشعر والفلسفة، وبهذا أصبحت عتبة النقد ساحرة وعالية، فأبدع كل من وصل وتخطّاها إلى البراح المفتوح كما فعل جيل دولوز في نقد الصورة وميشيل فوكو في الأشياء والكلمات وغاستون باشلار في التأمّلات الشاردة، وأندريه بروتون في بيانات السورياليّة، وكما فعل بورخس في مقارباته لألف ليلة وليلة.

 

إن حشر الواقع في المفاهيم هو نقد ناقص ورخو ومجّاني للعالم ، إنه روح الأيديولوجيا وسيطرة الأفكار المترابطة بالسلاسل والتي تسمّى العقائد.

 

اللغة في النقد لا تقبل التراخي ونقصان الإقدام، إنها في الوقت نفسه شاعرية الطيور المحلّقة في الأفق البرتقالي، وعين الصقر في الظهيرة، وقلب العصفور في هواء الثلج والعتمة.

 

تنتقم اللغة من استخدامها بقسوة الإرادة في الخطاب الأدبيّ النقديّ، فهي تشحب بعد قولها كورود نُزعت حديثاً من الحديقة .. ولم يعد بإمكانك إنقاذها من اليباس السريع والمجّانيّ.

 

2- السياق النقديّ للسرديّات الروائية العربية سياق مرتبك، متشعّب ومتناقض، لكن الآراء والمسالك جميعها تتناول الأعمال الروائية عبر البحث عن النشأة، نزوع أصوليّ للتأصيل ، وكما هي العادة في السياقات المجاورة ، كسياق النقد الفكريّ والفلسفيّ والشعريّ، جميعها دون استثناء تذهب نحو البحث في النشأة والتأصيل، فيغدو البحث في الرواية نبشٌ للأموات، في الوقت الذي يبدو فيه جليّاً أن الرواية في العالم المعاصر هي ملمح عظيم من ملامح التعبير الجمعيّ لحياة البشر وتنوّع سرديّاتها وشكل محاكاتها للعالم والكون .

 

ولعلّ الصوب النقيض للباحثين عن الأصول، هو صوبٌ مقلوب، إنما يصبّ في جدال حول التراسل والتأثير بين الثقافات، لكنه جدال خارجيّ، ويبدو أنه بُني أساساً على تناصّ منقوص مع الفضاءات الأرحب عبر الترجمة، تناصّ خائن لصالح التموضع في أحد قطبي الكماشة الهارسة للمعنى، وفكّاها، الثقافة الرسميّة الممتدّة منذ أربعة عشر قرناً و نقيضتها الثقافة المعارضة لها، تلك التي تحاول كسمك السلمون العبور إلى القمّة عبر نهر ضيّقٍ هو منظومة العقل لعربيّ، النهر الذي يعجّ بالدببة الأبديّين .

 

3- الرواية كأحد أشكال المرويّات السرديّة ، نهضت في الثقافة العربية لمّا تبدّت لتربتها الخصبة شروط التشكّل، إنّ للأدب والفنّ تاريخه الخاصّ، وأصبح نافلاً قول المدارس النقديّة التي سادت القرن التاسع عشر والعشرين بربط ولادة الرواية بأحداث كبيرة على الصعيد السياسيّ أو العسكريّ، يبدو هذا الربط فظيعاً ومتعدّيّاً عن خواصّ الإبداع في الفنّ، صوب ذلك يعتبر النقد العربيّ في إحدى أكثر بديهيّاته المشغولة أنّ ولادة الرواية العربيّة أتت مع حملة نابليون على مصر وبداية التأثّر بالنصوص المترجمة في القرن الثامن عشر، يمكن لهذه العلامات الفاقعة في تاريخ المنطقة أن تكون علامة تاريخية لمرحلة من مراحل الحكاية في تاريخ شعوب المنطقة، لكنها بالتأكيد لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتيّار السّرد الحكائيّ الأصيل في ثقافات الشعوب، لقد كان على الثقافة العربيّة أن تنتظر رجلاً عظيماً من أدباء أمريكا اللاتينية كي يقول لنا أن بلزاك وغوته وروّاد كتابة الرواية في الغرب وقعوا تحت التأثير السحريّ لكتاب حكايات الشرق الكبير ألف ليلة وليلة، ومن نافل القول أن الأعمال الروائيّة التي أُنتجت في القرن العشرين في المنطقة العربية كانت بمعظمها محاولة للتناصّ والتراسل والتبادل الحيويّ، وذلك شأن الفنّ والأدب في كل بلدان العالم، لقد عاش حكّائو الليل قروناً طويلة قبل غزو الإسكندر المقدونيّ لشرق آسيا، ولمّا كان الظرف مناسباً لولادة كتاب ألف ليلة وليلة فقد ولد، وهذا يذهب بنا إلى أن الكتاب يحتاج إلى العيش وقتاً كافياً على ألسنة الشفاهيّين وفي مخيّلات المتلقّين.. كي ينضج على الورق عبر اللغة، لا عبر أسباب تغيّر الظروف السياسيّة وانقلاب الملوك على الملوك.

 

 

الأدب يأخذ التاريخ كمن يقبض على ثعلب يريد قطف العنب فقط دون اكتراث بتدمير الحقول، ويمكن للنقد الأدبيّ أن يلعب دور الحارس الأمين لهذا الثعلب، ولكن يمكن أيضاً أن يحاكمه علناً ولكن ليس بأدواته.

 

هناك الكثير من المذاهب الفنّية والإبداعيّة التي نهض لها مذاهب نقديّة موازية، الواقعيّة الاشتراكيّة والوجوديّة، والعبثيّة، والسورياليّة .. إلخ

 

ولكن حين تقرأ قصّة تشيخوف القصيرة ( وحشة) على سبيل المثال، ستذهب بك الشخصيّة نحو عوالم المتحوّل لكافكا وفيها ملامح من دون كيخوته لسرفانتس، وتذهب في أحلامها نحو بوح زوربا لكازانتزاكس، ولأرصفتها المتخيّلة شوارع فيلم كلب أندلسيّ لبونويل.

 

وأنت تجثو بجانب السرير للسيّد مالون في رواية بيكيت ( مالون يموت ) ستشمّ روائح المعرّي وستتلمّس الجدران مع عميان ساراماغو، وأنت تعبر بين قذارات العميان ومدنهم المستباحة ، ما الذي يحدث إذاً ؟

 

نحاول تلمّس المشكلة في المرجعيّات، لقد تراكمت المدارس الفنّيّة والنقديّة منذ ثمانينات القرن المنصرم بشكل يدعو للريبة في خصائص تشكُّلها، والريبة هنا حقّ الفنّ، وأصبح الاشتغال على المناهج يبدو مسقوفاً، وأصبحت مرجعيّة المعلّم هي شبح يُدعى البيانات، ممّا أدّى إلى ضمور دور المعلّم صانع السؤال / من سقراط إلى سارتر / .

 

ليس الخلل في البنيويّة والتفكيكيّة ومدارس النقد النفسيّ، وأيّ اتجاه يحاول أن يقارب العمل الأدبيّ بأدواته، بل في اعتبارها سقفاً لأفق التفكير النقديّ، إنّ المرجعيّات والمناهج النقديّة كما تمّ نقلها وممارستها هي أدوات معطوبة بعد تشكّلها في الوعي النقديّ العربيّ؛ لأنها استُثمِرت كأدوات لا يصيبها الصدأ، لكن الواقع الحيّ مليء بالأوكسجين، ولا بأس بأن يصدأ المعدن الميّت وتتنفّس الأشجار.

 

4- السّرد العربيّ المعاصر ومحنة الأدوات :

 

عند مقاربة النصّ الإبداعيّ، ثمّة متاهة متشعّبة و مموّهة جيداً ستباغتنا، إنها محنة الأدوات، تشتعل أدواتنا على الفور، دون أن نتلمّس حبال العلاقة أو جملة العلاقات.

 

بين الأداة والعلاقة روابط تكوينيّة، وإذا ما تمّ فصلهما لدى الداخل في براح السّرد، فإنّ انتصار أحدهما على جثّة الأخرى هو مقبرة الأدب، وشكل من أشكال مراسيم النقد الجنائزيّ في المؤسّسات الراعية لطقوس الموت.

 

أن ترى سرديّات مطوّلة عن الحرب التي لم تغادر، استنفار أدوات معرفيّة وتزيينها ببعض الشخصيّات والأحداث، إلباس الأفكار ثياب الشخصيّات الروائيّة عنوةً، ذلك يذهب بنا إلى ما نحن عليه، مطوّلات سرديّة روائيّة.. تستعير بنيتها الهشّة من اليوميّ العامّ، وتستضيف شخصيّات بلا ملامح لتلبسها ملامح الأفكار، التحليل، التذاكي، الادّعاء، الشكوى، الخوف، التنبّؤ.. وأحياناً تستعير أدواتها من تناصّ مع الدراما والسيناريو التلفزيونيّ، إنّ التأثير هنا لأدوات كتابة صُوَر بصريّة وحكاية تصلح لرواية تلفزيونيّة محدودة الملامح والآفاق، فلا هي تذهب نحو سيناريو الصورة في السينما، ولا هي تذهب نحو السّرد الروائيّ باستحقاقاته الموغلة في التورّط، بل نحو سرد بليد بحكم أدواته وصناعته، سرد له ذروة كمن يقلّد بشراً في فضاء سيرك.

 

 

تقدّم أميركا اللاتينيّة تجارب مذهلة في تقنيّات النصّ الروائيّ، أدوات ناهضة من علائق الكلمات داخل النصّ، أدوات لم تأتِ من الأفكار والمدارس النقديّة والأداء التنظيريّ في الأدب، ذلك الذي سقفتهُ الحكمة عند فلاسفة الشرق مرّة وإلى الأبد..

 

إنها أدوات الحكاية بسحرها الغامض، طاقات الكلمات المتجاذبة والمتنافرة في جَيَشان الأحداث داخل الحكاية.

 

إنّ السرديّات الروائيّة المعاصرة، تقترب من الحكاية كمفهوم عن الحكاية، وليس الحكاية نفسها، ولا يوجد من يجهض الحكايا العاتية للأفراد والجماعات، سوى منتهكي الحكاية عبر حشرها مع شخصيّاتها في المفاهيم المريضة لهذا العصر المتهافت.

 

لقد نهضت الأدوات حرّة بعد تشكّلها في الحكاية لدى أدباء أميركا اللاتينيّة في القرن العشرين، نهضت لتكشف سحر الواقع ودهاليز التفاصيل، حتى باتت السياحة الأدبية أكثر واقعيّة من السياحة الجغرافيّة إلى تلك البلاد.

 

5- السّرد البسيط و السّرد الركيك:

 

السّرد الركيك كلماته خجولة عن التشكّل في معناها أو عدمه، تتّسق في اصطفافات لغويّة مدفوعة برغبة الروائيّ في تحقيق صيغة عجولة للخبر.

 

السّرد الركيك لايتجاوز حدود المبتدأ والخبر بصيغته الرثّة، لا يستطيع السّرد الركيك تحويل المبتدأ إلى لحظات عاتية في الأمكنة والروائح وأنفاس الشخصيات، ولا تحويل الخبر إلى تلاطم حكائيّ مفتوح وحيويّ، فيلجأ إلى خمول التبعيّة لثقافة الصورة الاستهلاكيّة التي تنقل صورة عجولة سريعة لمدينة محطّمة، ويخضع ترتيب كوادرها لزمن عجول ونفعيّ ووظيفيّ.

 

أمّا السّرد البسيط، فإنه لحظة انتقاله إلى السّرد الروائيّ المفتوح، يمتنع كما تمتنع الينابيع في الأعماق عن التدفّق، ويحتاج لحدس يثقب طبقات الصخور، ويتبع تعرّجات الشقوق الشفيفة في جلد هذا العالم القاسي.

 

لا يمكن للراوية أن تجاري بعض أنواع الفنون الأخرى في التورّط بسرعة العصر الاستهلاكيّ.

 

إنّها النوع الذي يُعتبر ثقيلاً على الصرعة أو الظاهرة، كما يحدث في الموسيقا والسينما أحياناً.. ذلك يجعل من الرواية فنّاً ثقيلاً على التحريك.. ويلزمه طاقات خاصّة تنبع من شخصيّات العمل الروائيّ، وليس من شروط خارج النصّ الروائيّ، كالتسويق والجوائز .

 

لماذا على الأدب أن يكون عظيماً ؟

 

لماذا لا يكون هناك أدبٌ منحطٌّ، خدميّ أو وظيفيّ أو مستعار بشهيّة اللص الدنيء؟!

 

في المناخ الثقافي العربي الراهن لا ينجو التناصّ من العجز، ومن ثمّ ترهّل النصّ الذي لا ينبعث من جديد، فيبدو التناصّ ضرباً من القناعة بأن جلّ ما يمكن أن يقدّمه المبدع المنفتح على آداب الشعوب الأخرى هو دور الناقل الأقلّ أمانةً، ألا يدفع هذا إلى تساؤلات جمّة في ما يتمّ تداوله من آداب، وأخصّ الرواية في الواقع المعاصر؟

 

يولد الأدب عظيماً؛ لأن عظمته تلك لا تُستَمَدّ من شروطه بعد اكتماله إلى نصٍّ روائيّ ٍ بل من من مناخ تشكّله في وعي المبدع، وكنظيرٍ يتخلّق على أوراقه البيضاء، إنّ واقع بلوغ الأعمال الروائيّة اهتماماً في عمليّة التواصل البشريّ والثقافيّ راهناً مرتبط بشكل وثيق بجملة من العوامل التي تتهيّأ لتسويق العمل أو تسويق كاتبه، والتسويق هنا مفردة تنتمي لعلم الاقتصاد والتجارة، ولا يمكن لها أن تنتمي للأدب، أمّا أن تكون شرطاً لبلوغ العمل الناس، فهذا هو الانحطاط بعينه، حيث لا يمكن أن / نلهو بنفعيّة الاستعراض / مع مستودع العبث الأخّاذ، ذلك الفراغ الغامض لفنّ الرواية.

 

إنّ ما يحدث في بعض تجارب الكتابة عن الحرب المعاصرة بعد الربيع العربيّ، هو جعل الرواية متحرّكة بخفّة وقابلة للاستثمار، عبر قصّ أجنحتها ودمغ شخصيّاتها قاطبة بختم ضمير الروائيّ السريع، المتدفّق، صاحب النور على الأرض وفي السماوات، النبيّ، والسوبرمان في آن واحد، لتضمر الشخصيّات وتتضخّم أنا الروائيّ داخل النصّ، فيغدو سارداً بالوكالة، والسارد بالوكالة في الحرب، يتناول أدواته على عجل دون صناعتها، كالقاتل بالوكالة.

 



29 نيسان 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة