728 x 90

النظام يدير اقتصاد التهريب

1884861574.jpg

 

 

 

حزب الله وإيران وتركيا وتجّار لبنانيّون أكبر المستفيدين

وزراء النظام: نعرف المهرّبين ومن يحميهم بالأسماء

الدواء والشمع والّليدات والدخان والمواد الغذائية تتصدّر المهرَّبات

مياه فرنسية وفياغرا وعطورات فاخرة تغزو أسواق دمشق

 

 

*نضال يوسف

 

 

سوريا تئنّ من نيران الحرب الطاحنة، وبالتوازي أسواقُها مفتوحة أمام التهريب. وكما تدخل الفياغرا تهريباً، وتحجز لنفسها مكاناً في السوق السورية، هناك أيضاً الدواء والمواد الغذائية وكل أنواع المشروبات والألبسة. هي تناقضات الحرب، واحتياجاتها بالوقت عينه. كيف يمكن الاقتناع بقوّة الدولة التي حتى الإسمنت يدخل إليها تهريباً؟ القضية ليست كمّيات بسيطة من المواد الأساسية، إننا نتحدّث عن اقتصاد متكامل، يستحوذ باعترافات وزراء حكومة النظام على أكثر من ثلاثة أرباع موارد الخزينة العامّة، وعلى تقديرات حجمها يتجاوز سبعة مليارات دولار سنوياً، وفقاً لمعلومات حصلت عليها "صُوَر"، مقارنة مع حجم تهريب تصل قيمته إلى نصف الموازنة العامّة للدولة قبيل 2011.

 

شبكات التهريب

 

يحاول مسؤولو النظام التفاخر، والتعبير عن توافر كل السلع، بما فيها الكمالية، في الأسواق التي تقع تحت سيطرة النظام. لم تستطعِ الحرب منع تدفّق السلع إلى الأسواق السورية، ولم تحدَّ العقبات الهائلة الناتجة عن العقوبات الاقتصادية، وتدنّي الدخول، واستمرار الحرب الطاحنة، من توافر الفياغرا، والموز، والمياه الفرنسية. فضلاً عن الجبنة القادمة من باريس وعطوراتها المميّزة التي اعتادت شريحة من السوريين عليها، والألبسة الفاخرة التي وصلت أسعارها إلى أرقام قياسية، إلى جانب ثلاثة أرباع السوريّين فقراء، ويهدّدهم الجوع. هذه الوفرة التي يتّكئ إليها وزراء النظام، سببها الرئيس هو التهريب، الذي تقوده شبكات و(كارتالات) متشابكة، تجمعها شهوة المال، وتنظّم عملها مافيوياً.

 

 

اعترافات وزير النظام

 

كشف وزير التجارة الداخلية في حكومة النظام عبدالله الغربي، في اجتماع رسمي قبل فترة، معلومة لايحبّذ مسؤولو النظام إطلاقها علانية. قال الغربي:" رأيت بأمّ عيني المهرّبين، وهم معروفون بالنسبة لنا". هذا الكلام الذي يعلمه كل مسؤولي النظام، يحاولون التبرُّؤ منه، ولا يفضّلون الحكي فيه أمام الإعلام. لكن الغربي القادم من مؤسّسة تستمدّ قوّتها السلطويّة الضاغطة على رقاب الناس. لم يلتفت إلى عبارات التحذير، ونظرات العتب التي رمقه بها رئيس حكومة النظام عماد خميس، لكنه في وقت لاحق حاول التخفيف من حدّة نقده، الذي وجّهه للجمارك، المتواطئة، مع المهرّبين، والشريكة معهم في هذا العمل.

 

العربدة الاقتصادية

 

 

أمّا وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية في حكومة النظام أديب ميّالة، عرّاب شَرْعَنة التهريب، فإنه يعبّر عن دهشته الكاذبة لوجود كل السلع في الأسواق المحلّية، ولفَتَ مستغرباً: "حتى السوشي موجودة، في المولات". وعرض ميّالة في اجتماع حكومي مقاطع فيديو تضمّنت سلعاً كماليّة ممنوعة من الاستيراد، معروضة في (مولات) دمشق. ممّا شجع وزير التنمية الإدارية والمرشّح الرئاسي السابق حسّان النوري إلى الدعوة لضرب "كبار المهرّبين والفاسدين". فردّ خميس عليه بلهجة صارمة : "الصغار والكبار معاً". في حركة التفافيّة، تعني أن كبار المهرّبين لا يمكن الاقتراب منهم، لوجود دعم ضخم يسمح لهم بالعربدة الاقتصادية، ورعاية كبيرة تحيط بهم.

 

عقليّة المافيا

 

       هذه التشابكات تعني الشراكة الكبيرة التي تجمع الجهاز الحكومي للنظام، مع رجال التهريب، والسلطات العسكرية والأمنية التي تغضّ الطرف عن قدوم السلع المهرّبة، وإغراق أسواق المناطق التي يسيطر عليها النظام بشتّى أنواع السلع. ويرى الخبير الاقتصادي رهف الخالد في حديثه ل "صُوَر": أن هذه الخطوات محسوبة بدقّة من النظام، إنه يريد التعبير عن إمكانية استمرار الحياة الطبيعية في مناطق نفوذه، إضافة إلى إطلاقه يد طبقة جديدة من رجال الأعمال الجدد الذين يعملون بعقلية المافيا.

 

أساليب ذكية

 

التهريب وجه واحد للفساد المنظّم الذي تقوده، شبكات التهريب العلنيّ، وعلى عينك ياحكومة. إلا أن التغاضي الحكومي محسوب بدقّة، برأي الخالد، فتأمين السلع خلال فترة الحرب، يحتاج إلى ذكاء حكومي، أقلّه تأسيس شركات خاصة مملوكة للدولة، تقوم بالاستيراد للتهرّب من العقوبات الاقتصادية المفروضة. ويضيف: هذا حلّ منطقي واقتصادي سليم، لكن النظام من الناحية الاقتصادية لم يعتَدْ على العمل بهذا الأسلوب الفني والدقيق والذكي، فكان الطريق الأسلم إطلاق أيادي مجموعة من رجال الأعمال الجدد، الذين اختارهم النظام بدقّة وعناية، بناء على الولاء والمحسوبيات، إضافة إلى الانتماء الديني والمناطقي، بما يمهّد لخلق تشابكات مالية واقتصادية متينة، تسمح بمرور هذه السلع إلى جميع المناطق التي تقع تحت سيطرته أو خارجها.

 

كعكة اقتصادية

 

كان رئيس حكومة النظام السابق وائل الحلقي، قد عبّر ومن على منصّة مجلس الشعب، عن شكره ل 25 تاجراً، وصفهم بالوطنيين، الذين حافظوا على استمرار تدفّق السلع والمنتجات إلى السوق السورية، رغم مصاعب الاستيراد وفوضى الحرب.

 

 

هؤلاء ال 25 تاجراً، يصنّفون بأنهم القابضون على مقاليد الاقتصاد السوري، استيراداً وتصديراً، ويتقاسمون هذه الكعكة الدسمة، ويحصلون على كل التسهيلات التي تسمح لهم بتأمين كل السلع المطلوبة للسوق المحلية. وهنا يتبادر للذهن سؤال طبيعي: هل السلع المطلوبة هي السلع الأساسية؟ هي بالتأكيد هذه السلع، لكن في الجزء المغمور من جبل الجليد العائم، ثمّة توافق منطقي بين هؤلاء التجار، والسلطة التنفيذية للنظام، بتأمين كل الاحتياجات، الكمالية منها قبل الأساسية. ويرى الباحث الخالد أن قيمة حجم اقتصاد التهريب الذي يرعاه النظام، لا يقلّ عن ستة مليارات دولار سنوياً. وهذه القيمة، الفائدة الكبرى منها بالنسبة للمهرّبين، هو الإعفاء من الضرائب والرسوم، ما يعني زيادة أرباح حقيقية. ويضرب مثالاً على ذلك سوق الهواتف النقّالة، التي تحاول وزارة الاتصالات إجبار المشتركين على تسديد مبلغ 10 ألاف ليرة عن كل هاتف دخل بشكل غير قانوني، مهدّدة بقطع الاتّصال عنه. ويبيّن الخالد أن هذه الإجراءات تفضح العقل التقليدي الحكومي الذي يفرش السجاد الأحمر تحت من يستطيع تأمين السلع، لكن عندما تصل هذه البضائع إلى السوق، تكشّر المؤسسات المعنيّة عن أنيابها.

 

تقديرات كبيرة

 

تدرك حكومة النظام الخطر الكبير للمهرّبات على موارد خزينة الدولة، التي تبدو خاوية، وتصفر فيها الريح. لكن خيارات استمرار التهريب من توقيفه، ليست بيد السلطة التنفيذية التقليدية، ممثّلة بالجمارك، فهناك جهات وقوى أمنية وعسكرية لها اليد الطولى بذلك، وهي خارج تصنيفات الحكومة ومؤسساتها ذات الصلة. ويرى تاجر دمشقي أن التهريب ليس مستجدّاً على الاقتصاد السوري، هو استمرار لحالة الفوضى الاقتصادية التي كانت سائدة، وصورة مصغّرة للاحتكار، ومدى تركّز الاقتصاد بيد قلّة قليلة من رجال الأعمال الذين ينتخبهم النظام ليكونوا تلك الواجهات البرّاقة له.

 

      

ويؤكّد وزير الاقتصاد ميّالة أن التهريب يستنزف 80 بالمئة من موارد خزينة الدولة. فيما قدّرت الأوساط البحثية والأكاديمية قيمة التهريب قبل 2011 بنصف قيمة موازنة الدولة. هذا الرقم الصادم، لا تملك حكومة خميس صلاحية تصحيحه، أو العمل على استرجاعه، أو حتى الاقتراب منه بشكل فعليّ، ويُسمح لها فقط الدوران حوله، وتقديم الوعود لتحصيله، لبثّ رسائل باتّجاهين، الأولى للشارع بأن الحكومة وبالتالي النظام جادّ في معالجة الأخطاء، والثانية، رسالة تهديدية لكل من يعمل تحت مظلّة النظام بأن أي تحرّك بلا معرفة النظام له عقاب شديد، وفقاً لرأي الباحث الخالد.

 

الخطر الأكبر

 

ما يعرّي قضية التهريب في الاقتصاد السوري، خاصة في مناطق سيطرة النظام، أن وزراء حكومته يقرّون به، ويعبّرون عن معرفتهم دقائق وتفاصيل مثيرة للجدل في هذا المجال. فهذا وزير المالية لدى النظام مأمون حمدان  يعتبر التهريب القائم حاليّاً "آفة الآفات" التي تضرب الاقتصاد الوطني، ويرى فيه "الخطر الأكبر"، الذي يُخسِّر الخزينة العامة "أموالاً طائلة".

 

       السؤال الذي لابدّ من طرحه، يتعلّق بمن يحمي هؤلاء المهرّبين، ويسهّل عملهم، يفاجئنا حمدان بقوله:"هناك من يحمي المهرّبين، والأسماء معروفة بالنسبة لنا". ماذا تنتظر حكومة النظام لتستردّ هذه الأموال الضائعة التي هي حقّ الشعب؟ ولماذا لا تتحرّك لضبط ما يدخل لمناطق نفوذها؟ ومادامت الخارطة واضحة أمام الحكومة فلماذا لا يتحرّك ساكن بهذا الملف الذي قيمته مئات مليارات الليرات السورية؟ يشير أستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق( فضّل عدم ذكر اسمه) أن المانع الوحيد للقيام بهذا العمل هو الرغبة بعدم حرمان أزلام النظام، وعقله الاقتصادي المدبّر، من ثروات طائلة.

 

 

جغرافيا التهريب

 

أين هو طريق التهريب؟ مادامت حكومة النظام، تعلم أن الاقتصاد الذي تديره قائم على التهريب، ولا تريد معالجته، ولا تملك الصلاحية والإرادة للقيام بخطوة عملية واحدة لتصويب المسار الاقتصادي، تغدو الجغرافيا الاقتصادية، هي الحامل الموضوعي لتدفّق السلع والبضائع. الحدود المترامية الأطراف، والطويلة والمتشاركة مع عدد من الدول، تفتح مجالاً رحباً للمهرّبين، وتعود على مسيّري وميّسري هذه العملية بالفوائد. لكن مع تقسيم البلاد إلى (كانتونات) صغيرة تحت إمرة أُمراء الحرب، من جنرالات النظام وقادة الفصائل المعارضة والمسلّحة، يصبح التركيز على الطرق التي تسلكها هذه البضائع من لحظة عبورها الحدود مع الدول الأخرى إلى الداخل السوري هي الطرق الأهمّ.  ويبيّن الأستاذ الجامعي، أنه في المنطقة الجنوبية، تأتي السلع برّاً من الأردن، وتدخل إلى درعا وتُدفع الأتاوات لقادة الفصائل المسيطرة على المعابر، وكذا بالنسبة لجيش النظام، وصولاً إلى دمشق. وحاول المهرّبون غير مرّة تغيير البوصلة بتوجّه حافلات التهريب من الحدود الأردنية إلى محافظة السويداء، إلا أن طول الطريق البرّي، لم ينفع في تحقيق هذا الحلم، وتوفير المزيد من المال الذي يذهب لقادة فصائل درعا المسلّحة. ويوضح: أنه جرت محاولات جادّة قبيل سيطرة تنظيم (داعش) على الجزء الأكبر من البادية السورية، ليكون العراق هو المعبر الذي يتنفّس منه المهرّبون، لكن الانزياحات العسكرية المفاجئة، ولعبة الكرّ والفرّ القائمة منذ عامين، أغلقت هذا الباب.

 

 

ويلفت الأستاذ الجامعي إلى أنه بالتعاون مع قوى مماثلة في لبنان، تجري عمليّات إدخال الجزء الأكبر من البضائع عبر الشريط الحدودي المشترك مع لبنان لاسيما في المنطقة الواقعة غربي حمص، وتتميّز هذه المنطقة بأنها معابر مخصّصة أساساً للتهريب منذ زمن طويل، ومن خلالها يتمّ تأمين الكثير من المواد والسلع، التي تُوزّع حسب الحاجة إلى كل أنحاء البلاد كون حمص تتوسّط سورية. وتضاءل دور هذا الطريق، عقب حالة الاستحواذ التي يمارسها حزب الله اللبناني في سورية، وقيامه بإدارة عمليات التهريب التي تعود عليه بالمال.

 

أمّا في منطقة الساحل السوري فمازالت ميليشيات تجارية تتبع لآل الأسد وعدد من العائلات التي تدعمها، تقود عمليات التهريب وتستحوذ عليها، وتحتكر النشاط الاقتصادي في تلك المنطقة، ولم تستطع الحرب تغيير قواعد هذه اللعبة. فيما باتت الحدود الشمالية المفتوحة مع تركيا بوّابة تدخل منها البضائع، إلى حلب وإدلب، والرقة ودير الزور والحسكة. فيما تحيط مناطق الإدارة الذاتية للأكراد شبكة محكمة، تتحكّم بتدفّق السلع القادمة إليها، عبر القوى الحزبية والعسكرية الكرديّة التي تسيطر على كل منطقة. فيما يسيطر تنظيم (داعش) على الحركة التجارية عبر الحدود المشتركة مع العراق.

 

بالاتّجاه المعاكس

 

تنشط عمليات التهريب بين المعبر الحدودي البري الوحيد المتاح للنظام رسمياً مع لبنان( جديدة يابوس / المصنع)،  ويتغاضى عناصر الجمارك عن إدخال كل السلع والمواد التي يحتاجها السوريون، مقابل تلقّي الرشى. وانتقل المهرّبون من الطرق الجبلية المعتادة للتهريب، إلى الطرق النظامية، نتيجة الحرب. لكن شطارة المهرّبين بدأت، وفقا لسائق تكسي عمومي سوري يعمل على خطّ بيروت دمشق، يدعى أبو حيدر، تحدّث ل "صُوَر" في تأمين احتياجات معيّنة لم يكن السوريّون يطلبونها. وإذ يبدي أسفه لتساهل الجمارك مع مهرّبين لبنانيّين معيّنين ومعروفين بولائهم للنظام السوري، مقابل تشدّدهم مع نظرائهم السوريّين، يفيدنا أبوحيدر أن أهمّ السلع التي تُهرّب من لبنان إلى سورية حالياً هي الشمع والبطّاريات والشواحن والّليدات، إضافة للأدوية، وعدد كبير من السلع الغذائية والمشروبات الروحية ومشروبات الطاقة، بالمقابل يسوّق المهرّبون القطنيّات السورية في لبنان. لم يعد المازوت والطحين وغيره من المواد المدعومة تُهرّب من سورية إلى لبنان، بل ما يحدث هو تهريب هذه المواد بالاتّجاه المعاكس، لكن مازال الدخان سيّد المهرّبات وأكثرها ربحاً.

 

قبضة إيرانيّة

 

برز الدور الايراني التجاري في سورية، إلى جانب التدخّل العسكري. إذ تقوم إيران ومن واقع دعمها اللامحدود للنظام، بتأمين الكثير من السلع الأساسية، لاسيما المواد الغذائية، بقيمة لا تقلّ سنوياً عن 3.5 مليار دولار، وهي قيمة القرض الائتمانيّ الإيرانيّ لحكومة النظام، الذي يشمل تزويد سورية بالسلع والمواد الغذائية والتموينية والمحروقات والأدوية. تدخل هذه السلع بلا قيود، وبلا رقابة، وفُتحت الأسواق المحلية التي تسيطر عليها قوات النظام، أمام كل المنتجات الإيرانية، وباتت السوق السورية منفذاً لتجّار طهران، وسوقاً محتكَرة لهم، عبر مطار دمشق الدولي الذي تديره أمنياً قوات الحرس الثوري.

 

 

مهرّبات تركية

 

بالمقابل تمارس تركيا الدور ذاته في المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلّحة في شمال سورية وشمالها الشرقي. كما وصلت الزيوت التركيّة المهرّبة إلى وسط دمشق، وبِيعت أحياناً في المؤسّسات التابعة لحكومة النظام ( الاستهلاكية وسندس)، وهو ما أثار سخط مؤيّدي النظام. وألقت وزارة داخلية النظام، في تموز الماضي، على عصابة لتهريب الفرّوج المجمّد التركيّ إلى سورية.

 

وتحدّثت الهيئة العامة للمنافسة ومنع الاحتكار في تقرير لها، صدر مؤخّراً، عن وجود بيض تركيّ مهرّب موجود في الأسواق السورية، وفقاً لشكاوى عديدة وردتها.  كما شوهدت السلع الإسرائيلية في أسواق الشام، في دلالة واضحة على أن شهوة الربح والمال، أقوى بكثير من صمود الموقف السياسيّ.

 

فالج لاتعالج

 

تبيع حكومة النظام الكلام لمواطنيها، حول نيّتها مكافحة التهريب، وزير مالية النظام يتقدّم بالمقترحات، لكن الواضح في كل ما يقال هنا، أن مسؤولي النظام يتحدّثون عن ضرورة مشاركة الشعب بجهود مكافحة التهريب، وهو الخطاب المتناقض دائما وأبداً. فالوزراء الذين تحدّثوا عن معرفتهم وبالاسم لكبار المهرّبين، والشبكات التي يديرونها، غير قادرين على الاقتراب منها، فيرمون الكرة بملعب الناس البسطاء الذين في أفواههم الماء، وقد أعيتهم الحرب. وزيرة الاقتصاد السابقة لمياء عاصي قالت: نبشّر رئيس الحكومة بأنه لا حلّ لقضايا التهريب والجمارك، إلا بتبنّي جدار جمركيّ واحد مع لبنان والدول المحيطة بسورية. موضّحة: أن الجدار الجمركيّ يعني وضع تعرفة جمركية وأحكاماً وأنظمة جمركية واحدة. مؤكّدة أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يمنع التهريب، وغير هيك فالج لا تعالج.

 

ويقترح حاكم مصرف سورية المركزي دريد درغام أن يكون التعامل مع موضوع التهريب على أساس إستراتيجيّ، وليس كردّات فعل، بالتنسيق مع لبنان لتطوير فكرة الاستيراد من مصدر لبناني ومنشأ غير لبناني.

 

الخافي أعظم

 

تحاول الجمارك التابعة للنظام، ذرّ الرماد في العيون، وتشير إلى جهودها في مكافحة التهريب، لكنها لا تصطاد كبار المهرّبين، بل تبحث عن الفتات، وعن الذين لايشكّلون سوى الحلقة النهائية في عمليّات البيع والشراء، أي تجّار المفرّق. وتبيّن الأرقام الصادرة عن الجمارك أن إيراداتها بلغت منذ مطلع 2016 ولغاية نهاية تشرين الأول الماضي 134 مليار ليرة. وهي أرقام لا تعبّر إلا عن جزء يسير من حجم الاقتصاد السوري في مرحلة الحرب، كما تعبّر في الوقت ذاته، عن حالة الفوضى التي تشهدها الأسواق. هذا ما حقّقته الجمارك التي تغاضت عن دخول هذه المهرّبات، والخافي أعظم بالتأكيد.

 

تحت الأنقاض

 

النظام يشرف على التهريب، وينظّمه، له فائدة إستراتيجية من ذلك. والقوى المتحاربة في سورية، جزء من عملها أيضاً، هو تجاريّ اقتصاديّ، يعود بالريع عليها، لتسديد رواتب مقاتليها. إنه الاقتصاد الذي يجد له مكاناً تحت الأنقاض، ومع لَعْلَعة الرصاص، وبين الموت.

.

.

اقرأ المزيد للكاتب..

 

 

 



25 شباط 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة