728 x 90

المظاهرات بين زمنين

1795541828.jpg

 

 

في العام ٢٠١١ بينما كنت عائداً من إحدى المظاهرات التي كانت تخرج كل يوم جمعة في حي الأكراد في دمشق حاملاً معي  مجموعة من الفيديوهات التي توثّق المظاهرات وانتهاكات الأمن بحقّ المتظاهرين، استوقفني صوت  مظاهرة أخرى، قبل خروجي من طلعة الكيكية، حيث جرت العادة بعد انطلاق المظاهرة المركزية أن تقوم قوات الأمن بتفريقها، ويعود المتظاهرون إلى تجميع أنفسهم في  مجموعات صغيرة، كان النشطاء يسمّونها بـ ( مظاهرات طيّارة ) لتشتيت الأمن، مستفيدين من طبيعة حي الأكراد الجبلي الوعر وأزقّته الضيّقة.

 

الحناجر كانت تصدح بالشعارات المناهضة للنظام مع مزيج من الشتائم والشعارات المطلبيّة، مثل الشعب يريد إسقاط النظام، ويلعن روحك يا حافظ، عند سماعي تلك الأصوات تباطأتْ قدماي المسرعتان، وبدت خطواتي متردّدة، كمَن يخطو خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف، فسماع هدير أصوات المتظاهرين كفيل برفع الأدرينالين إلى أعلى درجاته، وجعل دقّات القلب تتسارع بلهفة، في تلك اللحظة انقسم تفكيري بين الحاجة إلى الإسراع في إيصال الفيديوهات؛ لنتمكّن من نشرها على وسائل التواصل، وبين رغبتي القوية في الانخراط في المظاهرة الطيّارة، وممارسة الحرّية التي حرمنا منها، وكأنها آخر اللحظات.

 

 

في غمرة لحظات التخبّط تلك التي كانت تجتاحني، قفزت إلى مخيّلتي صورة لحصان خاض عشرات المعارك، وهو في لحظة هدوء وسكينة في حظيرته مستمتعاً بطعامه، وفجأةً  تقرع طبول الحرب، فيستنفر الحصان رافعاً رأسه متهيّئاً، وهو يضرب الأرض بحافره، إنها حالة مليئة بالغريزة والعاطفة، هي حالة غير عقلانية، وهو يعلم أنه قد يُقتل في أرض المعركة، ويعلم أنه قد يحقّق مجداً لفارسه لا لنفسه، وأنه لن يحصل إلا على العيش بسلام، إذا ما عاد سالماً إلى حظيرته، هذا المشهد الذي حطّ رحاله في مخيّلتي وقتها، لا أعلم مصدره، فقد يكون مشهداً من أحد الأفلام، أو صورة رسمها أحد الكتب في جدران الذاكرة.

 

اليوم في عام ٢٠١٨ ونحن نشاهد المظاهرات في إدلب، أشعر كأني مازلت في عام ٢٠١١ لا شيء تغيّر، فهي مازالت لحظات مليئة بالعاطفة والغريزة.

 

رغم إيماننا الكبير بوجود كثير من الأشخاص أصحاب الأهداف الوطنية بين المتظاهرين، ولكن كمّ الشعارات واللافتات الطائفية والعنصرية التي ظهرت، تبعث برسائل خوف تستدعي التعمّق فيها! وجود أعلام تركيّة، وأخرى للقاعدة يجعلنا ننظر إلى ما وراء الحدود ونسأل هل هي وطنية جديدة بدأت تترسخ، أم هي طبيعة الغريزة البشرية الساعية إلى الأمان بعيداً عن نتائجها السياسية؟

 

وفي النهاية هل ستؤدّي هذه المظاهرات - رغم إيماننا بحقّ التظاهر- إلى تعويم العسكر، وتعويم بعض الأطراف السياسية، كما حدث في بداية الثورة.

 

 



28 أيلول 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة