728 x 90

المرأة السوريّة من الشمال إلى الجنوب بين النضال والمُعْتَقَلات

1778356216.jpg

 

 

تتشارك النساء السوريات منذ انطلاق الثورة في سورية ذات الألم والقهر، والمسؤولية التي باتت أضعافاً على عاتقهنّ؛ بسبب القمع والحرب التي لم تستثنِ "معارضاً أو مؤيّداً"؛ فالقرار الذي اتخذْنه بمجابهة الواقع المرير، ليس سهلاً، بل هو قرارٌ مصيريٌ وضعهنّ أمام هاويةٍ عميقة ونفق مجهول، يزدادُ ظلاماً مع تطوّرات الأحداث الجارية؛ فمن "سلطة" الرجل المهيْمن في بعض المجتمعات السورية، إلى سطوةِ الحياة القاسية ضمن أجواء الحرب والدمار وجدنَ أنفسهنّ بين حجري رحىً  تكاد  تطحن كلَّ أملٍ  وتَطَلُّعٍ  لمعيشةٍ شبه متوازنة  قياساً  بالوضع المزري.

 

الوحشية التي مورست ضد المواطنين السوريين الذين خرجوا مناهضين لحكم البعث الدكتاتوري، جعلت من الطرف الآخر "المعارض"، يذهب إلى خيار العسكرة للدفاع عن نفسه وعن أرضه ضد آلة عسكرية لم تميّز بين الطفل والمرأة والشيخ الكبير! إضافةً إلى أن مستوى الرعب والترهيب والتنكيل أدّى بالمرأة السورية التابعة لمعسكر المعارضة السلميّة إلى أخذ  عدّة  أدوار منها "المعيل والناشطة والعاملة والمربيّة والممرّضة"، ومنهنّ اتّجهنَ إلى حمل السلاح مع الرجال في بعض المدن والقرى السورية لما شاهدْنه من تدمير وقتل بحق أبنائهنّ وأزواجهنّ وأشقائهنّ؛ فالعمل المدني والتطوّعي الإغاثي إلى جانب الناشطين الشباب، أصبح ذا مسارٍ مُقيّد أمام مئات المهام التي تستطيع المرأة القيام بها ضمن حالة الحرب التي  تستنزف كل الطاقات، بما فيها العنصر  البشري ( الشباب ) الذي  بات محسوراً  في  بعض  المناطق  بسبب توجّهه إلى رفع البندقية في وجه الطرف الآخر. لذا، كانت المرأة  ومازالت  تلعب دوراً رئيساً  إلى جانب الرجل الذي  قاسمها المسؤولية  حينما وجدها  قادرة  على فعل  أمورٍ يعجز بعض الرجال  عن فعلها  في  ساحات النضال،  ابتداءً من المظاهرات السلْميّة  والاعتصامات،  وصولاً إلى المهام الإغاثية ــ الطبيّة منها والغذائية ــ ؛ فهنا، تحوّلت المرأة السورية من ربّة منزل أو معلّمة أو موظّفة رمَت بها الظروف القاسية في معتركٍ صعب، إلى عنصر فعّال يفوق قدرات الرجال أحياناً بسبب إصرارها على إظهار  قدراتها و إماطةِ لثام الشكل  النمطي المرسوم لها في معظم المجتمعات بذريعة أنها غير قادرة على مجاراة الرجل في أغلب تفاصيل الحياة..

 

 

المرأة السورية بين الاعتقال والقتل

 

لم يفرّق النظام السوري وأجهزته المخابراتية بين الضحية ( المعتقل/ ة ) التي تقع فريسةَ القمع الممارس عليها  خلال أساليب التعذيب المُمنْهجة في أغلب الأحيان، فنجد أنّ المعتقلات السوريات من النساء وطالبات الجامعات والفتيات القاصرات، يخضعنَ  لأبشع أنواع التعذيب الجسدي  والنفسي، ويمارس عليهنَ ضغوطات هائلة وابتزاز رخيص، بكافة الأشكال لكسر إرادتهنّ و ثنيهنّ عن مواصلة المسيرة المطالبة بالحرية والكرامة؛  ورغم أنّ  عدداً  كبيراً من النساء اللواتي اعتُقلنَ  من قِبل النظام  السوري، لم ينخرطنَ بشكلٍ مباشر في الحراك، تجاهل النظام محاكمتهنّ أو إخلاء سبيلهنّ، وذلك للضغط على أقربائهنّ من الذين هم خارج قبضة أجهزته الأمنيّة،  وهذه من الأساليب الممنهجة التي يقوم  بها النظام  لإحداث شرخٍ واسعٍ  في المجتمع السوري المناهض له.  وفي إحصائية  وضعتها الشبكة  السورية لحقوق  الإنسان يتبيّن بأن أكثر من (24 ألفاً من النساء السوريات قُتلنَ خلال سنوات الحرب السورية، وأن مابين عامي 2011 و 2017 تعرّضت 20 ألفاً و 919 أنثى للقتل من قِبل قوات النظام والقوات الحليفة له التابعة لإيران كــ"حزب الله والفصائل العراقية وغيرها_  منهنّ 11 ألفاً و 292 امرأة بالغة، و 9 آلاف و 267 طفلة).

 

 

وتشير الإحصائية ذاتها ( لتعرّض 7 آلاف و699 امرأة لحوادث عنف جنسيّ، ارتكبتها قوات النظام، بينما تعرّضت 432 فتاة تحت سنّ 18 عاماً للعنف الجنسي، وكذلك حصلت 864 حادثة عنف جنسيّ داخل مراكز الاحتجاز).

 

والإحصائيات التي تداولتها الشبكة العنكبوتية، أظهرت ممارسات التنظيمات (الإسلامية)، وخاصةً فعل القتل المباشر تحت أي تهمة تمسّ بظنّهم "الشريعة" وهنا بعض الأرقام: 

 

قتل تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" 233 أنثى / 156 بالغة، و77 طفلة، في حين قتل "تنظيم جبهة النصرة" 67 أنثى / 52 بالغة و15 طفلة. وفيما يتعلّق بفصائل المعارضة المسلحة، وثّق التقرير مقتل 711 / 494 بالغة و217 طفلة".

 

والجدير بالذكر  أن هذه الأرقام  الأخيرة  وُضعت في عام 2015  من قِبل الشبكة  السورية لحقوق الإنسان بمناسبة  "اليوم العالمي للقضاء على العنف ضدّ المرأة" .

 

أمّا عن طرق التعذيب التي تمارَس ضدّ النساء المعتقلات، فهي تختلف على حسب أماكن تواجدهنّ في الأفرع الأمنيّة، أو السجون العسكرية أو المدنيّة؛ كــ " الصعق الكهربائي ــ  أو الحرق  بأدوات  حديدية وأعقاب السجائر في أماكن حسّاسة من جسم الضحية ــ  أو الشَبِح، التعليق من المعصمين إلى قضبان مرتفعة طيلة أيام عِدّة ــ  أو الجلد والرَّكل  والحرمان من الماء والطعام لأيام متتالية".. وذلك  يخضع أيضاً  لمزاجية  السجّان  والمسؤولين عن هذه المسالخ البشرية كأدنى وصف.

 

الاستغلال الجنسيّ والماديّ

 

لم تنجُ المرأة السورية أيضاً المُهجّرة بفعل الحرب إلى مناطق أقلّ خطورة في بلدان الجوار والداخل السوري من الاستغلال والابتزاز من قِبل المسؤولين الذين يتحكّمون بالمأوى وتوزيع (المساعدات ــ المواد الإغاثية).. ولا تختلف المعاملة السيّئة من قِبل الأخيرين عن معاملة أزلام النظام وأتباعه، فالاستغلال الماديّ والتحرّش الجنسيّ، هما على رأس القائمة،  وخاصةً  في  مخيّمات اللجوء التابعة  للدول الحدودية  مع سورية! وبالتحديد، النساء اللواتي فقدنَ أزواجهنّ، وليس لديهنّ أي معيل يقوم بتدابير الحياة في هذه الظروف القاسية.

 

أمّا عن الفصائل "الراديكالية ــ المتشدّدة" التي فرضت سيطرتها على بعض المدن والقرى السورية، فقد اتّبعت أساليب أشدّ بشاعة وإذلالاً للمرأة المتواجدة تحت قبضتها؛ فقد فرضت هذه الفصائل قوانينَ صارمة تنتج عنها عقوبات أشدّ صرامة لمن  يخالفها، من حيث إجبار النساء على ارتداء (اللباس الشرعيّ)، ومنعهنّ من التواجد والاختلاط مع الرجال تحت  أي ذريعة ! حتى  لو تعرّضَ أطفالهنّ  إلى  الموت  بسبب الجوع  والمرض، لا يحقّ لهنّ العمل، ولا ممارسة أي  نشاط يوفّر لهنّ  ولأطفالهنّ  لقمة العيش. عدا عن ذلك، مُورست أبشع أشكال الاستغلال الجسديّ (الجنسيّ) من قِبل هذه الفصائل، وخاصةً "تنظيم داعش" في حالات ــ السّبي ــ والتزويج القسريّ للمقاتلين في صفوفه، ما يُرجِع صُوَر العبوديّة وأسواق النخاسة التي امتهنت في عصور غابرة،  إلى عصرنا هذا لتلصقَ باسم الدين كل هذه التصرّفات الخارجة عن العقل والمنطق.

 



10 حزيران 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة