728 x 90

المدنيّون ورقة مساومة لدى الأطراف المتصارعة في سوريا

2082354263.jpg

 

 

"فقدت ابنتي ذات العشرين ربيعاً نتيجة للقصف على البلدة، ولم تمرّ أيام حتى أُصيب زوجي، كنت أدور في الشوارع كي أحصل على قليل من الحليب؛ لأن تغذيته كانت عن طريق أنبوب، لكني لم أجد شيئاً في البلدة وفي النهاية توفي زوجي". هكذا تصف ليلى شحادة من كفريا لـ (صُور) معاناتها بعد حصار دام قرابة ثلاث سنوات من قِبل مسلّحي المعارضة السورية في إدلب، حيث يتشابه مصير كفريا مع مصير العشرات من المناطق السورية التي كان يتمّ حصارها من قِبل قوات النظام والمليشيات المرافقة لها بعد أن تمّ اعتمادها كإحدى أساليب الحرب من أجل استسلام المعارضين لها.

 

يقول  أحد المدنيين في تقرير نشرته منظمة العفو الدولية حول الحصار في سورية "كنّا نتابع الأخبار طوال النهار والليل. ولم نكن نغادر منازلنا عندما نقرأ أن أحداً ما توفي في كفريا والفوعة نتيجة للقصف. إذ أنك إذا أصبت أشخاصاً في كفريا والفوعة، فهذا معناه أننا سيصاب لنا أشخاص أيضاً. فالقناصة ينشطون في كل مرة يقع فيها هجوم في كفريا والفوعة". ويذكرالتقرير معاناة المدنيين في استخدامهم ورقة مساومة وأداة ضغط لتحقيق مصالح إستراتيجية، فقد ذكرت فصلاً بعنوان المدن الأربع وهي: كفريا والفوعة المحاصرتان من قِبل المعارضة ومضايا والزبداني المحاصرتان من قِبل النظام.

 

ووصفت ممرضة من الفوعة الوضع نفسه قائلة "في كل مرة تهاجم فيها الحكومة السورية مكاناً نتعرض نحن للهجوم. إذا هوجَم [كوكب] المريخ هوجَمت كفريا والفوعة. فالجماعات المسلحة كانت تنفّس فينا عن شعورها بالإحباط والتوتّر في كل فرصة تسنح لها".

 

لطالما استُخدم المدنيّون في الحروب كسلاح من قِبل القوى المتصارعة، فاستُهدفوا في القصف والتهجير والتجويع، وكانوا الضحايا دائماً. ففي سورية، ومنذ بداية الصراع في عام 2011، استخدمت جميع الأطراف المتصارعة حصار المدنيين كأسلوب حربيّ في مختلف المناطق التي شهدت الصراعات.

 

نشرت المنصة المدنية السورية تقريراً عن استخدام الحصار كأسلوب حربيّ، أخذت فيه آراء عدد من سكان محافظات سورية عديدة، ذكرت فيه أن ظروف الحصار قد بدأت الظهور في سورية منذ النصف الثاني من عام 2013، حيث قامت القوى المتحاربة بفرض الحصار على بعض المناطق بهدف الضغط على الأطراف المتصارعة معها، ثم ما لبثت أن تحوّلت هذه الوسيلة إلى إحدى الوسائل الأساسية في النزاع بهدف الحصول على مكاسب، ويمكن اعتبار الحصار وسيلة منهجية تعتمدها القوى المختلفة، لم يكن للمدنيين أدنى اعتبار من قِبل القوى المحاصِرة للمناطق.

 

 

وغالباً يُضاف إلى الحصار المقصود؛ المعارك الجارية في العديد من المناطق السورية، وأيضاً بالتعرّض للقوافل الإنسانية والعاملين في المجال الإنساني، ما يجعل إمكانية الوصول المنتظم للسكان الأكثر حاجة صعباً حتى تاريخ شهر نيسان 2018 بلغ أعداد الأشخاص المتواجدين في مناطق يصعب الوصول إليها، بما في ذلك المناطق المحاصرة، ما يقارب من 3.2 مليون مدني، منهم ما يزيد عن 920.413 مدني في مناطق محاصرة بوحدات عسكرية، توزّعت المناطق المحاصرة عبر محافظات دمشق، وريف دمشق، وحمص، وإدلب. أمّا المناطق صعبة الوصول بحسب الأمم المتحدة؛ فتركّزت في مناطق شمال شرقي سورية: في محافظات دير الزور، والحسكة، والرقة، وأجزاء من ريف حمص الشرقي، وريف حماة الشرقي، وريف حلب الشمالي.

 

وبحسب الإحصاءات فإن أكثر من 400 ألف مدني تمّ حصارهم في الغوطة الشرقية، أمّا مخيم اليرموك ومنطقة الحجر الأسود في ريف دمشق الجنوبي فقد حُوصر لمدة خمس سنوات أكثر من 12 ألف مدني من قِبل قوات النظام السوري، وشهد عدد منهم حالات وفاة بسبب الجوع والنقص الحادّ في المقوّمات الإنسانية الأساسية.

 

طارق عمل كمدير إداري بمجمّع طبّي في الغوطة الشرقية قال لمجلة (صُور) "دام الحصار 5 سنوات أُغلقت فيها كافة المنافذ، لا رز ولا برغل ولا طحين، وإن وجدت ستكون بمبالغ باهظة، فقد استخدم النظام سياسة التجويع، وانعدمت سُبل الحياة والمعيشة في الغوطة الشرقية، تمشي في الشوارع فلا ترى سيارة أو موتور أو لمبة مضاءة"

 

ويضيف "تجربتي كانت سيّئة جداً، كان للشخص وجبة واحدة مقتصرة على رغيف شعير أو صويا أو بزر مقشر أو حتى علف بقر يُطحَن ويُخبَز، كنا نحصل على رغيف لمرة واحدة في اليوم، ويُعدّ كوجبة. حاولت الناس الاعتماد على أراضيها، لكن الشيء لم يكن يكفي؛ لأن الغوطة الشرقية تحوي على 450 ألف نسمة، عانينا الأمرّين"

 

وقد رصدت (صُور) في  تقرير سابق لها ظروف المدنيين تحت الحصار والقصف في منطقة الغوطة الشرقية، وأخذت شهادات العديد منهم.

 

 

نظام أو معارضة المدنيّون هم من يدفع الضريبة

 

ليس النظام السوري الوحيد الذي قام بحصار المدنيين وتجويعهم فقد قامت الفصائل المسلحة المعارضة بانتهاكات توازي أفعاله، ففي منطقتي كفريا والفوعة بريف إدلب تمّ حصار أكثر من 20 ألف مدني، وسُدّت جميع المنافذ، ومُنع عليهم إدخال المساعدات والأغذية.

 

قال محمد زنوبا من منطقة الفوعة لـ(صور) " أنا من أهالي الفوعة وكفريا خرجنا بالدفعة الأخيرة، بقينا محاصرين من تاريخ 25/3/2015 لتاريخ 17/7/2018 الفصائل التي حاصرت كفريا والفوعة هي فصائل المعارضة المعتدلة والتنظيمات التابعة لها بالتعاون مع تنظيم جبهة النصرة والتنظيمات التابعة له، من تركستان وأوزبك وشيشان وما إلى ذلك.. خلال فترة الحصار كل الفصائل تناوبت على حصار أهالي البلدتين وقصفهم بالإضافة لمهاجمتهم مراراً وتكراراً.

 

بعد مرور 3 أشهر على حصار 20 ألف مواطن في البلدتين، فقدت معظم مقوّمات الحياة بشكل نهائي، لأن البلدتين لاتمتلكان مخزوناً إستراتيجياً من القمح والوقود والمواد الغذائية والتموينية واللوازم الطبّية وما إلى ذلك. وأغلقت أفران الخبز وتوقفت محطة المياة عن العمل وبشكل مختصر توقفت كل الحياة عن التقدم.. وبدأت تظهر المجاعة الكبرى لأكثر من 20000 مواطن بينهم نساء وأطفال.

 

تقول ليلى شحادة وهي من سكان كفريا وعاشت الحصار "ربما كان الموت أسهل شيء في الحصار، هناك من الناس مَن مات من الجوع؛ فقد وُزّعت كمّيات الطحين والقمح المتوفرة، وبعدها فُقِد كل شيء، كانت تدخل بعض المواد عن طريق التهريب، لكنها كانت باهظة الثمن، فكيلو الطحين وصل إلى 7000 ليرة لم يستطعْ جميع الناس شراءه نظراً للأحوال المادية المتفاوتة بين الناس".

 

ديرالزور وحصار داعش

 

أمّا في دير الزور فلم يعد يخفى على أحد ما مارسه التنظيم من انتهاكات بحقّ الآلاف من المدنيين من حصار خانق وتضييق وارتكاب جرائم حرب.

ورغم إصدار العديد من المنظمات الحقوقية والدولية مناشدات لحماية المدنيين من أطراف النزاع، وبأن قوانين الحرب تلزم جميع أطراف النزاع باتّخاذ كل الخطوات الممكنة لإخلاء المدنيين من مناطق القتال أو المناطق التي ينتشر فيها مقاتلون، وعدّ استغلال تواجد المدنيين في حماية قوات عسكرية من الهجمات جريمة حرب، إلا أن ذلك لم يمنعِ الأطراف المتصارعة من استخدامهم كوسيلة ضغط على الآخر.

 

حامد الحسين (اسم مستعار) صحفي من ديرالزور ومعتقل سابق لدى تنظيم داعش، وشهد فترة سيطرته على المنطقة، تحدّث لـ(صُور) قائلاً: "لم يكن حصار التنظيم على كامل مناطق سيطرته  حصار الجوع بشكل عامّ، فحصار الجوع الحقيقي كان على أحياء المدينة الواقعة تحت سيطرة النظام السوري، وهي حيّا الجورة والقصور وحيٌّ آخر تابع لهما اسمه هرابش، وهي أحياء المدينة المأهولة التي كانت تحت سيطرة النظام، صحيح أن الحصار الفعلي كان من داعش، لكن للنظام الدور الأكبر في الحصار؛ لأن النظام كان يحصل على المساعدات التي ترميها الأمم المتحدة، ويتاجر بها علناً، حتى أن اسم حسام قاطرجي برز كأحد شخصيات النظام المعروفة، هو من حلب وتاجر معروف بعلاقة مباشرة مع بشار الأسد، كان يتاجر بالمواد ولديه طائرات خاصة تحضر الطعام، ويخزّنه في مخازن للقاطرجي المعروفة بحي الجورة، وفي نفس الوقت كانت داعش كانت تمطرهم بقذائف الهاون".

 

ويضيف الحسين بأن 12 مدنياً موثّقين بالاسم ماتوا نتيجة الجوع وفقر الطبابة، وكان من المستحيل الخروج من الأحياء المحاصرة برّاً، كان الطريق الوحيد للخروج عن طريق الطيران حصراً، وعليك أن تدفع، "أعرف عائلات باعت بيوتها كان البيت يقدّر بـ 50 مليون ليرة ويبيعوه بـ 400 أو 500 ألف ليخرجوا من المنطقة".

 

 

قصص كثيرة تُروى عن فترة سيطرة داعش على مناطق من دير الزور، يحكي الحسين لـ(صُور) عن حصار الأرياف فيقول: "لم يكن حصار الجوع على الأرياف، ولكن التضييق على الناس كان أكبر، فكثير من النساء رُجِمن بتهم الزنى دون أدلّة واضحة، وتمّ رجم فتاة كانت متزوجة وبعد وفاتها أعلنوا براءتها".

 

" آخر فترة  حكم التنظيم كانت فتاة 22 سنة من منطقتنا تعاني من مرض السرطان، منعوا الفتاة من السفر إلى دمشق بحجة أنها منطقة من مناطق الكفر، ولم تتلقَّ العلاج، وتوفيت".

استخدمت حسبة النساء العضّاضة (وهي أداة حديدية تُلبس باليد، وتشبه الفكّ أو مصيدة الفئران)  للفتاة التي تخالف، أذكر حادثة امرأة كانت تنشر ملابس على السطح، ويوجد ضمنها ملابس نسائية، اعتقلوها واستخدموا معها العضاضة.

 

طُبِّقت حدود على الناس، وتمّ التشديد على الحرّيات الشخصية واللباس، وتشديد على الإنترنت وصالات الإنترنت النسائية، كانت حسبة النساء تدخل وتأخذ هواتفهنّ وتفتّشها، عدا الأمنيين الذين يدخلون صالات الشباب، وكان ممنوع استخدام أي برنامج عدا الواتس أب، وآخر فترة حصرياً يجب أن تستخدم من موبايل لهم، وممنوع أن تستخدم الإنترنت من أي موبايل آخر.

وفي آخر لحظات وجود التنظيم بسبب القصف، كنا نشعر أنها نهاية العالم، لأن داعش كان يقصف وروسيا تقصف والضحايا المدنيّون.

 

في دمشق وريفها لجأت قوات النظام  إلى حصار مناطق سيطرة المعارضة المسلحة، بشكل خاصّ الغوطة الشرقية، لاخراج مقاتلي المعارضة مع عائلاتهم من المناطق السكنية. وقال سكان وأطقم طبّية، هناك مَن ماتوا جوعاً نتيجة تشديد الحصار حول مناطق قرب العاصمة دمشق.

 

وفي تقرير نشرته رويترز بعنوان تحليل-التجويع.. تكتيك حربيّ في سوريا، يذكر التقرير حملة أطلقها مسؤول أمنيّ في النظام في ريف دمشق " الجوع حتى الركوع"، ويذكر أحد المشاهد منع الجنود إدخال رغيف خبز إلى الضواحي الشرقية للعاصمة دمشق، ويظهر استخدام الحصار كسلاح في الحرب التي بدأت باحتجاجات تطالب بالديمقراطية في صيف عام 2011 ، وأخذت تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى أزمة إنسانية خطيرة.

 

وقد أشارت هيومن رايتس ووتش في أحد تقاريرها إلى أنه على جميع أطراف النزاع تسهيل حقّ المدنيين في الفرار من الصراع النشط والاضطهاد المتوقّع، والسماح بوصول المساعدة إليهم، وعلى الأطراف اتّخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنّب وقوع إصابات بين المدنيين في القتال، بما في ذلك الامتناع في أي حال عن استخدام الذخائر ذات الطبيعة العشوائية أو التي تؤدّي إلى إلحاق ضرر غير متناسب بالمدنيين، كالبراميل المتفجرة، على كل من قوات سورية الديمقراطية والتحالف السوري الروسي التأكّد من عدم اضطهاد سكان المناطق التي كانت تسيطر عليها عناصر التنظيم سابقاً على أساس انتماء مزعوم للتنظيم، عبر الاعتقال التعسّفي المطوّل والمعاملة اللاإنسانية أو الإعدام خارج القضاء.

 



17 تشرين أول 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة