728 x 90

المحاسبة أساسيّة لمكافحة ثقافة الإفلات من العقاب

1492587325.jpg

 

 

د. نائل جرجس

 

 

تعدّ ثقافة الإفلات من العقاب، التي تنتشر بخاصّةٍ في الدول التسلطية، من أهمّ الأسباب المؤدّية إلى تردّي أوضاع حقوق الإنسان وانتشار الانتهاكات الممنهجة والجسيمة التي ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، فضلاً عن الشعور بالظلم لغياب العدالة، وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى احتجاجاتٍ شعبيةٍ كما حدث في الحالة السورية. سنسلّط الضوء في هذه المقالة على قضية الإفلات من العقاب في سوريا، سواء أكان في التشريعات السورية الحالية أو في الواقع العمليّ، مع الإشارة في الختام إلى ضرورة إيلاء هذه القضية أهميةً قصوى، ولا سيّما في إطار الحلّ السياسيّ المزمع للأزمة السورية.

 

يبدو لأيّ مراقبٍ للأحداث التي شهدتها الساحة السورية خلال الأعوام الخمسة المنصرمة أنّ أحد أهمّ أسباب تفجّر الأوضاع في سوريا وتدهورها هو تكريس ثقافة الإفلات من العقاب. فلم يُحاسَب أيٌّ من المسؤولين عن سفك الدم السوريّ في بداية الاحتجاجات في مدينة درعا، ولا سيّما عاطف نجيب، ابن خالة الرئيس السوريّ، على الرغم من تحميله المسؤولية شخصياً عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في تلك الفترة. كما تستمرّ كافة أطراف النزاع في سوريا في ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في ظلّ غياب أيّ ملاحقاتٍ قانونيةٍ في حقّ المسؤولين، سواء أكان على الصعيد الوطنيّ أو الدوليّ، وهو ما يحفزهم على الاستمرار في ذلك دون أيّ رادعٍ قانونيٍّ أو حتى أخلاقيّ.

 

تعود ثقافة الإفلات من العقاب في سوريا إلى عقودٍ طويلةٍ اعتُمدت خلالها تشريعاتٌ تُعطي حصانةً لرجال الأمن ضدّ الملاحقة القضائية، أو حتى نقص التشريعات اللازمة لملاحقة المجرمين ومحاكمتهم. فيضمن المرسوم التشريعيّ رقم /14/ تاريخ 15/1/1969 الحصانة لأتباع أجهزة المخابرات على الجرائم المرتكبة أثناء تأديتهم الخدمة. فقد نصّ هذا المرسوم، الذي تضمّن إحداث إدارة المخابرات العامة، في مادته /16/، على أن: (يشكَّل في إدارة المخابرات العامة مجلسٌ لتأديب العاملين فيها أو المنتدبين أو المعارين إليها. ولا يجوز ملاحقة أيٍّ من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات المحدّدة الموكلة إليهم أو في معرض قيامهم بها إلا بموجب أمر ملاحقةٍ يصدر عن مدير الإدارة). كما عزّزت المادة الرابعة من المرسوم رقم /5409/ لعام 1969 من حصانة المنتمين إلى إدارة المخابرات، فقد جاء فيها: (لا يجوز ملاحقة أيٍّ من العاملين في إدارة المخابرات العامة أو المنتدبين أو المعارين إليها أو المتعاقدين معها مباشرةً أمام القضاء في الجرائم الناشئة عن الوظيفة أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة واستصدار أمر ملاحقةٍ من قبل المدير. ويبقى استصدار أمر الملاحقة واجباً حتى بعد انتهاء خدمته في الإدارة). ويتبيّن بشكلٍ واضحٍ أنّ هذه المواد تكرّس حماية العاملين في إدارة المخابرات العامة من أيّ مساءلةٍ قضائيةٍ عن الجرائم التي قد يرتكبونها، ما يفتح الباب واسعاً أمام انتهاكاتٍ جسيمةٍ لحقوق الإنسان ومخارج مفتوحةٍ للإفلات من العقاب بموجب تشريعاتٍ تضفي الحصانة على كلّ ما قد يعزى إليهم من جرائم.

 

واستمرّ استصدار المراسيم المكرِّسة لحصانة الأجهزة الأمنية بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000. وتمثّل أبرزها في المرسوم رقم /64/ لعام 2008 الذي حظّر صراحةً ملاحقة مرتكبي الجرائم من عناصر الأمن دون موافقة رؤسائهم. أما المرسوم رقم /55/ الصادر في 21 نيسان/أبريل 2011، أي مباشرةً بعد قرار رفع حالة الطوارئ، فقد أتاح لأجهزة الأمن إمكانية التحفظ على الظنيين لمدّةٍ تصل إلى الستين يوماً، لا تعترف خلالها بوجود المعتقلين لديها. وبالتالي يكون الموقوفون خلال هذه المدّة في معزلٍ عن العالم الخارجيّ، وضحيةً لأشدّ أنواع الانتهاكات بما فيها الاختفاء القسريّ والاعتقال التعسفيّ والتعذيب الجسديّ والنفسيّ. ولا تتاح لذوي الضحايا، أو للضحايا أنفسهم في حال خروجهم أحياء من أقبية الأجهزة الأمنية، إمكانية متابعة الجناة من عناصر الأمن، ليس فقط في ظلّ ترسانة التشريعات المكرِّسة للحصانة لهم، إنما أيضاً لأسبابٍ أخرى أبرزها غياب هيئاتٍ قضائيةٍ مستقلةٍ وحيادية، وآلياتٍ فعّالةٍ كفيلةٍ بتحقيق هكذا ملاحقات، فضلاً عن الخشية من الإجراءات الانتقامية التي يمكن أن يتعرّض لها مقدّمو الشكاوى. وفي هذا الإطار تبرز الأهمية القصوى لإجراء التعديلات القانونية اللازمة، في إطار أيّ حلولٍ سياسية، بما يسهم في التمكين من تحريك الدعاوى في حقّ المسؤولين عن الانتهاكات، للحدّ من ارتكاب الجرائم، وملاحقة الفاعلين، وبالتالي مكافحة ثقافة الإفلات من العقاب.

 

بالتأكيد إنّ للعفو دوراً أساسياً لتحقيق مصالحةٍ وطنيةٍ سوريةٍ قادرةٍ على نقل البلاد من حالة الحرب إلى السلم الأهليّ والمدنيّ ووقف إراقة الدماء، إلا أنه ينبغي أن تُدرس الآثار السياسية والاجتماعية لأيّ قانونٍ قبل اعتماده، وكذلك اعتباره جزءاً أساسياً من مشروع العدالة الانتقالية الذي يجب أن يتضمّن تعويض الضحايا من الناحيتين المادية والمعنوية، والكشف عن الحقيقة، وضمان حدٍّ أدنى من محاسبة المتورّطين في الجرائم على مستوىً واسعٍ وممنهج.

 

 



01 أيار 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة