728 x 90

المجتمع المدني السوري والعملية السياسية

2069287606.jpg

 

*بسام سفر

 

تنوع نشاط المجتمع المدني السوري يعطيك  صورة إيجابية وخلاقة عن دور هذا المجتمع وقدرته على توجيه النقد لنشاط المعارضة السورية، وكذلك النظام كلا منهما في مناطق تواجده بطرق إيجابية حيث يعمل المجتمع المدني على الرد على الحجة بالحجة، ويسعى الى حوار واضح للوصول إلى حلول إنسانية واضحة تفيد المجتمع السوري ككل بدون مواربة تقوم على وضع السلبيات في مواجهة كل طرف لذاته من أجل التقدم على طريق الحل السياسي الذي يمهد لإعادة الأوضاع الميدانية على سكة الحل في كافة المستويات.

 

وإذا كان نشاط المجتمع المدني ونشطائه يعود إلى بداية الألفية الثالثة من خلال منتديات ما أطلق عليه "ربيع دمشق" مثل منتدى الحوار الوطني، الذي يقام في بيت رياض سيف، ومنتدى" الأتاسي للحوار الديمقراطي"، ومنتدى "جلات  بدرخان الثقافي" في مدينة القامشلي شرق البلاد، ومنتدى المحامي المعتقل خليل معتوق في صحنايا جنوب دمشق، ومنتدى "اليسار الوطني" في بيت منيف ملحم المعتقل السياسي السابق في جرمانا.

 

 

فإن هذا النشاط لم يتوقف إثناء الثورة السورية، حيث امتد هذا النشاط لتعريف المواطن بأن يقتنع بعملية السلام، والتضحية من أجلها أكد من الاستمرار ففي خوض الحرب وما تنتجه من خسائر ،والمساهمة الكبيرة والفاعلة في الوقوف إلى جانب عملية السلام من بوابة العملية السياسية لتحقيق الانتقال السياسي بشكل يحفظ مصالح المجتمع والناس فيه.

 

إن الإدراك النظري لأهمية وقوف كل من هو محسوب على المجتمع المدني إلى جانب وقف الحرب من بوابة الهدنة أو الهدف العسكري في أكثر من منطقة في الديار السورية.

 

بالإضافة إلى الوقوف إلى جانب عملية السلام الطويلة من خلال التعامل مع المبادرات السياسية التي بدأت من مقاربات الأخضر الإبراهيمي إلى مبادرة دي مستورا .

 

فالاتفاق النظري على ضرورة المساهمة جزء يسير في عملية إيجاد آليات لهذه المساهمة في العملية السياسية، وإيجاد الآليات لا يتوقف على المجتمع المدني وإنما يتعداه إلى إقناع الأمم المتحدة ومفوضها دي مستورا والدول الراعية وفريقي التفاوض "المعارضة والنظام" بأهمية مشاركة المجتمع المدني في العملية السياسية.

 

حيث يؤكد الدكتور عزمي بشارة في كتابه المجتمع المدني دراسة نقدية الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في العام 2012 ،الطبقة السادسة إن "المجتمع المدني من دون سياسة وخارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية هو عملية إجهاض لمعاني المجتمع المدني التاريخية وطاقته النقدية، فضلاً عن نزع قدرته التفسيرية على فهم البنى الاجتماعية والسياسية".

 

ويوضح بشارة أن "المجتمع المدني كمجتمع تعاقدي بين إفراد ، ظهر في الساحات بأجلى صورة في توتر ليس مع الدولة التي تعتمد القسر فحسب، بل مع تلك الدولة التي تخلت عن وظيفتها كدولة أيضاً، بعد ما حولت الخير العام إلى خير خاص عبر نشوء مفهوم الأسر الحاكمة وعبر تحويل المجال العام إلى مزرعتها الخاصة.

 

لقد تجلى المجتمع المدني في صراع الجموع مع الدولة على عودتها إلى الحيز العام، وظهرت براعم المواطنة تتفتح في الفعل السياسي، ولكنها في العمق تطالب بدولة تتعرف كدولة، وليس كملك خاص .

 

لم تكن الثورات مناهضة للدولة، بل شهدنا رد فعل شبه فطري يرحب بدور الدولة كحامية للثورة حين تميز هذه الدولة نفسها عن النظام بصورة الجيش الوطني.

 

ومن يفهم نظرية المجتمع المدني يدرك أن المجتمع من دون دولة ليس مجتمعاً مدنياً، بل قد ينهار إلى جماعات، وتجربة العراق بعد عام 2003 مباشرة ما زالت ماثلة في الأذهان".(ص11).

 

وأشار الدكتور بشارة إلى أن أهمية: "فهم المجتمع المدني كصيرورة دمقرطة، وليس كمجرد إسقاط نظام، فإسقاط النظام ربما لا تقود إلى الديمقراطية، ولاسيما إذا لم يتوفر لدى قوى الثورة برنامج انتقال إلى الديمقراطية، وإذا ما اكتفت بدور هو ترداد ما يردده الشارع من دونها أصلا".(ص12).

 

 

من كل ما تقدم نجد الإمكانيات مفتوحة لدور كبير يلعبه المجتمع المدني في العملية السياسية التفاوضية التي انجز منها ثلاث جولات لما يعرف بجنيف (3) ،لكن هل استطاع المجتمع المدني المتواجد منذ الجولة الأولى إنجاز حضور لائق بكل معنى الكلمة "للإجابة على هذا السؤال نحاول رصد ذلك من خلال أكثر من وثيقة صدرت عن شخصيات ومنظمات ومرجعيات في المجتمع المدني السوري ،فالوثيقة الأولى رسالة موجهة من ممثلي "الائتلاف المدني السوري ،ومنظمات المجتمع المدني"إلى المبعوث الخاص لسوريا السيد دي مستورا بتاريخ (522012)، تشكر فيه الرسالة المبعوث الخاص على الدعوة للمساهمة في صياغة دستور جديد لسوريا ،وشرحت الرسالة مستوى النقاشات والخيارات الدستورية للفترة الانتقالية ،واتفق مندوب المجتمع المدني على إيجاد خمسة لجان :

 

1-اللجنة الدستورية: تشمل هذه اللجنة خبراء ومنظمات لديها مشاريع حول القضايا الدستورية .

 

2-لجنة المتابعة: يجب أن يكون لهذه اللجنة الحق لمراقبة المحادثات وتقديم تقرير عن ذلك وفق القاعدة المتفق عليها السرية.

 

3- لجنة الخبر(البشري): تقترح الرسالة أن تشكل هذه اللجنة من منظمات المجتمع المدني التي عملت على حقوق الإنسان، العدالة الانتقالية، توثيق الانتهاكات.

 

4 –اللجنة الإنسانية: التي يجب أن تتشكل من المنظمات الإنسانية الطبية.

 

5 –لجنة بناء السلام: هذه اللجنة تتشكل من المنظمات والمنصات التي تعمل على المستوى المحلي لبناء السلام في سوريا.

 

أما اللقاء الذي جرى بين ممثلي شبكات ومنظمات المجتمع المدني السوري حيث بلغ عددهم (18) ممثلاً لأكثر من قسم الشبكات والمنظمات المدنية الإغاثية الطبية، والتوثيق والإعلام والمواطنة وبناء الدستور والعدالة الانتقالية والمناصرة، والعديد من المنظمات الكردية وآخر لمنظمة آشورية في نهاية الشهر الأول من العام الجاري مع المبعوث الدولي الخاص بسوريا في مبنى الأمم المتحدة في جنيف السيد دي مستورا ورافقه معاونه السفير رمزي ومديرة مكتب دمشق السيدة خولة مطر.

 

وعرض دي مستورا ورمزي صعوبات التي تواجه عملية التفاوض السياسي والمتمثلة بتعنت الطرفين ،الأمر الذي اضطره للإعلان عن توقيف المفاوضات حتى تاريخ 25 شباط كما عرضا قيامهم بتشكيل مجلس استشاري نسوي مكون من (12) سيدة ،يعملون مع مكتب المبعوث الخاص في دفع العملية التفاوضية ،وتقديم المشورة دون أن يكونوا طرفاً في بأي شكل من الأشكال.

 

ثم تحدثا أن أهمية حضور ممثلين عن المجتمع المدني السوري ،وأبديا حرصهم على سماع صوت أكبر عدد ممكن من ممثلي منظمات المجتمع المدني السوري في القترة القادمة (كل في مجال اختصاصه).

كما عرضا الصعوبات التي تواجههم وتصوراتهم لدور المجتمع المدني الآن وفي المستقبل.

 

وركز ممثلي المجتمع المدني في عرضهم إثناء اللقاء على النقاط التالية :

 

1-ضرورة استقرار العملية السياسية التفاوضية.

 

2-ضرورة العمل على إخراج المدنيين من كونهم أداة التفاوض وأهم هذه القضايا التي تخصهم (حصار مدن –تجويع- استهداف المشافي..إلخ).

 

3 – موضوع المعتقلين والمحتجزين والمخطوفين.

 

 4- تقديم تصور عن المرحلة التي تعقب التفاوض (هيئة انتقالية- حكومة وحدة وطنية..إلخ).

 

5- التعددية السياسية وشكل الدولة والأقليات (الكرد – السريان – التركمان ..إلخ).

 

6- الدستور القادم (دستور 1950) – (دستور 2012 – إعلان دستوري..إلخ).

 

وتوافق ممثلو المجتمع المدني  أن يتوسع دور المجتمع المدني بدفع المفاوضات قادماً إلى الأمام، وضمان استمرارية الحلول التي يمكن أن تصل إليها المفاوضات.

 

ويمكن أن يلحظ المتابع كيفية تطور أداء ممثلي المجتمع المدني من جلسة التفاوض الأولى إلى الثانية، والثالثة التي انتهت في نهاية الشهر الرابع من العام الجاري حيث تم إنشاء غرفة المجتمع المدني التي قدمت تقريرها على هامش محادثات السلام بين الأطراف السورية في مقر الأمم المتحدة في جنيف.

 

فإذا كان ممثلو المجتمع المدني في الجولة الأولى من المفاوضات قد اكتفوا بالرسالة الموجهة إلى المبعوث الخاص لسوريا السيد دي مستورا، وفي الجولة الثانية تطور الأداء إلى لقاء المبعوث الخاص وفريق عمله في مقر الأمم المتحدة في جنيف، أما في الجولة الثالثة، فلم يتوقف الأمر عند لقاء المبعوث الخاص وفريق عمله بل تتطور أداء ممثلي المجتمع المدني من حيث الشكل والمضمون، فقد ارتفع عدد المشاركين من(18) في الجولة الثانية إلى (26) في الجولة الثالثة، وتوسع حضور ممثلي مختلف الشبكات المدنية وعدد من المنظمات وبعض المستقلين، وجاءت نسبة تمثيل النساء(42%) مقابل (58%) للذكور، ورصد التقرير نسبة التجديد واكتساب الخبرة من خلال المشاركين القدامى (42%)، والمشاركين لأول مرة (58%).

 

 وأضاف التقرير أن ما ميز جولة  شهر نيسان هو مشاركة منظمات  قادمة من دمشق والساحل السوري، وتقسيم المشاركين إلى ثلاث مجموعات عمل، الأولى: في حقل العمل الإنساني وتضم الإغاثة والصحة والتعليم، أصدرت "ورقة الفريق الإنساني"، الثانية: في حقل حقوق الإنسان والدستور والعدالة الانتقالية، وأصدرت"ورقة المجموعة الحقوقية"، الثالثة: في حقل الاستقرار والتنمية، وأصدرت ورقة"توصيات أولية لمجموعة الاستقرار والتنمية"، ومن بين المواضيع التي ظهرت موضوع بناء السلام والمساواة (المساواة القائمة على النوع الاجتماعي –الجندر) وكان حاضراً في أعمال اللجان الثلاث.

 

إن مشاركة المجتمع المدني القائمة ما زالت في إطار التجريب والبحث عن دور فاعل، وهذا ما يبقي الأمر مفتوحاً على احتمالات تطورها في جولات المفاوضات القادمة، وأنه من خلال الفعل الميداني القائم في جولتي التفاوض والتي لم تتجاوز حدود إعلان المواقف والتساؤلات بين الهيئة العليا للمفاوضات كممثل للمعارضة السورية، وبين وفد المفاوضات الحكومية، وهذه الإعلانات المتبادلة على المستوى السياسي الرسمي، قد يدفع ممثلي المجتمع المدني إلى تطوير مبادرات خلاقة للضغط على كلا الطرفين لجعل العملية التفاوضية ممراً سياسياً لتحقيق العملية السياسية.

 

ويظهر ضعف الأداء للمجتمع المدني السوري كما أشار الصحفي بدر الدين عروركي في مقال في جريدة القدس العربي بتاريخ 19/5/2016، بعنوان "منذ الآن.. العدالة الانتقالية" إلى" تراجع الهيئات الدولية التي كانت تدعم منظمات المجتمع المدني التي كانت قد بدأت العمل في هذا المجال عن الاهتمام بهذا الجانب قد لعب دوراً حاسماً في هذا التراجع، سوى إقرار استعادة العمل ينطوي على طابع سياسي بامتياز، ولعل هيئات المعارضة على اختلاف مؤسساتها تتخذ قرار وضع هذه الاستعادة ضمن أولوياتها أيا كانت الزمنية التي تستشرفها من أجل الوصول إلى نهاية النفق".

 

 

هذا الأمر في جانب من جوانب عمل المجتمع المدني؛ أما بقية الجوانب تحتاج إلى مساعدة ومساندة فعلية للقيام بالضغط ألمبادراتي اللازم. ويمكننا القول إلى الآن لا تتوفر الإرادة الدولية اللازمة لانجاز فعل الضغط.

 

أخيراً، إن مهمة المجتمع المدني خلال هذه المرحلة أكثر صعوبة من مهمة السياسي لأن مهمته لا تنحصر في العمل لخلق فرص تحقيق السلام، أو إبعاد الناس عن مكان الصراع المسلح، وإنما تتعداه إلى إيجاد بيئة للسلام عبر خلق بدائل للحرب، وتعزيز الثقة بين الناس، وإشهار أن مصالح الناس تتحقق في ظل السلام وليس الحرب، وأن الحروب لا تزيل الديكتاتوريات، وإنما تزيد من فرصة استمرارها في السلطة. فالمجتمع المدني والعاملين فيه ناس يرغبون في تحقيق السلام والبناء من أجل تأسيس مجتمع ينحو باتجاه القيم الأخلاقية.

 

 

 

 

 



21 حزيران 2016

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة