728 x 90

المأساة السوريّة وأسئلة ما بعد "الانتصار" على داعش

2775731654.jpg

دخلت الأزمة السوريّة، مع "تحرير" الرقة وتقدّم مسيرة المعارك في دير الزور، مرحلة جديدة. فتنظيم الدولة الإرهابي أصبح على وشك خسارة كل الأراضي التي سيطر عليها ضمن الحدود السوريّة. ما يجعل الحرب السوريّة عملياً في مرحلة "ما بعد داعش"، وهي المرحلة التي كانت جميع القوى الدولية فيها قادرة على الاتّفاق، شكلياً على الأقل، على تجميع قواها وتنظيم ضرباتها ضد العدوّ المشترك، أي الإرهاب الداعشي.

 

إلا أن تحطيم داعش لا يعني على الإطلاق أن سوريا قد اقتربت من تحقيق الحل السياسي السلميّ الذي يتوقُ له السوريون منذ سنوات. ولا يعني كذلك بالتأكيد أن الوضع في البلاد بات ورديّاً. فالمشاكل التي يطرحها التخلّص من تنظيم الدولة لا تقلّ صعوبة وحِدَّة عن المشاكل التي سبّبها وجوده.

 

على الصعيد الإنساني كانت ضريبة "الحرب على الإرهاب" فادحة، عانى المدنيّون من جرّائها ويلات الموت والخراب والتشرّد واللجوء، ما يكشف استهتار "التحالف الدولي" ضد داعش بحياة المدنيّين السوريين في سبيل تحقيق غاياته. الدمار الذي عرفته مدينتا الرقة ودير الزور سيترك ندوباً لا تُنسى في ذاكرة مَن عاصروا المأساة والأجيال القادمة.

 

كما أن تصرّفات القوى "المنتصرة" في الأراضي المُستعادة من داعش، خاصة ممارسات "قوات سوريا الديموقراطية" في مدينة الرقة، حيث قام بعض المقاتلين برفع الأعلام والرموز الكردية، قد يوقع المنطقة بتوتّر إثنيّ عنيف، سيكون له عواقب وخيمة على المدى المتوسط والبعيد.

 

تُسقِط القوى العظمى والإقليمية من حسبانها أن الحرب على الفكر المتطرّف ليست حرباً عسكرية فقط، بل هي حرب ثقافية وفكرية واجتماعية بالدرجة الأولى. لدينا اليوم جيل كامل تربّى في المدارس الداعشية، وتمّ غسل دماغه بالأفكار الظلامية. التصدّي لهذا الواقع يحتاج لمشروع إعادة إعمار متكامل على كل الصُّعُد: العمرانية والتعليمية والثقافية. وتمكين المجتمع من لملمة جراحه والنهوض من جديد، وتوفير سبل الحياة الكريمة له. وذلك لن يكون إلا تحت ظل مشروع دولي متكامل شبيه بمشروع "مارشال" الذي أعاد بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ما وقاها من التطرّف والتخلّف والانهيار. للأسف لا توجد حتى الآن نيّة دولية لإعداد مشروع مماثل لسوريا، رغم الأهمّية الملحّة لذلك وتأثير الوضع السوري على العالم بأسره.

 

أخيراً، وعلى مستوى التداعيات السياسية المباشرة، فإن غياب الهدف التي تتّحد القوى الدولية والإقليمية على مواجهته قد يؤدّي إلى مرحلة جديدة أكثر قسوة من الحرب،  تشهد فيها الساحة السورية "حرب الجميع ضدّ الجميع"، مالم تتوفّر إرادة دولية واضحة يإنهاء المأساة السوريّة وإيقاف الحرب العبثية.

 

"الانتصار على داعش" يطرح الكثير من الأسئلة والتحدّيات، ويُنذر بكوارث عديدة، فهل سيكون العالم على مستوى المسؤولية؟ سؤال ستبيّن الأيام القادمة  أجوبته الصعبة. 



12 تشرين ثاني 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة