728 x 90

القمح السوريّ استمرار الاستيراد... ومخاوف من رفع الدعم عن الخبز

2378521311.jpg

 

 

في العام الثامن من الصراع السوريّ، يعود للواجهة الحديث المتكرّر عن أزمة القمح ومخاطر الأمن الغذائيّ وضرورة إيجاد حلول إسعافيه لتأمين احتياجات السوريّين، رغم التوقّعات بتحسّن نسبيّ للإنتاج هذا العام، بسبب الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال الشتاء، وعودة الهدوء الأمنيّ النسبيّ لبعض المناطق.

 

وفي سياق ذلك أعلنت مؤسّسة تجارة وتصنيع وتسويق الحبوب التابعة لحكومة النظام خلال شهر آذار الفائت عن شراء مئتي ألف طن من قمح البحر الأسود، عن طريق مناقصة عالمية تمّ طرحها، لم يتقدّم لها سوى بضع شركات. وتأتي الصفقة كخطوة تالية لصفقة تمّ عقدها في شهر شباط الماضي لشراء نفس الكمّيّة.

 

يقول محمد السموني وهو مهندس زراعي لمجلّة صُوَر "أعلنت الحكومة عن خطّة لاستيراد 600 ألف طن من القمح على ثلاث مراحل، وفي آذار تمّت المناقصة الثالثة".

 

ويتابع السموني "حسب الأرقام الحكومية فإننا بحاجة سنوياً لحوالي لـ 2.5 مليون طن من القمح، تؤمَّن من الإنتاج المحلّي، ويُستورَد الباقي، في العام الماضي استوردنا نحو 1.5 مليون طن ".

 

يضيف "بلغ الإنتاج المحلّي في سوريا قبل 2011 حوالي 4.2 مليون طن، وكنّا نصدّر منها 1.7 مليون طن، ما جعلنا ضمن قائمة الدول المتمتّعة بالأمن الغذائي، أمّا اليوم في ظلّ ما نعيشه فإننا تراجعنا كثيراً، مع تراجع المساحات المزروعة ووجود ملايين من السوريين النازحين، الذين تخطّى الكثير منهم حدود الفقر".

 

تحذيرات دوليّة

 

في أحدث تقاريرها أعلنت منظّمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو" في تشرين الثاني من عام 2018، أن أحوال الطقس المتطرّفة تسبّبت بانخفاض الإنتاج المحلّي للحبوب.

 

وحسب التقرير الذي نشرته "الفاو" بالتعاون مع برنامج الأغذية العالميّ، فقد انخفض إنتاج القمح عام 2018 إلى أدنى مستوياته منذ 29 عاماً عند 1.2 مليون طن، أي حوالي ثلثي مستوياته في 2017. وبرّرت ذلك إلى امتداد فترة الطقس الجاف في وقت مبكر من موسم الزراعة، تلاها هطول غزير غير موسميّ للأمطار.

 

المزارعون

 

رغم التحسّن النسبيّ للأوضاع الأمنيّة في بعض المناطق كأجزاء من محافظة الرقة ودير الزور وأرياف دمشق وحمص، وبدء عودة الناس إليها، لم تتمكّن عجلة الزراعة من الدوران مجدّداً.

 

وتستمرّ معاناة مزارعي الحبوب والقمح، يقول أبو عبد الله من سكان ريف الرقة "بعد تحرير المنطقة من داعش عدت لقريتي لأجد أن بيتي شبه مدمّر، بدأنا بترميمه بما نملك من أموال، أمّا أرضي التي كانت مصدر رزقنا، فأصبحت جافّة قاحلة، حذّرنا المجلس المحلّي من الألغام التي زرعتها داعش، لذلك يتوجّب عليّ استئجار خبير لكشف الألغام أو انتظار المختصّين المتعاونين مع المجلس المحلّي لمسح الأرض والتأكّد من خلّوها من الألغام والمتفجّرات".

 

ويتابع "يعاني زملائي المزارعون من غلاء الأسمدة والمبيدات الحشَريّة، والتي غالباً ما تكون مستوردة، بعد توقّف الإنتاج المحلّي، أسعار الأسمدة باهظة، وتضاعف سعرها بما يزيد عن عشرة أضعاف خلال خمس سنوات، إضافة لغياب الأنواع الجيدة التي كنّا نستخدمها كالفرنسية والأمريكية، واقتصار الصيدليات الزراعية على بيع الموادّ ذات المنشأ الهندي والإيراني والأوكراني، ممّا يعرّض محاصيلنا للمخاطر بسبب عدم الوثوقيّة من نوعيّة الأسمدة والمبيدات".

 

 

ويضيف "تقطّع أوصال سوريا بين عدد من مناطق النفوذ، يزيد من أعباء تسويق المحاصيل، فنقلها مثلاً من مناطق سيطرة قسد والمعارضة إلى مناطق النظام، تكلّفنا مبالغ كبيرة، يتوجّب علينا تحمّلها إضافة لدفع إتاوات للحواجز المنتشرة في كل مكان، ونتيجة لهذه الظروف نضطرّ لبيع المنتجات للسلطات المحلّية بالسعر الذي تحدّده، ففي مناطق النظام يجب بيعها للجمعيّات الفلاحية التي تدفع أبخس الأسعار، وفي مناطق سيطرة المعارضة علينا بيعها للمجالس المحلّية والمنظّمات التي تدفع سعراً أفضل من غيره في المناطق الأخرى، بسبب اعتمادها على المساعدات الدولية، أمّا في مناطق قسد فيُجبَر المزارع على تقديم كمّيات محدّدة من إنتاجه كضريبة للسلطات المحلّية كل حسب المساحة المزروعة".

 

مزارع آخر في ريف حمص يقول لمجلّة صُوَر "كثير من المزارعين يعتمدون على الزراعات المرويّة إلى جانب البعليّة، لكن أزمة المحروقات الحالية، وارتفاع أسعارها، ستجعل زراعتنا خاسرة في حال استمرارها، أفكّر مستقبلاً ببيع أرضي أو تسليمها لمتعهّد لبناء مساكن عليها، وسأترك قطعة أرض صغيرة لزراعة الخضروات اللازمة لاستهلاكنا المنزليّ، وسأهجر زراعة القمح والشعير التي احترفتها منذ زمن بعيد، وكانت مصدر رزقي، ربّيت فيها ثمانية أولاد".

 

جهود لعودة إنتاج البذار

 

اضطرّ عدد من مراكز الأبحاث الدولية التي طالما عُرفت بإنتاج أنواع من البذور تصدّر للكثير من دول العالم. فعلى سبيل المثال في عام 2012، أغلق المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافّة المعروف اختصاراً بـ "إيكاردا" في ريف حلب أبوابه، وقام الخبراء الأجانب المتواجدون فيه بنقل المخابر والبيانات والكثير من البذور المنتجة لدول أخرى أبرزها المغرب، كما استُحدث بنك بذار جديد في لبنان ليكون بديلاً عن البنك الموجود في حلب.

 

وبعد تمكّن المعارضة من السيطرة على المنطقة بشكل كامل، والاستقرار الأمنيّ النسبيّ فيها، أطلق مجموعة من المهندسين والخبراء الزراعيين منذ عدّة أشهر تجمّعاً يسمّى "تجمّع التنسيق الزراعي في منطقة إيكاردا"، بهدف إعادة تفعيل المركز، والبدء من جديد باستنبات واستنباط بذور جديدة مناسبة لمناخ وتربة المناطق خارج سيطرة النظام، إضافة للبحث عن جهات دولية لدعم جهودهم العلمية والزراعية.

 

ويتعاون التجمّع مع المؤسّسة العامّة لإكثار البذار التي تأسّست قبل عدّة سنوات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والتي كانت تتبع للحكومة السورية المؤقّتة سابقاً، وتتعاون مع وحدة تنسيق الدعم لدعم الزراعة وتطويرها. 

 

أمّا المركز العربي للدراسات الجافّة والقاحلة التابع لجامعة الدول العربية ومقرّه ريف دمشق، فقد تأثّر كثيراً بما حصل في سوريا، واضطرّ عدد كبير من كوادره لتركه والانتقال خارج سوريا، كما تعرّضت غالبية المراكز والبالغ عددها عشرة في مختلف أنحاء البلاد، للقصف والاستهداف المباشر، إضافة لنهب عدد منها، كما تراجع عدد البحوث التي ينفّذها، وانخفضت أعداد الدورات التدريبية التي كانت تقدّم للفنيّين والسوريّين.

 

مخاوف من انقطاع دعم قوت السوريّين

 

تكرّر وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة لحكومة النظام، التصريح بوجود دراسات وخطط لرفع الدعم عن مادّة الخبز، القوت الأساسي للسوريّين، ليصل سعرها رسمياً إلى حوالي 200-250 ليرة، مقابل توزيع مبلغ 1500 ليرة كدعم لكل فرد من أفراد الأسرة.

 

هذه المخاوف تزايدت الأسابيع الماضية، بسبب أزمة الوقود الحالية وصدور ما يُعرَف بـ "البطاقة الذكية"، والتي تخصّص الوقود بكمّيات محدّدة شهرياً لمالك السيارة الخاصة أو سيارة الأجرة بسعر مدعوم، وأي استهلاك يزيد عنها يرغب المواطن بشرائها، سوف يتمّ بيعها له عن طريق القطاع الخاصّ.

 

تقول السيدة أمّ عمر (سيدة خمسينيّة من حيّ المزة الدمشقي) لمجلّة صُوَر "رفع الدعم عن الخبز سوف يحوّلنا لجياع، بعد ارتفاع أسعار اللحوم والأجبان والخضار والفواكه، سيأتينا الخبز، كارثة كبيرة لنا، وكأن الحكومة تقول لنا، اتركوا سوريا وسافروا نحو المجهول".

 

وتتابع "لا أعرف ماذا تبقى لنا هنا، الفساد منتشر في كل مكان، وجنون في الأسعار، كل شيء يزداد سعره إلا المواطن السوريّ ينقص سعره وقيمته، ورواتبنا على حالها منذ عدّة سنوات، ماذا يجب علينا أن نفعل؟ هل المطلوب منّا أن نسرق؟ أم علينا إجبار أولادنا على ترك مدارسهم والتطوّع مع الميليشيات وجيش الدفاع الوطني، ويذهبون لتعفيش بيوت السوريّين في المدن الأخرى!".

 

أمّا أبو كمال خبّاز من مدينة حمص فيقول لصُوَر "قبل عدّة سنوات كنّا نتقاضى أجرة خَبْز قطعة الفطائر ليرة سورية واحدة، أمّا اليوم فأجرتها عشر ليرات، نضطرّ لشراء المازوت من التجّار، الأمر الذي يدفعنا لزيادة الأسعار، ما نمرّ به دفعَ الكثيرين للاستغناء عن الخبّازين، كما دفع بعضنا لتحويل الأفران لتعمل على الغاز، وأدّى إلى تراجع نوعيّة المنتجات، من ناحية المذاق خصوصاً".



12 حزيران 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة