728 x 90

القرود العليا بين النبيّ والسوبرمان (1)

3226961554.jpg

 

 

1- السيطرة على الجسد كانت المفتاح الذي أفضى إلى تشكيل المجتمع البشري، كان من المستحيل بمكان تطوّر الجماعة دون كبح جسد الفرد.

 

توصيف العلاقة:

 

   -  جسم الفرد

 

-  جسم الطبيعة

 

الآخر بالنسبة للفرد هو جزء من الطبيعة، جزء من العالم. العالم هو كُلّ، آخر، خارج الذات التي تنسج علاقتها مع الأشياء والكائنات دون مفاهيم.. ناظم هذه العلاقة الرئيس هو هاجس الاستمرار عبر تحقيق الحاجات الأوّليّة ( الأصيلة).

 

2- وإن تشكّلت الجماعات في العهد البرّي إلّا أن هذه الجماعات قريبة بمنطق تجمّعها من جماعات الحيوانات الأخرى من حيث دوافع التجمّع ، حيث كانت العلاقة مع هذا الآخر العامّ (الطبيعة)، تدفع الفرد للشعور الغريزيّ بالخوف الإيجابي، من حيث اختلاط الرغبة المستمرّة في الاكتشاف مع الخوف من المجهول .

 

3- حتى ذلك الوقت كانت الأنثى والذكر ذاتين منفصلتين في علاقتهما بالطبيعة والعالم الخارجي، بحيث ينتمي كل منهما بالنسبة للآخر إلى العالم الخارجي، أي أن الأنثى هي جزء من الطبيعة التي يواجهها ويكتشفها الذكر، وكذلك الذكر بالنسبة للأنثى.

 

مع استمرار هذه التجمعات بالنشاط تطوّرت مدارك الإنسان إلى أن وصلت إلى إمكانية ظهور محاكمات أولية عبر الرصد المتكرّر للآخر ونشاطاته الكثيرة، وأدّى تطوّر هذه المحاكمات الأوّلية، إلى ظهور مفاهيم أوّلية, تطوّرت إلى مقدّمات للأسئلة، تطوّر تلك المدارك كان في خدمة المتعة الهائلة التي رافقت تشكّل الأسئلة الأولى للفرد في مواجهة الآخر.

 

4-  هكذا كان نشاط العقل وتطوّر محاكماته ومفاهيمه وبالتالي أسئلته، هي بوابة انفصال الجسد عن فردانيّته، عن حرّيته الذاتية في مواجهة واكتشاف الآخر، لتجري إعادة تقييم وانتظام لمعادلة الذات والآخر، ولتبدأ مأساة الاغتراب الذاتي عن الذات, عبر دمجها في ذات أوسع هي الجماعة، بهذا خسر الجسد الفرد وربحت كتلة الجماعة، ليتشكّل المجتمع قدماً على أنقاض حرّية الجسد، وليصبح انتظام الجسد داخل المفاهيم لخدمة الوجود مع الجماعة, هو بداية لمعركة طويلة الأمد سيكون حكماً من نتائجها نشوء الحضارة, بعد أن تأسّس انفصال الجسد عن ذاته عبر أغلال دخلت في سياق تكوينه النفسي وأصبحت جزءاً لا يتجزّأ من ميراثه النفسي وحتى الفيزيولوجيّ.

 

5-  بعد تمأسُس مفهوم الأسرة ، أصبحت الأسرة ذاتاً, اختصرت جسد الذكر وجسد الأنثى في تكوين اجتماعي، بهذا كانت الأسرة هي مفهوم اختصر الجسد فيزيولوجياً، وأعاد إنتاجه نفسياً وفيزيولوجياً، هكذا خسر الفرد ذكراً وأنثى مرّة أخرى إمكانية العلاقة مع العالم كذات مفردة حرّة.

 

لكن ثمّة فارق في الخسارة بين ذات الذكر وذات الأنثى، يتجلّى هذا الفارق في احتفاظ الأنثى بقدر من الاتّساق مع الطبيعة (الطبيعة كآخر لم تطلّقه الأنثى) في سياق تشكّل المجتمع البشري والحضارة التي أفرزها، بحيث صبغ الذكر البنية الاجتماعية والنفسية للحضارة بسماته كذكر (من النبيّ إلى السوبرمان) فتورّط بذلك في مفهوم السلطة، وسيكون من شأن هذا التورّط أن يحقّق الاغتراب النهائي بين الذكر وجسده من جهة، وبين جسده والعالم من جهة أخرى، في الوقت الذي حافظت فيه الأنثى على بعض صِلاتها العميقة مع الطبيعة، وقد شكّل هذا الفارق بصيص الأمل في نقض بنية البطريرك للكثير من المفكّرين ومنتجي المفاهيم فنياً وفكرياً وأدبياً في العالم, وليصبح هذا الفرق هو بصيص أمل في تجاوز مفاهيم الذكورة والأنوثة نحو الانتماء الإنساني للكون، باتّجاه النظر إلى البعيد نحو أمل يلوح في أفق الخراب الإنساني ..

 

وإذا أردنا الولوج إلى واقع جسد الإنسان المعاصر، فسنكون أمام هرمين هائلين, هما نموذجان أساسيان في التكوين النفسي والفيزيولوجي لجسد الإنسان المعاصر، النموذج الأول هو جسد النبيّ، والنموذج الثاني هو جسد السوبرمان .

 

 

 

جسد النبيّ:  ( أبعاد النبيّ في الوجود)

 

-أ-

 

النبيّ والمكان

 

يوجد النبيّ في مكان واحد هو ذاته، يسكن النبيّ في حدود الحقيقة المطلقة التي تؤول العالم إلى بؤرة وجوده الفيزيولوجي والنفسي والروحي، فيغدو المكان صيغة مكثفة تُستقطب عبرها أشلاء العالم الخارجي إلى داخل النبيّ ليعيد إنتاجها، فيصبح المكان منسوخاً بحرفة فردية شاملة ومتقنة، صورة، يحكم عناصرها دوران لولبيّ في محيط بارد وساكن، كأنه الموت مؤجّلاً، وهو الشكل الأكثر نضوجاً للنبوّة، والذي مآل تماهيه مع العالم الخارجي هو تعميم الموت أو الموت المعمّم.

 

جسد النبيّ هو العالم بصيغة الأب الذي يتضمّن أنثاه إنه أقوى من كل الرجال، وأجمل من جميع الفتيات، إنه الكائن الكلّي الذي تنبعث منه تفاصيل الأمكنة، قمّة غضبه هي قمة نقمته، هي الأورجازم الأعلى لمكانه في مكانه. هي الطوفان الذي يندلع من جسد النبيّ بلذّة بطريركية خالصة، ليمسح كل معالم الأمكنة الأخرى ويغمرها بطوفان مكانه.

 

لم يستطع أبناء نوح وكل أفراد وجماعات سلالاتهم، من الاعتراض على قيمة النبوّة المطلقة التي تغمر وجودهم ومكانهم الذي هو العالم، لأنهم يخافون الصيغة الساحقة لطوفان النبيّ على العالم، وقد أدركوا أن الظل الوحيد للنجاة، هو تمثّل ظلّ النبيّ كمشروع لتحقّقهم الفرديّ والجماعيّ.

 

-ب- 

 الطول والعرض والارتفاع:

 

عبر وجود النبيّ في المكان، تُستدعى الحقيقة التي تضرب جذورها في المطلق، الحقيقة التي تقول ( أنا جسد العالم ).

 

لذلك تتمحور كامل المشاريع الفردية والاجتماعية في المجتمع النبويّ، حول ذلك الشمول السحري الذي حقّقه ذلك الفرد العظيم، فتصبح المشاريع السياسية والفكرية والفنية والأدبية في المجتمع النبويّ، مشاريع يحكمها نزوع وحشيّ لتحطيم العالم وإعادة إنتاجه وفق صيغة النبيّ، صيغة تنظر إلى العالم بعينه، وإن تعدّدت مظاهرها وعناوينها، عين النبيّ هي عين واحدة تحكمها رؤية بصرية قاصرة عن رؤية الألوان، فالعالم محدّد بالأبيض والأسود، والمكان الوحيد الذي تراه تلك العين هو مكان مسطح محدّد بالطول والعرض، ويبدو الارتفاع مخصيّاً، عدا ارتفاعاً واحداً ينتصب على جثّة العالم المسطّحة، هو قضيب النبيّ ( المآذن، قباب الكنائس والكُنس) الذي ينتصب على العالم الممسوح كسجادة الصلاة.

 

-ج-

 

النبيّ والوهم الذهبيّ:

 

يلعب الوهم الدور الأهمّ في ميكانيزم النبيّ وآليّات دفاعه، لمواجهة طغيانه هو أوّلاً ، مواجهة تتضمّن نقيضها، على النبيّ أن يواجه طغيان ذاته بتلك الآليّات ذاتها التي يؤسّس بها طغيان حضوره ( هو السلطة ومعارضته هي سلطته المقلوبة )، وشمول ترتيباته المذهلة للوجود، هنا يظهر الإله كوهم ذهبيّ يقوم النبيّ من خلاله بتأسيس ذاته في الزمان والمكان، لذلك فإن المفارقة الكبرى في صيغة النبيّ، هي أنه الخارج الأوّل و المرتدّ الأوّل عن وهمه الذهبيّ، لأنه يدرك تماماً أن هذا الوهم الذي هو الإله ينبغي أن يظلّ الحارس الأمين لوجوده / النبيّ / هو ، ولا يمكن لهذا الحارس الأمين أن يظلّ أميناً إذا كان متاحاً للإدراك البشريّ.

 

هكذا تختزل الصيغة النبويّة شكل معارضتها عبر صياغتها، فالإيمان والإلحاد هما صيغتان تتعاركان داخل حدود الصيغة النبويّة، وهكذا نستطيع أن نرى كيف أن كل أشكال المعارضة في المجتمعات العربية، كما تمظهرت عبر التاريخ، هي صيغ مقلوبة للسلطة، وأن هذه المعارضات (الفكرية والسياسية) هي من أهمّ عوامل تأبّد السلطة النبويّة ذاتها، إن السلطة من أنتجتها, كما أنتج النبيّ وهمه الخاصّ ليغتصبه فيما بعد. لم يتمّ الهجوم العسكري الوحشي على بني حنيفة في اليمامة وزعيمهم الروحي مسيلمة الحنفيّ، إلّا لأنه حاول اختراق الصيغة النبويّة عبر محاولة إيجاد وهم ذهبيّ آخر سوف يؤهّله، لو نجح في ذلك، ربّما لكسر تلك الصيغة، فطرد من اليوتوبيا مع عشيقته المذهلة والشاعرة الفاتنة سجاح، ليحضر اسميهما المنتهكين كي يكونا مثالاً للكذب الأبدي، لقد فعلها أفلاطون قبلاً بعد موت سقراط وطرد الشعراء من مدينته الفاضلة وحدّد مستويات انتماء البشر وفق لمعان المعادن الميتة.

 

هكذا نجحت الصيغة الموسويّة والصيغة المحمّديّة من تحقيق اختراق وهمها الذهبيّ عبر استخدامه وتجييره بجدارة لصالح تأسيس رؤية نبويّة ساحقة للوجود البشريّ، وبالتالي إنتاج نصّ نبويّ تشريعيّ شامل، فيما فشل المسيح في إعادة إنتاج وهمه الذهبيّ نبويّاً، حيث تماهى المسيح بصيغة وهمه الذهبيّ عبر أورجازم روحيّ عالٍ، هذا التماهي الذي قاده إلى الموت المبكر كجسد، ومن ثم إلى اندماج  روحيّ ساحر مع الوهم الأرقى، ثم ما لبثت المؤسّسة النبويّة اليهودية الصاعدة في ثوبها الثوريّ، و في مراحلها الجنينية، من تدارك هذا الخطأ القاتل، لينهض مجموعة من الأنبياء الجدد ويصحّحوا المسير عبر نبش المسيح من قبره ليكتبوا بيده الباردة والميتة نصّهم النبويّ عن لسانه الميت .

 

( يتبع )

 



27 كانون ثاني 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة