728 x 90

الطريق الأخير

3340054354.jpg

 

 

"هيا يا حنّان، ما بالك تمشي ببطء كالسلحفاة" يرد بصوت خافت وهو يلهثُ تَعِباً: حسنًا سيّد ماركو...حسناً... يمشي ومجموعة أناس لا يعرفهم في طريق التهريب النائية والمعتمة على الحدود التركية اليونانية، يتتبّعون همسات المُهرّب ماركو، وهم يعبرون للهجرة إلى أوروبا، كانت أيديهم ممدودة أمامهم يتلّمسون طريقهم في العتمة، كان ذلك عبر تنقّلاتهم الليلية في الغابات، ينزلقُ أحدهم في حفرة طينية، وآخر يصطدم بالأشجار الكثيفة والعالية، كان ذلك يثيرُ جنون المُهرّب ماركو، خوفاً من الضجيج الذي يلفت انتباه رجال الأمن المنتشرين هناك لكثرة عمليات التهريب.

 

هرب حنّان من قريته الصغيرة شيه بعد أن دمّرتها الحرب، وحوّلتها إلى ركام، كانوا يسيرون لساعات طويلة حتى بدأ ضوء الفجر يشقّ العتمة تدريجياً إلى أن وصلوا إلى بيت قديم غير مكسوّ، كان اليأس والتعب يرسم ملامحهم، ينفثُ حنّان أنفاساً متقطّعة وقلقة، لا يعرف الأماكن التي يمكثون فيها ما بين ليلة وأخرى. ماركو، المهرب ذو الملامح الشقراء، كان يتقدمهم، غارقاً في الحديث بلغات عدّة غير مفهومة، ويتداول التعليمات لحظة بلحظة عبر ثلاثة هواتف نقّالة، دخلوا البيت ذو القفل المخلوع، المؤلّف من غرفةٍ واسعة ووحيدةٍ، ونافذة عالية.

 

فور ولوجهم أشعل ماركو النار في مصباحٍ معلّقٍ كان زجاجه مكسوراً من منتصفه، ثم أوقد مدفأة حطب مركونة في أحد الزوايا، جلسوا على أغطيةٍ مهترئةٍ وُضعت بإهمالٍ على طولِ الحائط الممتلئ بالتواريخ والتواقيع، وأشكالاً تبدو رسمت على عجل لعابرين سابقين، كانوا يرتجفون وهم يتكّومون من البرد، اقترب حنّان من المدفأة، كانت عيناه الواسعتان تلتمعان في ذلك الضوء الخافت، يتصاعدُ البخار من بنطاله المُبلل، وحرارة النار تلسعُ أطراف أصابعه المتيبسّة، كان الجو خانقاً في الغرفة الرطبة، أحضر ماركو علباً من جبنةٍ مُجففة وصموناً كان قد يبس بعد أن تقاضى ثمنها باهظاً، أخذوا يتناولون طعامهم بدون شهيةٍ، يقطع أحدهم أصوات طقطقة أفواههم بصوته الأجشّ قائلاً بحنقٍ:  لو كنت أعلمُ أنّني سأقطع كلّ هذه المسافات المخيفة أنا وولدي المريض لما تركتُ عفرين حتى لو مزّقتها حروب التاريخ. حتى لو سرقَ أولئك الغرباء ليس فقط أثاث منزلي كما فعلوا، بل وجدرانها كاملة!!

 

كان حنّان ينظرُ الى الطفل بإشفاقٍ وهو يمضغُ طعامه ببطءٍ، قبل أن يعرف من والد الطفل أنه يعاني من قصور في كليته اليسرى، كانت تقاسيم وجهه مخفيّة بعض الشيء لبدانته الزائدة، يسألُ الطفل أباه بلهجةٍ ثقيلة، وهو مبتسم ضاغطاً إبهامه على شفته السفلى: أبي... هل الناس في البلاد التي سنسافر إليها يشبهوننا؟ هل يملكون أنفاً واحداً، وشعراً كشعرنا؟ يربت الأب بيديه على صدغ الطفل بغضبٍ قائلاً: هشش، هشش.، لا ينقصني شيء سوى أسئلتك الحمقاء..  يشدُّ الطفل طرف قميص والده طالباً منه العودة إلى عفرين قائلاً: أبي أريد العودة إلى بيتنا، سنُخنقُ كصيصان جارتنا شيرين التي حبستها في كيس نايلون أسود ذات يوم هاهاهاها... يرّدُ عليه الأب بصوتٍ عالٍ: اصمتْ، اصمتْ، لا أريدُ سماع صوتك المزعج.

 

كان ضوء رسائل هواتف ماركو النقالة المتلاحقة يضيء الغرفة التي تخالطها العتمة، يقول رجل آخر كان ملتفاً بغطاء مرّقع حيث كان مُصاباً بنوبةِ سعال حادة: لا تغيب صورة زوجتي عن ناظري بعد أن قتلها أولئك الأوغاد، قالت لي وهي تلّفظ أنفاسها الأخيرة: لا تحزن يا عزيزي سنلتقي في الآخرة يوماً..  كان حنّان يُحدّق بالرجل والدموع تغشي عينيه، ثم أخذ يتكلم معه ليبدّد حزنه بعض الشيء: أما أنا فسأسكن في الماضي منذ الآن، أتذكر عندما كنت صغيراً أجمعُ حبات الزيتون من بستان العم خليل، وألعبُ الدحل مع ابنِ جيراننا منّان..  كان يتكلّمُ بألم قائلاً: تركتُ حارتي يا جماعة، تركتها دون عودة. في تلك الأثناء كان ماركو يدندنُ أغاني غير مفهومة بصوتٍ خفيضٍ، بانتظار توجيهات العبور.

 

 

 إنّه غروب اليوم التالي، يلبسُ ماركو معطفه الفضفاض على عجلٍ قائلاً: استعدّوا يا جماعة، في هذا الوقت كاميرات المراقبة لا تميّز ألوان الطبيعة بدقة، وتكون الأشكال مشوّشة، لذا عليكم ارتداء هذه البدلات البرتقالية اللون التي تشبه لون الغروب، و تتماهى مع الأزهار البرتقالية الكثيفة التي تملأ المكان، فثمّة شاحنة تنتظركم هناك، هيا بسرعة  لم تمضِ دقائق قليلة حتى مضى الجميع خلسةً بلباسهم البرتقالي إلى الشاحنة، دخلوها ثم أقفلَ ماركو بابها بإحكامٍ من الخارج.

 

 مضت بهم الشاحنة بعجلاتها التي رسمت خطوطاً عريضةً وسط تلك الزهور المحيطة، حيث بانتظارهم مهرّب آخر، وآخر لحين وصولهم إلى الحدودِ المتفق عليها.

 

 في صباحِ اليوم التالي كان صوت المذياع يملأ أسماع ماركو حين كان جالساً في أحدِ المقاهي الصيفية في اسطنبول مُعلناً بخبر عاجل:  اختناق مجموعة مهاجرين في شاحنة تهريب كانت تُقلّهم دون الحصول على تفاصيل أكثر  أدارَ ماركو وجهه باتجاه مكان المذياع مغمضاً عينه اليسرى، وكأنّه يستعيدُ ما جرى البارحة، يكزُّ أسنانه ندماً قائلاً:  أوه لقد نسيت، باب تلك الشاحنة لا يفتح من الداخل، فاتني ذلك... بحق السماء..  كيف تركهم السائق دون أن يفتح لهم الباب الخلفي!!  لابد أن دورية داهمتهم.. اللعنة.. من أصل ست عمليات فشلنا في اثنتين، لا أظن أنها نسبة سيئة على كل حال..  تناولَ سيجارةً، وأشعلها.

 

ترّن إحدى هواتفه النقّالة، يحدّق في الرقم لثوانٍ، ثم يرد ضاحكاً:  أهلاً بك، نعم نعم..  الطريق سالكة، أنت لا تعرفني، فأنا لا أحبُّ الكذب مطلقاً، و ستصلُ أنتَ وعائلتك في غضون ساعة، لا تقلق!



29 كانون أول 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة