728 x 90

الساعة الخامسة والعشرون بتوقيت الشرق الأوسط .. (لعنة الاسم)

2562247435.jpg

 

 

هذه محاولة قراءة شرق أوسطيّة في رواية الساعة الخامسة والعشرون لـ "قسطنطين فيرجيل جيورجيو"، جعلت عنوانها الفرعيّ "لعنة الاسم، أعني لعنة الهويّة، التي إمّا أن تكون مطرقة وإمّا أن تكون سنداناً، إمّا ظالمة وإمّا مظلومة، إمّا قاتلة وإمّا مقتولة ... لماذا نبحث عن الألم بأيدينا، نحن الذين أصابنا منه الكثير؟ لماذا نقرأ رواية مضى على كتابتها عشرات السنين لو لم تكن تلامس آلامنا؛ وتلامس اضطهادنا وتلامس إنسانيّتنا المهدورة؟

 

كتب "قسطنطين جيورجيو" روايته الشهيرة: "الساعة الخامسة والعشرون"، في أثناء الحرب العالمية الثانية، ولم تزل هذه الرواية حيّة حتى وقتنا الحاضر، يقرؤها القارئ وتقرأها القارئة بشغف، فتذهب به/ــها إلى واقع مرير نعيشه الآن وهنا، في ظلّ الحروب التي طحنت ما تبقّى من إنسانيّتنا.

تبدأ الرواية بالحبّ والأحلام، وتنتهي بحبّ وأحلام مختلفة، ما بين البداية والنهاية رحلة استمرّت ثلاثة عشر عاماً تتنقّل فيها الشخصيّات بين المدن والكنائس والمعامل ومعسكرات الأعمال الشاقّة والمعتقلات، رحلة ألم الإنسان المعاصر وعذاباته العبثيّة، نقلها "جورجيو" حيّة بخطّيين جدليين متناوبين بين السرد والحوار، يُغرقان القارئ والقارئة في أفكار الكاتب وعبقريّته في الخطّ السرديّ، ويذهب/تذهب بالمشاعر والأحاسيس مع آلام تلك الشخصيّات في الخطّ الحواريّ.

 

"إيوهان موريتز" بطل الرواية، بطل الحبّ والأحلام، بطل الألم والتشرّد والعذاب، شخص مسيحيّ، لكن اسمه من الأسماء الشائعة بين اليهود، اسم يهوديّ، تحوّل إلى هويّة، تحوّل إلى لعنة. ذاك الشخص الروماني نكّلت به النازية العنصرية، والبورجوازية الفرنسية، والبروليتاريا  الروسية، والفاشية البريطانية، وكأنه هو المسؤول عن الحربين العالميّتين. لم يمت من التنكيل لأنه مولع بالحياة والأمل بالعودة إلى زوجته سوزانا، تخلّى عن حلمه بالسفر، كي يعود فقط بثمن قطعة أرض لبناء منزل، لكنه من أجل حبّه بقي في قرية رومانية صغيرة، أنقذ حبيبته من براثن أبيها الإقطاعي الجشع الذي يعذّبها وأمّها كل صباح وكل مساء حتى أدّى به المطاف إلى قتل الأمّ وهروب سوزانا مع "إيوهان". لكن في زمن الحروب لا مكان للحبّ، فقد استغلّ ضابط الدرك في مخفر القرية اسمه اليهوديّ بعد أن أعجبته سوزانا، وحاول التحرّش بها، فكان ثمن الحبّ ثلاثة عشر عاماً من الاعتقال والانتقال من معتقل إلى آخر أو من معسكر إلى آخر، في أنحاء أوروبا الشرقية. يقول "جورجيو" في خاتمة روايته: "إن الحبّ، تلك العاطفة البليغة، لا يمكن أن يكون إلّا مع مجتمع يؤمن أن الكائن البشريّ فريد لا يمكن استبداله والمجتمع الذي ننتمي إليه، يؤمن بشدّة أن كل رجل يمكن استبداله بسهولة". حبّ "أيوهان" و"سوزانا" لم يدم أكثر من ثلاث سنوات أنجبا خلالها طفلين.

 

أمّا القس "كوروغا" الداعي إلى الحبّ والتسامح، فقد حاول جاهداً أن يثبت لإدارة معسكر الاعتقال أن "أيوهان" ليس يهودياً، لكن دون جدوى، فقتله الروس أثناء اجتياحهم لرومانيا، وانتحر ابنه "تريان" الشاعر والأديب الذي بدأ بكتابة رواية "الساعة الخامسة والعشرون" فأكملتها زوجته "نورا" اليهودية التي لم تسلم من قبضة النازيين هي الأخرى.

 

"الساعة الخامسة والعشرون، هي اللحظة التي تكون فيها كل محاولة للإنقاذ عديمة الجدوى، بل إن قيام المسيح لن يجدي فتيلاً. إنها ليست الساعة الأخيرة، ساعة المجتمع الغربي، إنها الساعة الحاضرة.. الساعة الدقيقة المضبوطة". لم يقصد الكاتب بتلك الساعة فناء البشرية كنوع، إنما فناء الإنسانية أمام الآلة الفتّاكة، أو ما أسماه "جورجيو" "الرقيق الآلي"، متأثّراً بتربيته اللاهوتية وعلمانيّته المعتدلة، أي إنه متأثّر بأفكار "ماركس"، في اغتراب الإنسان وتموضعه وتشيّئه أو تحوّله إلى زائدة لحميّة ملحقة بالآلة.

 

من الصعب أن تُقرأ هذه الرواية اليوم من دون ضبط عقارب الساعة على توقيت الشرق الأوسط، الذي يعيش منذ وقت طويل في "الساعة الخامسة والعشرين"، أي في زمن الخوف والرعب والقمع والاستبداد والإرهاب، زمن "الهويّات القاتلة" بتعبير أمين معلوف، حيث لا مكان للحبّ.

 

بماذا تقلّ عذابات أبطال رواية "القوقعة" لـ "مصطفى خليفة" عن عذابات وآلام رواية "جورجيو"؟ بماذا تقلّ الحرب في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومن قبل ذلك في لبنان؛ عن الحرب العالمية؟

 

بماذا يختلف "أيوهان" الذي سُلخ جلده عشرات المرّات تحت التعذيب عن آلاف السوريين في المعتقلات، وآلاف العراقيين وما شابههم في سجون شرقنا الساحر؟ ألسنا عبيداً أمام تلك الآلة المدمّرة التي يستخدمها الطغاة في الحروب؟

 

أين الفرق بين اضطهاد النازية لليهود وبين حرب إسرائيل اليومية على الفلسطينيين، أو حملات "الأنفال" العراقية والتركية والإيرانية على الأكراد، على سبيل المثال؟

 

نحن لا نقرأ رواية في زمان ومكان مختلفين عن الزمان والمكان اللذين نعيشهما هنا والآن، نحن نقرأ عذابات الإنسان السوريّ بكل تفاصيلها، وعنصرية الأنظمة العربية وغير العربية تجاه القوميّات المختلفة. مصائب البشر ومصائرهم أثناء الحروب متشابهة، وكذلك في ظلّ الاستبداد والقمع، اللذين يحوّلان البشر إلى مجرّد كائنات مرعوبة.

 

في "شرق المتوسط"، كتب عبد الرحمن منيف: "على الأرض حيوان، له قامة طويلة، وأذرع قريبة الشبه بأذرع الشمبانزي، أمّا الساقان فضامرتان وفي نهايتهما أقدام عريضة، أمّا في القمّة فكتلة صلبة مغطّاة بالشعر، وفيها ثقوب عديدة في المقدّمة وعلى الجانبين. هذا الحيوان يستخدم الثقب الأمامي، وخاصة العريض، في أسفل الكتلة الصلبة، في الرقص والغناء والصفير، وأيام الشتاء يستخدمه للتنفس، أمّا أيام الرعب فإنه يستعمله لغرض واحد فقط، وهذا الغرض لم يعرف له بعد اسم محدّد، قال بعضهم للدفاع عن النفس، وقال آخرون للقتل،، أمّا الكثرة الغالبة فتؤكّد أن الاستعمال الوحيد لهذا الثقب، في زمن الرعب، يكون للقتل أو للانتحار".

 

لم ينل "أيوهان" حرّيته سوى ثمانية عشر ساعة، بعد خروجه من آخر معسكر للأشغال الشاقّة؛ حتى أُلزم بالتطوّع وأسرته في المعسكرات الأمريكية، وفرض عليه أن يبتسم أمام كاميرات الصحافة، كما يفرض على ذوي القتلى أن يبتسموا.

 

البنية الروائيّة:

 

كتب "قسطنطين فيرجل ذاته بعد أن أطلق سراحه من السجن الروسيّ أثناء اجتياح رومانيا، في بنية نصّية متكاملة، مفصّلة تفصيلاً أنثربولوجياً وثقافياً، وضعت معطيات هذا التفصيل (الإنسان) في مركز اهتمامه، وأسقط كل ما حدث معه شخصياً على كل إنسان في العالم، فكان إشعاعاً كاشفاً لكل ديكتاتوريات العالم وأيديولوجياته، وتراكماته الفوقيّة (السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية)، فقد التقى الخطّ السرديّ مع الخطّ الحواريّ في فضاء الرواية، بعلاقة ناظمة للأحداث والشخصيات، مع أن الواقعية التي أحاطت بمصائر الشخصيّات مؤلمة إلى حدّ الاختناق، إلّا أن الكاتب بدأ بالحبّ والأحلام، ونستطيع أن نقول انتهى بالحبّ، لأن عشرات السنين لم تثنِ "أيوهان" عن حبّ "سوزانا"، على الرغم من اغتصاب الجنود الروس لها، وإنجابها طفلاً إثر هذا الاغتصاب.

 

عن حياة "جيورجيو": ولد جيورجيو في قرية "فاليالبا" في رومانية عام 1916، توفي عام 1992، تزوّج من أكتارينا بورينا في العام 1939، وفي العام الذي يليه حصل على الجائزة الملكية الرومانية للشعر، ثم عمل بعد حصوله على الجائزة كمُلحق ثقافي في سفارة رومانيا في زغرب، وفي العام 1944 مع دخول السوفييت والأمريكان إلى بلاده تمّ إلقاء القبض عليه وإيداعه في السجن، وبعد عدّة محاولات للهرب استطاع هو وزوجته عبور الحدود إلى فرنسا عام 1945، حيث عاش حتى وفاته، وحين عبوره حدود فرنسا كان جيورجيو يحمل في يده المخطوطة الأولى لرواية قُدّر لها فيما بعد أن تخلق ضجّة كبرى لسنوات تلت منذ انتهاء الحرب.    

 

 



08 حزيران 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة