728 x 90

الخدمة العسكريّة (قطبة مخفيّة) في ملفّي اللاجئين وإعادة الإعمار

2867347670.jpg

 

 

يقول مسؤولون في الاتحاد الروسي، بأن أكثر من 1,7 مليون لاجئ سوري أبدوا رغبتهم بالعودة إلى سوريا، وقد أطلقت روسيا حراكاً إقليمياً بدأ نشطاً في صيف العام الحالي ثم همد قليلاً، وربما مؤقّتاً، عنوانه الأساسيّ: (إعادة اللاجئين)، إذ يتمّ الربط بين إعادة اللاجئين وإعادة الإعمار الملفّين المرتبطَين في كثير من الجوانب، ولكن تحديداً في مفصل أساسي، وهو وضع الخدمة العسكريّة وقوائم المطلوبين..

 

النظام السوري لا يبدي الحماس ذاته تجاه ملفّ إعادة اللاجئين، بدليل أن مفاتيح أساسية لعودة الراغبين، أو ترغيب غير الراغبين، هي في يده، ويمتنع حتى الآن عن تحريكها وفتح الأبواب، وفي مقدّمتها: ملفّ الخدمة العسكريّة. الذي يُعتبر عقدة أساسية في وجه: عودة اللاجئين، ووقف الهجرة، واستقرار الشريحة الشابة السورية العاملة داخل البلاد.

 

ملايين من المطلوبين

 

قد يقارب عدد المطلوبين إلى الخدمة الإلزامية في سوريا، خلال سنوات الأزمة الثمانية وسطيّاً 1,4 مليون شاب. حيث كان عدد الملتحقين في صفوف الدورات العسكرية الإلزامية يتراوح بين 150-200 ألف شاب سنوياً. أمّا إذا احتسبنا مع هؤلاء من يمكن أن تشملهم الخدمة الاحتياطية، أي شريحة الشباب بالأعمار بين 18-42 سنة، فإننا نتحدّث عن شريحة واسعة قد تقارب 3,5 مليون شاب سوري. (وفق تقديرات شرائح العمر والجنس لتركيبة السكان السوريّة في عام 2010).

 

الهرب من الموت

 

قد تقلّ الأعداد عن هذه التقديرات، إذا ما أخذنا طبعاً المعفيّين من الخدمة لأسباب متعدّدة أهمّها الشابّ الوحيد لوالدته..

 

ولكننا بكافة الأحوال نتحدّث عمّا يقارب 2 مليون شابّ من الشريحة الحيّة والفاعلة من القوى العاملة السوريّة، والتي يخرج الكثير منها دورياً من البلاد هرباً من استحقاق الخدمة العسكريّة.

 

فالخدمة العسكرية في سوريا ارتبطت خلال الأزمة، باحتمالات الموت العالية، أو بضياع سنوات طويلة من العمر وسط المعارك والانتظار... لا يوجد تقديرات دقيقة لعدد الشباب الذي قتلوا في صفوف الجيش السوري والقوى العسكرية المرتبطة به، ولكنّ البعض يشير إلى أن الرقم يقارب الـ 100 ألف، بينما يرفع آخرون التقديرات ليوصل الأرقام إلى مستويات أعلى بكثير، ففي محافظة طرطوس الساحلية وحدها، يُقال أن عدد الشباب المتوفين في صفوف الجيش والقوات المرتبطة به: 200 ألف شاب، بحسب ما نقلته تقارير لقناة الميادين اللبنانية.

 

لذلك فإن السحب إلى الخدمة العسكرية، هو العتبة الأساسية التي تمنع العديد من السوريين في الخارج من العودة، والتي تدفع الكثير من السوريين في الداخل للهرب إلى الخارج... ووسط هذه الدوّامة لا يمكن الحديث عن عودة واسعة للاجئين، أو حتى استقرار في قوة العمل السوريّة. فإذا ما كنّا نتحدّث عن 2 مليون مطلوب للخدمة العسكريّة أو الاحتياطيّة فإنّ هؤلاء مع أسرهم يشكّلون شريحة غير مستقرّة تتراوح وسطياً بين 8-10 مليون سوري. حيث إن أغلب هؤلاء الشباب هم مُعيلون أساسيّون لأسرهم، وكل منهم يرتبط بإعالة 4-5 أفراد آخرين.

 

بوادر حلّ (تحت الضغط)

 

مع نهايات العام الماضي، بدأت بوادر عمليات تسريح لدفعات ودورات من الشباب الذين يخدمون في الجيش السوري منذ ستّ سنوات. ثم صدر العفو عن الفارّين من الخدمة، وما أثير حوله من التباسات.. إذ ترافق مع الحديث عن العفو عن الخدمة الاحتياطية، وشطب أسماء أكثر من 800 ألف مطلوب، وما تلاه من إصدار قوائم احتياطية واسعة جديدة. وأخيراً تسريح دفعات الاحتياط ومن تمّ الاحتفاظ بهم، ولكن من مواليد عام 1981 وما قبل.. أي ممّن يخدمون في قوات الجيش السوري وهم بعمر 40 عاماً وما فوق.

 

أشارت القرارات والتصريحات المتخبّطة والمتناقضة حول موضوع التسريح والخدمة العسكريّة، إلى وجود تناقضات في الموقف من هذه المسألة، ولكن يبدو أنها تنحسم لصالح الضغط الروسي الذي يريد حلحلة في هذا الملفّ، لأنه يرى فيه عقبة أمام مسألة عودة اللاجئين، التي يوليها الطرف الروسي أهمّية، ويضعها مهمة في الأمد القريب. كما أن لتسوية أوضاع العسكريين وتخفيف ضغط الخدمة عن الكثير من الشباب، أهمّية بالنسبة للطرف الروسي؛ لأنه يرتبط بتأمين الاستقرار الذي يريده في مناطق التسويات والمصالحات كما في درعا، ومناطق الغوطة، وريف حمص وغيرها.

 

النظام (لا يبدي حماساً)

 

بمقابل الرغبة الروسية، هنالك أطراف في النظام السوري لا يبدو أنها تريد التجاوب سريعاً مع هذا الضغط، لأن أي تقدّم في هذه المسألة يُعتبر فكّاً لعقدة أساسية لمجموعة من الملفّات: فإزالة أو تخفيف ضغط الخدمة العسكرية، يشجّع عودة جزء كبير من اللاجئين، ويفكّ ارتباط شريحة واسعة من الشباب السوري بالنظام، بعد إنهاء الخدمة العسكرية، وعودتهم للحياة المدنية. ويفتح استحقاق المسؤوليات الاقتصادية والاجتماعية تجاه هؤلاء، الاستحقاق الذي يبدو أن النظام يستشعر ضغطه، ولكنه غير قادر على تقديم أي شيء جدّي تجاهه.. لتقتصر (العطايا) على قروض للسيارات السياحية لمن يثبت عجزه من جرحى الجيش وقوى الأمن الداخلي، أو إعطاء المسرّحين رواتب إضافية لمدّة عام بمعدّل الأجر الوسطيّ السوريّ: 35 ألف ليرة، أي أقلّ من 70 دولاراً شهرياً! وغيرها من الإجراءات التي لا تتناسب، بل تبدو هزيلة، أمام واقع شباب قضَوا شبابهم وسط المعارك وفي أقسى الظروف.

 

قنبلة موقوتة

 

إنّ مئات آلاف الشباب السوري قضَوا سنوات الأزمة الثمانية في ساحات المعارك في الطرفين، وهؤلاء كانوا من الشرائح الاجتماعية الأضعف والأفقر، والتي لا تمتلك القدرة على الهرب وتأمين خيارات بديلة جدّيّة خارج البلاد. يشكّل هؤلاء واحدة من المهمّات الأساسية لسورية في المستقبل، حيث من الضروري إعادة تأهيلهم ومساعدتهم ليدخلوا مجالات العمل والإنتاج، التي تحتاج إلى هذا الكمّ من القوى العاملة الشابّة.

 

ولكن الأساسيّ أيضاً، أنّ هؤلاء يحتاجون أيضاً إلى انطلاق عملية إعادة الإعمار؛ لتؤمّن لهم فرص العمل المناسبة، وتعيد دمجهم في الحياة المدنية، الأمر الذي يُعتبر ضرورة... بل إن جزءاً هامّاً منهم ربما يحتاج إعادة تأهيل نفسيّ واجتماعيّ، للتخلّص من آثار مرحلة العنف القاسية.

 

فعدم احتواء هؤلاء وإعادتهم للفعالية، يعني استمرار وجود وقود العنف والفوضى في سوريا.. ويعني وجود قنبلة موقوتة من شريحة الشباب المهمّشين اجتماعياً ممّن عايشوا دموية الأزمة السوريّة بأقسى أشكالها.

 



08 نيسان 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة