728 x 90

الجنوب السوري.. معاناة ما بعد «خفض التصعيد»

1563237253.jpg

 

 

- سنوات الصراع تثقل كاهل الطفولة جنوبي سوريا

- خفض التصعيد يشجع النشاط المدني بمحافظة درعا ويثير مخاوف إسرائيل

- "أصدقاء سوريا" يوقفون الهيئة السوريّة للإعلام

 

 

 

سنوات الصراع تثقل كاهل الطفولة جنوبي سوريا

 

ليليا نحاس

 

تسبّبت سنوات الصراع العنيف المستمرّة في محافظتي درعا والقنيطرة بحرمان عشرات الآلاف من الأطفال من تعليمهم، وأدّت إلى أذيّات نفسية عميقة في أوساطهم. فالكثير منهم لم يعرف في سنوات عمره القليلة سوى الحرب، حتى أن بعضهم يخالونها الحالة الطبيعية للإنسان. كما ينتقل جيل آخر من الطفولة للشباب، ويوميات الحرب مرافقة له ومطبوعة بذاكرته.

ومع مرور الأيام خسر القطاع التعليمي أعداداً كبيرة من كوادره، بين قتيل ومهجر خارج سوريا في مخيّمات اللجوء أو مختلف دول العالم، وتسبّب القصف بخسارة ما يزيد عن 40 بالمئة من البنية التحتيّة التعليمية.

 

"كل المخيّمات تشبه بعضها"

تعاني المخيّمات المنتشرة في محافظة درعا من شحّ في الموارد، إضافة لضعف التجهيزات، وتسرّب الأطفال من التعليم نتيجة الفقر.

استطلعت مجلة صُوَر واقع مخيم زيزون الذي تقطنه 115 عائلة فلسطينية تقطّعت بها السبل. والذي يتألّف من منازل مهجورة وخيام نصبت جوارها، أو بيوت تمّ بناؤها على عجل بمواد بسيطة.

 

يفتقر المخيّم للخدمات الأساسية، وتتفاقم أزمته مع هطول الأمطار، التي تحوّله لمستنقعات من المياه والأوحال، إضافة لتساقط القذائف العشوائية عليه بين الحين والآخر. كما تغيب فيه المدارس، ومن يريد تعليم أولاده عليه قطع عدة كيلو مترات سيراً على الأقدام ذهاباُ وإياباً للوصول لأقرب تجمع تعليمي، ما أدّى لحرمان الكثير من الأطفال من متابعة التعليم.

 

 

ويعاني المخيّم من ضعف التمويل المقدّم من المنظمات الإغاثية في المحافظة، إضافة لغياب لوكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة، والمعنية مباشرة بالفلسطينيين المقيمين في سوريا.

 

يقول أبو عبد الله (رجل ستّيني من سكان المخيّم): "حاولنا كثيراً التواصل مع مكاتب الأونروا في دمشق وعمان، لتأمين الخدمات الطبية والتعليمية، ولم يستجيبوا أبداً وكأنهم غير معنيّين بنا، الظروف من سيئ لأسوء. كما ترون المخيّم عبارة عن بحيرة من الطين والمياه، ولا توجد وسائل للتدفئة والحطب قليل، لم يعد هناك شيء نحرقه من أجل التدفئة، فكيف لنا أن نرسل أولادنا للمدرسة؟".

 

ويتابع أبو عبد الله: "كل المخيّمات تشبه بعضها البعض، ولدت لاجئاُ فلسطينياً، هجّرتنا إسرائيل وذهبنا لسوريا، وبعد عشرات السنوات يأتي النظام السوري ليهدّم بيوتنا ويشتّتنا من جديد، ولكن ما ذنب أطفالنا وأحفادنا حتى يعيشوا هذه الحياة السيّئة. حتى إسرائيل لم تفعل بنا ذلك".

 

محاولات لسدّ  الفراغ

الواقع السيّئ دفع منظمات المجتمع المدني لتكثيف جهودها للعمل على سدّ الفراغ وتأسيس مدارس ومراكز دعم نفسي، متحدّية نقص التمويل والمخاطر الأمنية.

 

تُعتبر منظمة "أورانيتس" (خطّ الحياة)، إحدى هذه المنظمات، التي تولّي التعليم اهتماماً بالغاً، وتغطي أنشطتها محافظتي درعا والقنيطرة، عبر 7 مراكز موزّعة جغرافياً في المحافظتين، إضافة لمركز وحيد في غوطة دمشق.

 

يقع مقرّ المنظمة الرئيسي في العاصمة الأردنية عمان، كما يعمل معها مكتب هندسي متخصّص، لترميم المدارس التي طالها الدمار. وقد بدأت المنظمة العمل في نهاية 2013، بعدد محدود من المتطوّعين، واليوم يزيد عدد كواردها عن 300 شخص من مختلف التخصّصات.

 

تعتمد المنظمة نوعين من البرامج: الأول موجّه للجميع ومدّته لا تتجاوز اليوم الواحد، كالاحتفاليات بمناسبة قدوم العام الدراسي، ويوم الطفل العالمي، وعيدي الأضحى والفطر.

 

يقول المدير الإعلامي للمنظمة محمد المسالمة لمجلة صُوَر: "مع بداية العام الدراسي تبدأ  برامج لتشجيع الأطفال وتحفيزهم للعودة للمدرسة، وجّهت الدعوات لجميع الأطفال في القرى والبلدات، وقُمنا بتوزيع الهدايا والأنشطة لحثّهم على العلم، بأساليب محبّبة لهم".

 

النوع  الثاني من البرامج أطول أمداً، تتراوح مدته بين 30-45 يوماً، لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي اللازم للأطفال، لمساعدتهم للتغلب على التجارب الصعبة التي يمرّون بها.

 

ويستقبل البرنامج الأطفال من عمر 4 سنوات حتى الرابعة عشرة، ويقسّمون لفئات حسب الأعمار. تخرّج المنظمة في كل برنامج 150 طفلاً، يدخلون إليه بعد الخضوع لاختبارات تبيّن مدى حاجتهم ونوعيّتها، وكل برنامج مقسّم لثلاثة أجزاء: الأول يوفر أنشطة ترفيهية ورياضية، والثاني تناقش من خلاله المشكلات التي يواجها الأطفال وحلولها، والثالث تعليمي يتلقّى الأطفال فيه دروس تقوية ومراجعة لمناهج المدارس.

 

يهدف البرنامج بالمجمل لتنمية المهارات الحياتية وآليات التكيّف ودعم الصمود، وإكساب الأطفال طرق بناء العلاقات الاجتماعية الصحيحة والتعلّم الذاتي.

 

 

وتقيم المنظمة أنشطتها في بيوت تمّ اختيارها بعناية لتكوّن بعيدة عن القصف، صمّمت لتكون صديقة للطفولة ومحفّزة على الإبداع، من خلال طلاء جدرانها بألوان ورسومات محبّبة للصغار، واستخدام ألعاب وتجهيزات وفق معايير حديثة، حسبما ذكر القائمون على المنظمة للمجلة.

 

تؤمّن المنظمة المطبوعات الدراسية عن طريق طباعتها في الداخل السوري، وتشتري القرطاسية من السوق المحلية وتوزّع مجاناً، وبقيّة المواد تدخّل عبر معبر الرمثا الحدودي مع الأردن، والذي يعتبر المعبر الإنساني الوحيد لجنوب سوريا بموجب قرارات الأمم المتحدة، وتتلقّى المنظمة دعماً من منظمة "يونيسف" ممثّلة في مكتبها في عمان، والتي تشكّل غطاء ومصبّاُ ومكتب تنسيق للتبرّعات الدولية في خصوص ملفّ الطفولة. ولا يوجد أي تواصل مع مكتبها في دمشق، رغم وجود تنسيق نظري بين المكتبين.

 

يعمل كوادر المنظمة، في ظل ظروف أمنية صعبة، من ناحية استهداف النظام لهم بشتّى أنواع الأسلحة، إذ تمّ استهداف أحد مراكز الجمعية المؤلّف من ثلاثة طوابق بمنطقة طريق السدّ بمدينة درعا في بداية عام  2017 ببرميل متفجّر، ما أدى لدماره بشكل كامل ووقوع عدد من الضحايا.

 

إضافة لانتشار مضايقات عناصر تنظيم داعش المتمركزين في بعض المناطق الجغرافيّة، وعلى طرق السفر.

 

تنفرد المنظمة عن غيرها بالعمل في منطقة اللجاة، ذات الطبيعة الصخرية القاسية الواقعة بين درعا والسويداء، والتي يسكنها مجموعات من البدو الرُّحَّل في غالبيتهم.

 

يقول المدير الإعلامي للمنظمة لمجلة صُوَر: "نعاني من صعوبات متعدّدة في العمل باللجاة المؤلفة من 14 بلدة، أهمها أن المنطقة كانت تعاني من تغييب كامل للتنمية منذ أيام حكم حافظ الأسد، فلا خدمات أساسية فيها. فضلاً عن وجود عصابات السرقة والخطف، إضافة لصعوبة التعامل مع السكان، خصوصاً من حيث إقناعهم بضرورة إرسالهم للمدارس."

 

تعتمد المنظمة في برامجها، على كوادر تعليمية تلقّت تدريبها في الأردن، على أيدي مختصّين من منظمات دولية كاليونيسف، والذين بدورهم أهلوا أنفسهم لينقلوا هذه الخبرات للمعلّمين الآخرين داخل سوريا، وتتكفّل المنظمة بتقديم الرواتب الشهرية لـ 180 مدرّساً، ممّن قطع النظام عنهم رواتبهم.

 

برامج موجهة

تتدخّل بعض الجهات المموّلة بنوعية البرامج التعليمية التي تقدّمها المنظمات في محافظتي درعا والقنيطرة، أو تشترط إلى جانب البرامج التعليمية المطروحة، إقامة برامج تعليمية موجّهة، كتكثيف حصص تحفيظ القرآن، وإلزام الطلاب بحضور الدروس الدينية بالمراكز الدعوية والشرعية، وخطب الجمعة في المساجد، إضافة لحوافز مادية للأطفال وعائلاتهم ممن يحفظون القرآن.

 

يقول محمد.ن (مدرس-40 عاماً) لمجلة صُوَر: "طبيعة مجتمعنا إسلامية، وتعليم أصول الدين أمرّ طبيعي، لكن فرضها بالإجبار أمر مرفوض، الدين هو حرية للإنسان، المشكلة أن الكثير من المنظمات تضطرّ للقبول بذلك خشية قطع التمويل، الأمر الذي يحرم الأطفال من كل أشكال التعليم، في هذه المواقف نكون أمام خيارين أحلاهما مر".

 

من جهة أخرى تحاول بعض المنظمات، تأهيل الأطفال، ممن لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشر، تأهيلاً مهنياً، عن طريق إخضاعهم لبرامج مهنية كدورات الحلاقة الرجالية والخياطة وصيانة الهواتف المحمولة والأجهزة الكهربائية.

 

يقول أحد القائمين على هذه النوعية من المشاريع من "رابطة أهل حوران" لمجلة صُوَر:  "نهدف من هذا البرنامج تعليم مهنة للفئات العمرية التي غدت على أبواب الشباب، لمنعهم من الانزلاق نحو حمل السلاح، ليكونوا عوناً لأسرهم في المستقبل القريب ومواجهة الظروف القاسية التي تمرّ عليهم".

 

مشاكل نفسية واحتياجات خاصة

يعاني الأطفال من مشاكل نفسية متعدّدة، بسبب ظروف الحرب المستمرّة، وحالة التنقّل وعدم الاستقرار، كالمشاكل المرافقة لفقدان أحد أفراد الأسرة، واضطرابات ما بعد الصدمة وانعكاساتها، كضعف التركيز والسلوك العدواني والكوابيس المتكرّرة وحالات الخلع والخوف من فقدان أحد الوالدين والأخوة.

 

فضلاً عن هذا غابت كل مؤسّسات رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، ما دفع  عدداً من الخبراء النفسيين والاجتماعيين لافتتاح مركز "ماسة" لرعاية الصمّ والبكم والأطفال المصابين باضطرابات في النطق في مدينة نوى بريف درعا، ليكون المركز الأول من نوعه في المنطقة الجنوبية، كثمرة لجهود تطوعية فردية، توحّدت للعمل بدعم من "المنظمة السورية للتنمية الاجتماعية".

 

يضمّ المركز 40 طفلاً بأعمار تتراوح بين 3 -12 عاماُ، ويقدّم جميع الخدمات مجّاناً، عن طريق مختصّين ومرشدين نفسيين وأطباء اختصاصيين، بهدف علاج الأطفال بشكل تامّ أو التخفيف من معاناتهم، عن طريق أنشطة وبرامج تعليم خاصة بالصمّ والبكم، تساعدهم على التواصل مع محيطهم والمجتمع بشكل بسيط ومفهوم، وتمكّنهم من الاعتماد على ذاتهم.

 

 

ويحاول المركز توسيع نشاطاته لتشمل المنطقة الشرقية من درعا والقنيطرة، إضافة لإعداد خطة سريعة لكي يستقبل المركز كل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في منطقة نوى، الذين يبلغ عددهم حوالي 200 طفل حسب إحصائيات محلّية، من أجل مساعدتهم للخروج من معاناتهم ودمجهم في مجتمعاتهم.

 

- - - - - - - - - - - - - - - - - -

 

"أصدقاء سوريا" يوقفون الهيئة السوريّة للإعلام

 

أحمد العلي

 

أعلنت "الهيئة السورية للإعلام"، العاملة في جنوب سوريا، عن إغلاق منصّتها الإعلامية المؤلّفة من إذاعة أون لاين وموقع أنترنيت وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كامل.

وذكرت الهيئة في بيان اطّلعت عليه مجلّة صُوَر أنه: "بعد أربع سنوات من العطاء الإعلامي والجهد الصحافي الذي انصبّ في خدمة ثورة الشعب السوري وقضاياه العادلة ومحاربة التطرّف، قدّمت فيها الهيئة أربعة عشر شهيداً في سبيل نقل الحقيقة وإيصال الصورة الكاملة، تعلن الهيئة عن إيقاف نشاطها."

 

وشكرت الهيئة جميع متابعيها، الذين "أولوها الثقة والمصداقية، وكانوا سبب نجاحها وتقدّمها" كما شكرت من وصفتهم جيش الأبطال والمراسلين والإداريين والعاملين والمتعاونين، الذين عملوا لصالحها في الداخل السوري، و"نقلوا للعالم عبر كاميراتهم وأصواتهم الحدث كما حصل، دافعين في سبيل ذلك دماءهم". حسب ما جاء في البيان.

 

الأسباب الخفيّة

لم تذكر الهيئة في بيانها السبب الحقيقي وراء القرار المفاجئ، في حين أكّد رئيسها إبراهيم فواز الجباوي في تصريح صحفي لصُوَر أن قرار الإيقاف كان بسبب وقف تمويل الجهة الداعمة، وهي مجموعة أصدقاء الشعب السوري.

 

وتُعتبَر الهيئة الذراع الإعلامية للجبهة الجنوبية للجيش السوري الحرّ، المؤلَّف من عدة فصائل معتدلة، تتلقّى دعمها مباشرة من الحكومة الأردنية وغرفة تنسيق الدعم "الموك"، التي كانت تتّخذ من الأردن مركزاً لها، مدعومةً من مجموعة أصدقاء سوريا. ولكن "الأصدقاء" أعلنوا في تموز الماضي عن حلّ الغرفة وتوقيف الدعم العسكري، ما نتج عنه إعادة هيكلة الفصائل المعارضة في الجنوب السوري.

 

يأتي القرار في ضوء الترتيبات العسكرية والسياسية الجديدة التي تجري جنوبي سوريا، القاضية بالتوصّل لتجميد الصراع بين النظام السوري وفصائل المعارضة، والمتزامنة مع تزايد الدور الروسي في الجنوب، ومحاولات إيرانية للتغلغل في المنطقة، بعد أن كانت تخضع لقيود سياسية وعسكرية من الحكومة الأردنية والأمريكية. هذه التطوّرات، نتجت عن تفاهمات روسية أردنية بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير مباشر.

 

وخلّفت التطوّرات الجديدة حالة قلق من إغلاق مؤسّسات مدنية أخرى، تقدّم الخدمات للمدنيين، كما أكّد عدد من النشطاء للمجلة، الذين أجمع الكثير منهم أن مسلسل إيقاف مؤسّسات الثورة المدنية قد بدأ بأهمّ الأذرع الإعلامية، الناقلة لحقيقة ما يجري جنوبي سوريا، وأن القطار لن يتوقّف حتى يطال الجميع.

 

البحث عن حلول

يحاول القائمون على الهيئة البحث عن مصادر تمويل جديدة، لاستمرار عملهم في نقل واقع المنطقة الجنوبية، لكن تعقيدات الوضع الجديد، وطول أمد الأزمة السورية، ونقص التمويل الدولي، يقف حاجزاً أمام ذلك حتى الآن.

 

يقول مدير الهيئة لصُوَر: "تمّ تسليم التجهيزات اللوجستية للجهة الداعمة، وهي محفوظة في مستودعاتها، وفي حال التمكّن من إيجاد جهة مموّلة أخرى، سوف يقدّمونها لنا مجّاناً ويعيدونها، ومن ناحية الملكية الفكرية فهي تعود للشعب السوري، ولدينا نسخة كاملة مؤرشفة ومتاحة للجميع، أمّا النسخة الأصلية فمن حقّ الجهة الداعمة".

 

ويتابع جباوي: "للأسف مشكلة الإعلام الثوري الرئيسية، أنه اعتمد على التمويل الخارجي، وأصبح مرهوناً له، كنا نتمنّى وما نزال، أن تكون مؤسّسات الثورة السورية السياسية هي الجهة المموّلة، وبالتالي يكون تمويلنا وطنياً حتى لا تبقى جهودنا ومشاريعنا مرهونة بيد غيرنا، ففي عام 2014 دُعينا لورشة عمل نظّمها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، لتنسيق وتوحيد الخطاب الإعلامي الثوري، لكنهم للأسف لم يكملوا المشروع، بسبب اهتماماتهم الجانبية البعيدة عن مستقبل وهموم السوريين."

 

صحفيّون ونشطاء في مهبّ الريح

يعمل في الهيئة سبعون موظفاً بين صحفي وناشط إعلامي ومصوّر وإداري، خمسة وعشرون منهم في الأردن، والباقون موزّعون في المنطقة الجنوبية على محافظات درعا والقنيطرة والسويداء وصولاً لجنوب العاصمة دمشق، وأدّى القرار لتوقّفهم عن العمل وانقطاع مصدر رزقهم الوحيد.

 

تقول الصحفية دينا بطحيش إحدى العاملات السابقات في الهيئة لصُوَر: "أمر كارثي أن يقطع فجأة مصدر الرزق الوحيد لهذا العدد الكبير من العائلات، سواء داخل سوريا وسط الدمار والحرب، أو في دول الجوار، في ظل وضع غير مستقرّ، مع غياب وثائق إقامة رسمية تمكّننا من العمل بمؤسّسات غير سوريّة".

 

وتدور مخاوف كبيرة من إيقاف وسائل إعلام أخرى مستقبلاً. تقول بطحيش التي خبرت العمل مع عدة جهات إعلامية: "لسنا وسيلة الإعلام الوحيدة التي تمّ إغلاقها، وأتوقّع أنه في الأشهر القليلة القادمة سوف يتمّ إغلاق وسائل إعلام أخرى، نحن بحاجة لداعم داخلي سوري، وأكرّرها: سوري، وعندما تتشكّل هذه المؤسّسات الوطنية ستكون قادرة على توجيه خطاب إعلامي حقيقي بعيد عن الأجندات".

 

وحمّلت بطحيش في حديثها مع المجلة جزءاً من المسؤولية للسوريين بقولها: "نتحمّل جزءاً من المسؤولية، هناك حالة إبعاد وإقصاء ممنهجة للصحفيين الأكفاء ذوي الخبرة لصالح قليلي الكفاءة، لو كان هناك مؤسّسة إعلامية وطنية معارضة، لما وصلنا للوضع الحالي، فالمحسوبيّات هي الغالبة من خلال تجربتي في العمل مع عدة وسائل".

 

كما انتقد عدد من الناشطين والصحفيين من موظفي الهيئة، وسائل الإعلام السوريّة الأخرى، بسبب عدم وقوفها لجانبهم وتقديم عروض عمل لهم، بعد أن أصبحوا عاطلين عن العمل.

بالتوازي مع ذلك، تحاول رابطة الصحفيين السوريين، التي نالت مؤخّراً اعترافاً دولياً، تقديم العون لهم، لكن حداثة المؤسّسة وقلّة مواردها المالية، لا تمكّنها من تغطية هده المشاكل.

 

يقول مدير قسم الراديو في الهيئة ثائر الطحلي لصُوَر: "لم أتواصل حتى الآن مع الرابطة من أجل العمل، أنا متأكّد أنهم لن يقصروا بذ لك، فنحن نتعاون سوية من أجل تطوير عملها، لتصل لمرحلة تستطيع تقديم جميع الخدمات لأعضائها".

 

ويضيف: "تواصلت الرابطة معي بعد سماع خبر الإغلاق، واهتمّوا للأمر، سابقاً قدّموا العون لصحفيين تركوا عملهم، لكن المشكلة أكبر من قدرتهم، فرابطة الصحفيين مؤسّسة ناشئة، نتعاون كلّنا لتطويرها".

 
- - - - - - - - - - - - - - - - - -
 

 

 

خفض التصعيد يشجع النشاط المدني بمحافظة درعا ويثير مخاوف إسرائيل

 

كمال السروجي

 

أعلنت الحكومة الأردنيّة الشهر الفائت، عن اتّفاق مع الحكومتين الأمريكية والروسية، لتأسيس مناطق لخفض التصعيد جنوبي سوري في محافظتي درعا والقنيطرة، وتثبيت وقف إطلاق النار. وقّعها مندوبون عن الدول الثلاث في العاصمة عمان.

 

واعتبرت الحكومة الأردنية الاتّفاقية خطوة هامّة ضمن الجهود الرامية لوقف أعمال العنف في سوريا، وإيجاد البيئة الملائمة لتحقيق حلّ سياسي دائم في البلاد.

 

يأتي الاتّفاق ضمن الترتيبات التي اتّخذت في شهر تمّوز الفائت لدعم وقف إطلاق النار على خطوط التماس، والتي بدأت المفاوضات حوله خلال شهر أيلول.

 

ويعتبر الكثير من السكان المحلّيين أن الاتّفاقية تأتي في إطار الضغط على فصائل المعارضة، وتكبيلها بقيود واتّفاقيات تمنعها من تنفيذ أعمال عسكرية ضدّ النظام  مستقبلاً، بما يضمن تثبيت سيطرته العسكرية على غالبية سوريا، وتوطيد أركان حكمه.

 

وكان نشطاء قد حذّروا من أن النظام يخطّط بعد انتهاء عملياته في دير الزور، للانتقال نحو إدلب لتحجيم دور جبهة النصرة بمساندة روسية وإيرانية، وباتّفاق تركي روسي يضمن ذلك، ثم الانتقال لجنوبي سوريا، للبدء بمعارك جزئية تتوسّع حتى يتمّ السيطرة على كامل محافظتي درعا والقنيطرة، وصولاً للحدود الأردنية والإسرائيلية.

 

 

استمرار المناوشات

حقّقت الاتّفاقية تخفيضاً ملحوظاً لإطلاق النار، باستثناء بعض الجبهات المشتعلة كجبهة حي المنشية بدرعا البلد، وبيت جن التي لم يوقف النظام استهدافها ومحاولة السيطرة عليها، لما لها من أهمية استراتيجية بالنسبة له.

 

نتيجة للمناوشات أعلنت اللجنة الشرعية، المسؤولة عن الأمور الدينية في مدينة درعا، عن إلغاء صلاة الجمعة في كافة المساجد حفاظاً على سلامة المدنيين للأسبوع الثالث على التوالي، كون المنطقة تشهد مناوشات مستمرّة واستهدافاً للمدنيين من قوات النظام.

 

على صعيد اخر مكّنت الاتفاقية فصائل المعارضة من تركيز أعمالها العسكرية ضد تنظيم داعش، الذي يتحصن في وادي اليرموك على الحدود السورية الإسرائيلية الأردنية، بعد سيطرتهم على منطقة اللجاة الوعرة بين محافظتي درعا والسويداء بشكل كامل.

 

وذكرت مصادر مطّلعة لمجلّة صُوَر أن عدد عناصر تنظيم داعش يقارب 1500 عنصر، حوالي 40 بالمئة منهم من جنسيات عربية وأجنبية، وغالبيّتهم يحتلّون مراكز قيادية، والباقون من عناصر حركة "المثنّى الإسلامية" و"لواء شهداء اليرموك"، اللذين تحالفا مع بعضهما وشكّلوا لواء خالد بن الوليد.

 

وقد تأسّس لواء شهداء اليرموك في عام 2012 من مئتي عنصر بقيادة محمد البريدي، الدي كان معتقلاً في سجون النظام لأسباب مجهولة، ليطلق سراحه مع بداية الثورة في عام 2011.

 

يمتلك التنظيم إمكانيات مالية كبيرة، إضافة لسيطرته على مقدّرات المنطقة الزراعية والحيوانية، ويحاول اجتذاب السكان المحلّيين بتقديم المغريات المالية لهم.

 

تسرّبت عناصر أجنبية من شمال وشرقي سوريا عبر البادية في السنوات السابقة، بعد رحلة طويلة تدفع فيها مبالغ مالية كبيرة لتأمين وصولها للمنطقة.

 

عودة الحراك المدنيّ

أدّت اتّفاقية خفض التصعيد لتخفيف حدّة الغارات الجوية التي تستهدف للمدنيين، الأمر الذي أتاح عودة حياة المدنيين لحالة شبه طبيعية، وعودة النشاط للشوارع: فقد خرج أهالي مدينة إنخل شمال غربي درعا، بعدة مظاهرات طالبت بفكّ الحصار عن المدنيين في مدن وبلدات غوطة دمشق الشرقية، ونفّذ أهالي بلدة نمر عدّة وقفات تضامنية للتأكيد على أهداف الثورة السورية وللتنديد بمؤتمر "الرياض 2"، ومشاركة منصة موسكو المقربة من النظام في المؤتمر.

 

وتستمرّ التجمّعات المدنية بنشاطاتها مستغلّة حالة الهدوء، إذ أعلن عن تأسيس نقابة المهندسين الزراعيين في مدينة طفس، والتي تشكل عامل قوة إضافية للمؤسّسات المدنية في المحافظة الغنية زراعياً.

 

كما أقيم "مؤتمر حوران الثوري"، وتمّ إجراء انتخابات تشكّل من خلالها مجلس جديد، متزامنة مع عدّة نداءات بضرورة انتخاب مجلس عسكري وتوحيد الكلمة العسكرية أسوة بالتجمّعات والتحالفات المدنية التي يتمّ انتخابها.

 

ونظّم نشطاء في القنيطرة عدداً من المظاهرات والوقفات الاحتجاجية، للتنديد بمخرجات مؤتمر الرياض2، مطالبين بإسقاط النظام ومؤسّساته الأمنية، مؤكّدين ألا حوار مع النظام في ظل الحصار والقصف والتجويع.

 

مخاوف إسرائيلية

أبدت إسرائيل معارضة مستمرّ لاتّفاق خفض التصعيد، بسبب تهديده لأمن إسرائيل، وتناقضه مع سياستها الأمنية تجاه الصراع السوري، لأنه لا يقدّم ضمانات لجعل القسم السوري من الجولان منطقة عازلة تحت النفود الإسرائيلي، لضمان إبعاد القوات الإيرانية عن حدود إسرائيل. إضافة لتخوّفات إسرائيلية من تمدّد وبقاء القوات الروسية. فضلاً عن كون  الاتّفاق يحدّ من تحرّكات إسرائيل الجوية، التي استباحت السماء السورية، مستهدفة مواقع للنظام السوري وحزب الله، رغم تنسيقها مع القيادات الروسية.

 

التخوّفات تأتي في ضوء انتشار عناصر من الشرطة العسكرية الروسية في مناطق سيطرة النظام بدرعا، والزيارات المتكرّرة التي يقوم بها ضباط روس لمدينة السويداء، ومحاولتهم التقرّب من المجتمع المحلّي عن طريق تقديم مواد إغاثية. فضلاً عن معلومات عن نيّة روسيا تحويل مطار الثعلة في محافظة السويداء، الذي يبعد قرابة 55 كم عن الحدود السورية الإسرائيلية، لقاعدة جوّية روسية، ونشر منظومات صاروخية متطوّرة فيه (إس 300 وإس 400)، إضافة لنشر قوات عسكرية روسية في محيط المنطقة لحمايته.     

 



12 كانون ثاني 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة