728 x 90

الجامعات السورية: تَسرُّب المُدرّسين والحاجة تدفع الطلاب للبحث عن حلول

1857125750.jpg

 

 

لا تنفصل الجامعات الواقعة في مناطق سيطرة النظام السوري عن واقع أي مؤسّسة حكومية أخرى، تردّي واقعها والفساد الإداري أصبح منتشراً على نظاق واسع، إضافة للمخاوف الأمنية من الاعتقال لأي سبب يشكّل هاجساً للطلاب شباباً كانوا أم شابّات، خصوصاً ممّن ينتمي لمناطق خارجة عن سيطرة النظام.

 

يقول جمال طالب في كلّية الطبّ بجامعة الأندلس الخاصة في منطقة القدموس التابعة لمحافظة طرطوس "رغم أن أبي هو ضابط طبيب متقاعد كان يعمل في مشفى تشرين العسكري، ويسكن في دمشق، وليس له أي نشاط سياسي، وأنا كذلك، إلا أنه تمّ اعتقالي مرتين في فرعي الأمن السياسي والعسكري بطرطوس، لمدة أسبوعين، بداعي الاستجواب والتحقيق، وعلمت لاحقاً أن الاعتقال الأول كان نتيجة وشاية من أحد موظّفي الجامعة".

 

ويتابع "كنت سابقاً أرغب بعد التخرج بالتخصّص والبقاء للعمل في عيادة والدي بدمشق، لكنني الآن أرغب بالسفر نحو أي مكان، فالوضع لم يعد يُطاق (بمشي الحيط الحيط ياربّ السترة، وما خلصت)".

 

أمّا سارة إحدى طالبات كلية العلوم بدمشق: "عددنا في السنة الرابعة نحو مئتي طالب وطالبة، معظمنا من الإناث، الكثير من الشباب إمّا استشهدوا، أو التحقوا بالجيش الحرّ وقوات النظام وميليشياته، ومنهم من سافر دون إنهاء دراسته".

 

 

تكاليف الدراسة تدفع الطلاب للعمل

 

نتيجة تردّي الأوضاع المعاشية أصبحت متابعة التحصيل الجامعي أمراً صعب المنال للكثيرين، نتيجة ارتفاع أجور السكن الخاصة للطلاب، وعدم إمكانية الحصول على غرف في المدينة الجامعية، نتيجة سيطرة بعض المليشيات الموالية للنظام على الكثير من أبنيتها، ما حرم آلاف الطلاب من الحصول على سكن رخيص نوعاُ ما رغم رداءة خدماته.

 

السيدة نورا كيوان مدرّسة من مدينة حماة تقول لـ مجلّة صُوَر  "لدي بنت وابن يدرسان بجامعة دمشق، يحتاجان شهرياُ حوالي ثمانين ألف ليرة بالحدّ الأدنى، لولا وجود أخوالهم في السعودية الذين يتكفّلون بمصروفهم الشخصي، لكانا عاجزَين عن متابعة دراستهم هناك". ونتيجة صعوبة الحياة، انتشرت ظاهرة العمل بين طلاب الجامعات إلى جانب الدراسة، على خلاف المألوف سابقاً خصوصاً بين الإناث.

 

هيا طالبة في قسم اللغة الإنكليزية بجامعة حلب "سابقاً ثقافة عمل البنت أثناء الدراسة الجامعية لم تكن مألوفة بل ومرفوضة، أمّا اليوم فأصبحت أكثر شيوعاً، فأنا أعمل على سبيل المثال كمدرّسة خاصة، هذا الأمر يؤمّن لي دخلاً يتجاوز الخمسين ألف ليرة سوريّة، يساعدني على متابعة دراستي، ويرفع العبء المادي عن أهلي".

 

وتتابع "صحيح لم يكن الأمر مألوفاً سابقاً، لكن الحرب قوّتنا ودفعتنا لتجريب أمور جديدة، اكتشفنا أنها مفيدة جداً لنا كنساء، فعملي أعطاني استقلالاً مادياً، وزاد ثقتي بنفسي، هذه التجربة تدفعني للتفكير بمشاريع أكبر في المستقبل القريب، العمل مع الدراسة فرضته الحرب علينا، لكن رُبّ ضارة نافعة".

 

أمّا سمية هناني طالبة بكلّية السياحة بجامعة البعث فتقول لـ صُوَر  "أعمل كنادلة في مقهى بمدينة حمص يومي الجمعة والسبت، رغم صعوبة الأمر في البداية، وعدم تقبّل المجتمع له كثيراً، لكنه أمر جيد يعطيني خبرة عملية تضاف لدراسي الجامعية".

 

مصير أساتذة الجامعات

 

أدّت الحرب الدائرة في السنوات الماضية، والمضايقات الأمنية التي تفرضها الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، لفرار وسفر الكثير من أساتذة الجامعات السوريين، إلى خارج البلاد، وفي وقت سابق صرّح وزير التعليم العالي في حكومة النظام عاطف النداف إلى أنّ نسبة تسرّب أعضاء الهيئة التدريسية على مستوى الجامعات تقدّر بـ 20 بالمائة، وأنّ معظمهم غادر تحت تأثير ظروف وتداعيات الأزمة التي تشهدها البلاد، في حين أن أرقاماً غير رسمية تشير إلى أن النسبة تفوق الـ 40 بالمئة.

 

المهندسة (هبة.ع) اسم مستعار للضرورة الأمنية تعمل في كلية الهندسة الميكانيكية بجامعة حلب تقول لمجلّة صُوَر "قبيل عام 2011 كان هناك ما يقارب 127 من حملة شهادة الدكتوراه في الكلية بثمانية أقسام حتى عام 2017 خرج منهم حوالي 45 بالمئة، قاصدين مختلف دول العالم، وخصوصاً بلدان الإيفاد التي أكملوا دراساتهم العليا فيها، كاليابان فرنسا وألمانيا وإنجلترا.

 

وتتابع "هذه الخسائر فقط في الكادر التدريسي من حملة شهادة الدكتوراه، أمّا في مستوى المهندسين والفنّيين العاملين، فتجاوزت النسبة 50 بالمئة، منهم من هرب بسبب الملاحقات الأمنية، كونه من أبناء المناطق الثائرة في وجه النظام، رغم أن الكثير منهم لم يشارك بأنشطة مناهضة، ومنهم من هرب بسبب طلبه لأداء الخدمة الإلزامية، ومنهم من خرج باحثاً عن مستقبل أفضل". وتضيف، هذا الواقع المتردّي من حيث نقص الكوادر التدريسية دفع مسؤولي الجامعة للجوء لطلاب الماجستير والدراسات العليا لتدريس طلاب الكلية".

 

أمّا محمد علي موظف في إدارة شؤون العاملين فيقول لمجلّة صُوَر "العشرات من المدرّسين الجامعيين تقدّموا بطلبات نقل نحو الجامعات المتركّزة في مناطق أكثر أمناً كجامعة تشرين في اللاذقية والبعث في حمص، وأصبحت الرشاوى التي وصلت لمبالغ تزيد عن مليوني ليرة سوريّة للحصول على موافقة النقل من الوزارة أمراً مألوفاً بين صفوف المدرّسين".

 

أحوال الموفَدين

 

يمتنع غالبية الموفَدين من الجامعات السورية عن العودة إلى سوريا بعد انتهاء مدة إيفادهم، وحسب أرقام صادرة عن وزارة التعليم العالي فإن ما يزيد عن 80 بالمئة منهم لم يعودوا، فغالبيّتهم يفضّلون البقاء في دول الإيفاد، رغبة منهم بمتابعة العمل والاستقرار في هذه البلاد، ما أدّى إلى خسائر كبيرة لكوادر الجامعات من الناحية المادية والعلمية".

 

يقول عمران زادة الموفد السابق من جامعة دمشق في ألمانيا لمجلّة صُوَر "إلى أين سأعود؟! أنهيت إيفادي في عام 2012، وفي نفس العام اضطرّ جميع أفراد أسرتي للنزوح نحو الأردن، إذا قرّرت العودة علي أن أدفع ثلاثة أضعاف ما أنفقته الجامعة عليّ، وهو مبلغ يقدر بعشرات آلاف الدولارات، حتى أجمعه في ألمانيا علي أن أعمل لعشر سنوات متواصلة. قبل سفري للإيفاد وضعت أرضاً كبيرة وعدّة منازل لأخوتي كرهن لإتمام عقد الإيفاد الموقّع مع الجامعة، أصدرت الحكومة قراراً بالحجز على جميع هذه الأملاك في عام 2015، اليوم لم أعد مهتمّاُ لا أنا ولا أهلي بما صدر من قرارات، لأننا لا نستطيع العودة لمدينتنا على كل الأحوال".

 

 

شروط قاسية للحصول على إذن السفر

 

نتيجة حالة التسرّب الكبيرة الحاصلة في كوادر الجامعات السوريّة، أصدر مجلس التعليم العالي في عام 2017 قراراً يفرض على طلاب الدراسات العليا الحصول على موافقة الأستاذ المشرف وعميد الكلية لتقديمها لإدارة الهجرة والجوازات للحصول على إذن سفر، إلى جانب موافقة شعبة التجنيد بالنسبة للذكور، وشكّل القرار صفعة كبيرة للكثير من الشباب الراغبين بالسفر لتحسين حياتهم وكفاءتهم، أو من ناحية السفر بداعي تجنّب الخدمة الإلزامية في جيش النظام.

 

يقول رامي وهو طبيب يعمل في مشفى الأسد الجامعي في اللاذقية "أثناء عملي في المشفى كنت أدرس اللغة الألمانية، رغبة منّي بالسفر لألمانيا لمتابعة تخصّصي، ولكن القرار تسبّب بتأخّري عن مقابلتي مع السفارة الألمانية في بيروت، وتسبّب بتأجيل سفري للعام القادم، ورتّب عليّ أعباء مالية جديدة تزيد عن ثلاثة آلاف يورو".

 

وفي المقابل نتيجة محدوديّة مقاعد الدراسات العليا في الجامعات السورية، أصبح حجزها مجال تنافس بين الشباب لشغل أحد مقاعدها ليس حباً بمتابع التحصيل العلمي ولكن للحصول على تأجيل الخدمة الإلزامية.

 

تقول ريما طالبة دراسات عليا في كلية التربية بجامعة البعث للمجلّة "يطلب الكثير من زملائنا الشباب من الطالبات غير الراغبات بمتابعة الماجستير التنازل لصالحهم عن المقعد المخصّص، فقط من أجل الحصول على إشعار تأجيل الخدمة العسكرية، ووصل الأمر ببعضهم لعرض مبالغ مالية علينا لقاء ذلك، فالماجستير هو سبيل النجاة الوحيد بالنسبة لهم للهروب وتأخير الخدمة الإلزامية.

 

الجامعات الخاصّة

 

مع بداية تسلّم بشار الأسد الحكم في عام ألفين، أصدر عدّة قرارات تقضي بافتتاح جامعات خاصّة، والتي أصبحت استثماراً كبيراً ورائجاً لعدد من كبار رؤوس الأموال السورية والمغتربة، وانتشرت على الخارطة السورية العديد من الجامعات الخاصّة، ووصل عددها إلى ستّ عشرة جامعة خلال سنوات قليلة، ورغم معارضة الكثيرين من الأكاديميين لها، بحجّة أولويّة التعليم الحكومي وتطويره في بلد طالما عرف بمجانية تعليمه، إضافة لعدم وجود الكفاءات العالية الكافية.

 

بالمقابل رأى آخرون من مؤيّدي القرارات هذه أنها مفيدة لسوريا، لأنها تساهم في رفع سويّة التعليم، وتوفّر القطع الأجنبي لخزينة الحكومة السوريّة، والتي كان يدفعها الطلاب السوريون المقتدرون مادياُ في الخارج.

 

الوضع السائد في البلاد دفع الحكومة لإصدار قرارات تشمل إغلاق ونقل بعض الجامعات الخاصّة خصوصاً في محافظتي درعا وحلب نتيجة وقوعها على خطوط الاشتباك، خفض ثقة الناس بها، كما أن فرض العمل على مدرّسي الجامعات الحكومية بالعمل بالجامعات الخاصة أيام العطل فقط، انعكس على سويّة التعليم، وخفض أعداد المؤهّلين فيها.

 

نور طالبة بجامعة الحواش الخاصة بريف حمص تروي للمجلّة "في عامي 2015 و2016 توقّفت عن دراستي نتيجة صعوبة الوصول من الحسكة إلى حمص، وفي عام 2018 عاودت دراستي، لكن هناك صعوبات كبيرة، أبرزها رفع الأقساط السنوية وغلاء السكن، الأمر الذي يعتبر صعباً حتى على الأغنياء".

 

التوسّع الجامعي

 

انتهجت الحكومة السوريّة بعد عام 2012 سياسة التوسّع الجامعي نحو المناطق الأكثر خضوعاُ لسيطرته، فجاء قرار إنشاء جامعة طرطوس، إضافة للتوسّع بجامعة تشرين في اللاذقية.

 

هذا القرار اعتبره الكثيرون، أنه جاء على خلفية خسارة النظام الكثير من مناطق سيطرته، إضافة لمخاوفه السابقة حول خروج كامل مدينة حلب عن سيطرته ومن ضمنها جامعتها، والتي تُعتبر من أفضل الجامعات السوريّة.

 

يقول المحامي عبد الله كركوتلي لمجلّة صُوَر "افتتاح جامعة طرطوس وامتدادها للمدن والبلدات المجاورة يأتي ضمن خطّة كبيرة لإعادة الهندسة الديموغرافية لمراكز الثقل في سوريا، باتّجاه مناطق يضمن ولاءها له حاضراً ومستقبلاً".

 

وتشهد جامعة طرطوس انتقادات واسعة في صفوف الطلاب، نتيجة قلّة الكوادر التعليمة عالية التأهيل، وضعف البنية التحتيّة والتجهيزات المخبرية.

 

يقول علي وهو مهندس يعمل في إحدى كليات الهندسة فيها لمجلّة صُوَر "غالبية الأبنية عبارة عن مدارس قديمة تمّ تأهليها على عجل، لا شيء يدلّ على أنها مؤسّسة تعليم عالٍ سوى اللافتة الموضوعة على بابها".

 

ويتابع "هناك سياسة غير مدروسة من ناحية افتتاح اختصاصات جديدة لا مستقبل لها على المدى المنظور في ظل الواقع السيّئ الذي نعيشه، على سبيل المثال افتتحوا كلّية للهندسة البحرية، ليس لدينا مخابر مؤهّلة ولا كوادر، ولا يُسمح لنا بالسفر بحراً لتدريب الطلاب فما الطائل منها؟!".

 

 



12 شباط 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة