728 x 90

الثقافة والقاع: حضيض الثقافة في وحول الاستعراض

3343957312.jpg

 

في مطالع العام 2000، روى لي أحد الموظفين الحكوميّين أنه وفي إحدى دور الأيتام واللقطاء في دمشق، كان هناك حديقة شاسعة حول المبنى ، وأنه رأى ذات يوم قطّة تنبش تراب الحديقة بطريقة غريبة كما وصفها لي، كانت تزيح التراب وكأنها أمّ تخلع الأطفال عن ملابس طفلها الرضيع، أدهشني وصفه فأصغيت بشغف كي يتابع القصة.

 

راقب القطّة بحذر، وكانت المفاجأة حين نبشت تلك القطّة عظام كائن تشبه القفص الصدري للإنسان، كان هيكلاً عظمياً لطفل رضيع في أيامه الأولى، ثم روى لي أنه عرف كيف دُفِن هذا الطفل في تراب الحديقة على عجل وتحت جنح الظلام، فلقد وجدت دورية للشرطة الجوّالة الطفل مرمياً بالقرب من مئذنة جامع في إحدى ضواحي العاصمة وكان عمره لا يتجاوز الساعات، وبدلاً من التوجّه به نحو المشفى، تمّ ارساله حسب الأصول إلى دار اللقطاء؛ ليتمّ استلامه كأي خردة، وفي الدار كان المناوبون ضجرين، فأدخلوا الطفل ورمَوه على سرير مهمل حتى الصباح، حيث وجدوا جسده الصغير وقد فارق الحياة، فسارعوا إلى دفنه على عجل في الحديقة لصغر حجمه، ويبدو أنهم تعوّدوا ذلك مع المواليد اللقيطة التي لا تقاوم الإهمال وانتهى الأمر .

 

في حديقة الثقافة العربية والسورية المعاصرة، سنجد مستقبل أجيال كاملة وقد دُفن بالطريقة نفسها، قُلْ مستقبل بلاد بأسرها، مستقبل الذين ولدوا في حضيض الاستبداد بلا ذنوب سوى أنهم يصرخون طلباً للضوء والهواء والماء والغذاء كأي عضاءة تحت الشمس.

 

لم تقترب الثقافة السورية في العشرين عاماً المنصرمة من هذا القاع، إلا كبريستيج شكلاني لأهداف تسوّق للعمل الأدبي أو الفني أو الثقافي، وفق منظومة شرسة لا تقترب من جذور الاستبداد، تلك التي ترسو في قاع المجتمع، وبالتالي فقد ذهبت نحو محاكاة شكلانية تسويقية باردة ولزجة في اقترابها من الأفكار الكبيرة والصغيرة، فأصبح ماركس طائفياً، وأنجلز مناطقياً، ونيتشه مدافعاً عن تفوّق العائلات العريقة، وميكافيلي مهندساً لتوالد الاستبداد، وأصبحت ذروة الحوار الوجودي مناظرة تلفزيونية بين المفتي العامّ والعلمانيّ الذي اكتشف مادية التاريخ متأخراً، واعتبر أن تناصّه مع مادية التاريخ فتحاً جديداً في الفلسفة، والحلّاج موضوعاً للتطّهر النخبوي، وعناوين كبرى كالحرية والديمقراطية والحداثة وما بعدها، ككلمات ميتة يجدل من جلدها سياط القمع والاستبداد، وأصبح تدجين الثقافة لا بدّ وأن يعبر في أنفاق الاقتراب الشكلاني ذاك من القاع، الاقتراب الحذر والنفعي والوصولي، فأنتجت الثقافة نجوماً تحت قبّة الاستبداد، ولم تُنتج آفاقاً وظواهر تشبه أحلام المقهورين أو تنبع منها للتغيير .

وازدحمت كواليس التسعينيات بالطامحين للنجومية في الأدب والسينما والدراما التلفزيونية والصحافة الإلكترونية بسوبرمانات جُدد يجلدون طموح القاع الاجتماعي بسياط الاستبداد المقلوب، ولينتجوا تياراً جارفاً من الانحطاط المغلّف بخطابات الحرية والديمقراطية دون أن نسمع بين سطور ما نقرأ أو نشاهد ملامح الطموح المخنوق للقاع الاجتماعي في ما يتراكم حولنا من نتاج يتصدّر المشهد ، بعد أن تمّ تحويل القاع الشاسع إلى مشهد في خلفية صورة الأبطال اللاهثين إلى النجاة بأنفسهم وبنصوصهم من المهزلة إلى المهزلة، وأصبحنا على أعتاب بربرية جديدة، إذا صحّ التعبير، تقوم على تقويض العقل وتحطيمه واستلاب أدواته وأمام فلسفة تصارع الغايات الملتصقة على جلدها كرخويّات تمتصّ دمها الحيّ، والشعر مهنةً أكثر انتشاراً من جوّالي الشوارع على أرصفة المدن المقهورة طالبين الاعترافَ بأكفّ مفتوحة، وهم يحلمون بغواية رامبو بكتابة الشعر وتجارة الرقيق والسلاح، بينما أدخل المسرح /ذلك البرلمان الإنساني العظيم/ إلى قفص التمويل وإعادة التدوير وأصبح متّهماً يحاكمه الألم ويحرسه الجنود، وبدا الحبّ مهتوكاً بالمعرفة وهو الذي لا يُعرّف، وبات الغبار البلاستيكي أكثر أصالة من التراب.

 

لم يكن مستغرباً أن يهجس محمد الماغوط أواخر أيامه بالخوف، ويعلن عن خيانته للأوطان التي نهشته بشراسة، منتهياً في بيته الصغير في دمشق وهو يلعن قاتليه .. بينما كان أحد الشعراء السوبرمانات يزوره أواخر أيامه ليعود ويحدّثنا في المقهى عن خَرف الشاعر الكبير بسخرية موجعة ..

 

كذلك استفاق في سعدلله ونوس شغف الكتابة مجدّداً في سباق مع الموت الزاحف نحو جسده الهزيل، ليكتب بزخم العاشق المتأخّر إنها ( بلاد أضيق من الحبّ ) .

 

وهكذا فعل الثعلب المشاكس في روح ممدوح عدوان، الذي أنبأه مبكراً بزحف الموت نحو الرافضين لعار الخوف، فصرخ ضد دفع الإنسان إلى الحيونة، بينما قاوم أنطوان مقدسي الموت حتى اللحظة الأخيرة، محمولاً على كرسيه المتحرّك إلى مكتبه البسيط في وزارة الثقافة، محاولاً نبش عظام النصوص التي يتمّ دفنها خلسة في أروقة سجلّات الوزارة، لقد كان الدافنون كُثُر وهو فارس وحيد وبلا أقدام.

 

ثمّة الكثير من التجارب الجادّة بكل تأكيد، لكنها بقيت أعمالاً فردية مخنوقة في تيار التسويف المعمّم، كأنها خيط من الزبد المتدلّي من بين شفاه البلاد المخنوقة، أمّا أصحابها ، فمَن نجا من السرطان قتله الشلل، ومَن نجا من الخوف قتلته العزلة، ومَن نجا من العزلة قتله الابتذال حيّاً، فأصبح ناطقاً باسم الثقافة، كسبارتكوس معاصر بلباس السوبرمان المحلّق فوق القاع الاجتماعي، بينما الكاميرات تلاحقه حتى نهاية المشهد في براح الاستعراض .

 

يقول القاع ما لا تظنّه الثقافة المتصدّرة للتعبير عنه .

 

إن العقل النابت من مجاهل القاع، من أعماق التهميش والتفقير والتجويع هو عقل هجومي وحيويّته فارقة، وكل مقدّرات العالم المعاصر عبر وسائل الإعلام والجيوش والمخابرات والجمعيات والتروستات والمنظمات والأقمار الصناعية، مرسّخة من أجل خنق هذه الهجومية النبيلة في شغفها لأخذ الحياة، خطفها وإعادة تدويرها في سياق المشهد.

 

تجهد الثقافة المعاصرة لكي تثبت أن هذه الهجومية خطرة على استقرار العالم، بينما يتمّ حشر الفقراء في أنابيب الوعي المعمّم بقوة الحصار المريع عبر الإعلام والثقافة التابعة له.

إن الطابع الهجومي لهذا العقل في وعي المهمش للعالم، يحمل في جوهره شغف الحياة، العدوّ الأول لاستقرار العالم بصدقيّته المتوحشّة .

 

يطلّ العقل المقهور من نوافذ المدن المدمّرة ليلحظ الضوء أول الفجر، بينما تزدحم ليالي المدن المُبهِرة بأضوائها المشعّة البرّاقة، وهي تحمل خرقاً ملوّثة بالدم ملوّحة بها أمام أنظار المتفرّجين؛ لكي تقول هذا ما نجا من ذاك الحضيض، إنه بحوزتي .. !

 

قبل أن تتهاوى في نهاية الاحتفال إلى مزابل المدن المعاصرة .

 

يعبّر غارسيا نصّار في رواية ( قصّة موت مُعلَن ) من أمام شرفة العمّة وهو يحمل أحشاءه المندلقة خجلاً، ليتذكّر أنه لا يجب أن يغفل إلقاء تحيّة المساء.

 

مساء الخير .. لقد قتلوني يا عمّة !

 

ويتابع طريقة خجلاً من الموت .

 

 

 

 



10 شباط 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة