728 x 90

التنوّع الثقافي والوحدة الوطنيّة (1)

1805729784.jpg

 

هل الثقافة هي ما جعلت الإنسان إنساناً، كما رأى عدد غير قليل من المفكّرين، أم هي شكل وجود الإنسان وحضوره في العالم وفي التاريخ، اللذين هما عالمه وتاريخه، ومن إنتاجه؟ نحن نميل إلى الافتراض المضمر في الشقّ الثاني من السؤال، لاعتقادنا بأن الثقافة، بمعناها الواسع، هي الطريقة الوحيدة، التي يُفصح بها الإنسان عن طبيعته الإنسانية، أو عن خصائصه الفردية – النوعية، ويظهرها، ويضعها، في الطبيعة، وفي العالم، (خارج ذاته)، فتكفّ الطبيعة بذلك عن كونها خارجيةً، ويكفّ العالم عن كونه خارجياً، ويصير الداخل والخارج، الذات والطبيعة، أو الذات والعالم، وجهين متلازمين للكينونة الإنسانية، الفردية – النوعية، ويكون الغرق في "الداخل" شرّاً وخطراً على الذات، وعلى آخرِها، مثل الغرق في "الخارج" أو الذوبان فيه.

 

فإذ يشترك الإنسان مع جميع الكائنات، الحية وغير الحية في الأفراديّة والتنوّع والاختلاف، إنما يمتاز من جميع الكائنات الحية، ويسمو عليها جميعاً، بقابليته لـ "التحسّن الذاتي" وقدرته على ذلك؛ وبهذا يكون الإنسان طبيعة تعي ذاتها، وتتجاوز ذاتها باطِّراد. ومن البديهي أن وعي الذات، كما هي، في العالم وفي التاريخ، هو علُّة التجاوز، أو سببه الرئيس، وعلّة الانتكاس والتقهقر أيضاً. فقد يكون الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يستطيع التحكّم في غرائزه كفَّاً أو كبتاً، وإطلاقاً أو إشباعاً، كما يستطيع تهذيبها وأنسنتها باطّراد، لتتماشى مع سيرورة نموه وارتقائه، سيرورة تحضُّره وتمدُّنه، لذلك يصعب تعيين الحدود المفهومية والواقعية، الفاصلة / الواصلة بين كل من الثقافة والحضارة والمدنية.

 

فإذا كانت الأفراديّة والتنوّع والاختلاف من أبرز خصائص الطبيعة البشرية، ولا نحتاج إلى البرهنة على كونها من أبرز خصائص العالم، وخصائص الواقع المعيشي، هنا والآن، فإنها، أي الأفراديّة والتنوّع والاختلاف، من أبرز خصائص الثقافة، على نحو ما عرّفناها أعلاه. العالم الذي ندركه بحواسنا وبصائرنا وأفهامنا، هو عالم الأفراد، عالم أفراديّ، كل فرد من أفراده ينتمي إلى نوع مختلف عن سائر الأنواع الأخرى، لكن الاختلاف لا يقتصر على الأنواع، بل يتعدّاها إلى اختلاف الأفراد من كل نوع أو جنس، أو رتبة أو صفّ .. إلخ. فإذا أمعنّا النظر في "الواقع" يتبيّن لنا مباشرة أن الفرد محدود بالنوع، الذي ينتمي إليه، وأن الاختلاف محدود بالتشابه بين أفراد النوع، فالأفراديّة، من ثمّ، ليست مطلقة، والاختلاف ليس مطلقاً (ولا نستطيع أن نجزم في نسبيّة التنوّع، وإن اعتبرناه حدّاً على الأفراديّة، على نحو ما يكون المطلق حدّاً على النسبيّ). هذه النتيجة هي القاعدة الموضوعية للبحث في أفراديّة الثقافة وتنوّع الثقافات واختلافها. وهذه القاعدة الموضوعية، وهي قاعدة أخلاقية، في الوقت نفسه، هي ممّا يستدعي إدراج الحقوق الثقافية في منظومة حقوق الإنسان، لأننا نتحدّث عن أفراديّة في مجتمع ودولة، يجعلان من الأفراد ذوات فردية حرّة ومستقلّة كيانيّاً، إذ لا فردية خارج الجماعة والمجتمع أو بمعزل عنهما. التفريق بين الأفرادية، وبين الفردية، التي تدلّ على حرّية الذات الإنسانية واستقلالها، بما هي مشروع تحقُّق كيانيّ، تفريق ضروري، تمليه حدود المجال الذي يتحرّك فيه تفكيرنا، نعني المجال الاجتماعي – الإنساني، أو المجال الوطني – الكوني، بالتعبير السياسي.

 

 

إن طبيعة الثقافة ذاتها، باعتبارها شكل انفصاح الطبيعة الإنسانية، شكل انفصاح الذات الإنسانية، بالمفرد والجمع، وشكل حضورها الذاتي – الموضوعي، في العالم وفي التاريخ، كما تقدّم، هي التي تكشف لنا عن تضايف الاجتماعي والإنساني، فتجعلنا نقول: اجتماعي – إنساني، وعن تضايف الوطني والكوني، فنقول: وطني - كوني. التضايف، بالتعريف، هو أن يحيل كل من المتضايفين على الآخر إحالة ضرورية، بحكم العلاقة الضرورية المتبادلة بينهما، وهي علاقة تحديد متبادل: الاجتماعي، هنا، هو شكل تعيّن الإنساني أو شرط إمكانه، والإنساني هو مضمون الاجتماعي وشرط نموه وارتقائه، وكذلك، الوطني هو شكل تعيّن الكوني (ولا بأس أن نقول الأممي أو العالمي) أو شرط إمكانه، والكوني هو مضمون الوطني وعامل نموّه وارتقائه، وإلا نكون في العزلة والانعزال أو الاحتباس الذاتي، إن لم نكن في العنصرية.

 

نريد من هذه المقدّمات أن نصف واقع الثقافة في سوريا، و"الثقافة السورية" ذاتها، انطلاقاً من الخصائص الأساسية للثقافة، نعني الأفراديّة والتنوّع والاختلاف، التي نزعم أنها تؤسّس الحياة الاجتماعية – الإنسانية، والحياة السياسية (الوطنية – الكونية)، وأن نكشف، من ثمّ، عن الآثار الكارثية التي نتجت من عمليات إلغاء الفرديّة والتنوّع، ومحاولات السيطرة على الاختلاف، التي مارستها سلطة طغيانية شمولية، منذ عام 1963.

 

من المؤكّد أن في إرادتنا هذه كثير من التبجّح والغرور، لأن وصف واقع الثقافة في سوريا، ووصف "الثقافة السورية" ذاتها، هو مشروع جماعي، يتعدّى مقدرة فرد أو عدد قليل من الأفراد، ويحتاج إلى ورشات تفكير كثيرة ومختلفة. لذلك، نريد أن ندعو إلى وصف واقع الثقافة في سوريا، باعتباره شرطاً لإمكان الحديث عن ثقافة سوريّة، يمكن أو لا يمكن، وصفها بالثقافة الوطنية – الكونية، وفقاً لمعايير متّفق عليها عالمياً.

 

في سياق الدعوة إلى وصف واقع الثقافة في سوريا، سنفترض أولاً، أن السوريين (والسوريات بالطبع) توقّفوا، منذ عام 1958 عن إنفاق رأس المال الثقافي، الذي تشكّل في الفضاء الزماني – المكاني السوري، في المرحلة الليبرالية، سوى على صعيد فرديّ وهامشيّ، أو هامشيّ لأنه فرديّ، شخصيّ، واكتفوا باستهلاك العلف العنصري، الذي قدمه لهم، بل فرضه عليهم حزب البعث العربي الاشتراكي، بعسكرييه ومدنييه، وأعلاف عنصرية مشابهة، قومية وإسلامية واشتراكية، بل شيوعية[1]. ومن المعروف أن رأس المال الثقافي، بخلاف رأس المال المادي (الاقتصادي) يزداد نموّاً كلما ازداد إنفاقه أو استهلاكه. والاستهلاك هو شرط الإنتاج وعلَّته، على كل صعيد. ومن ثمّ، سنفترض ثانياً أن الثقافات القائمة في سوريا، منذ ذلك الحين، سواء منها ثقافات الجماعات الإثنية، بما فيها الجماعة العربية، أو الجماعات الدينية والمذهبية، أو الجماعات الطبيعية وشبه الطبيعية، افتقرت إلى الشروط الموضوعية، التي ترقى بكل منها إلى مستوى الثقافة الوطنية – الكونية، بسبب الكفّ عن إنفاق رأس المال الثقافي المشار إليه، بصورة أساسية، إلى جانب أسباب أخرى، بالطبع.

 

بعبارة أخرى، أو بقول آخر، قد يستفزّ مشاعر الكثيرين، إن الثقافات القائمة في سوريا، منذ التاريخ المشار إليه حتى اليوم، هي ثقافات لا وطنية، ودون وطنية؛ نقول: منذ ذلك التاريخ، أي منذ عام 1958، لكي نشير إلى إرهاصات وطنية، نتجت من استهلاك بعض منجزات الثقافة الحديثة، والشروع في المشاركة في إنتاجها، لأن الاستهلاك، على كل صعيد، هو تغيير خصائص المنتَج، وتحويلها إلى عناصر بنائيّة لجسم المستهلِك (بكسر اللام)، تماماً، كاستهلاك المواد الغذائية وتمثّلها في جسم المستهلِك (يمكن استعارة مصطلح الأيض من العلوم الطبيعية، لوصف الآثار التي تنتج من استهلاك "المواد" الثقافية، حديثة كانت هذه المواد أم تقليدية أم تقليدية محدثة، أم سلفية وأصولية وعنصرية). هذا أولاً. ثانياً إن الثقافة، التي فرضتها السلطة الموصوفة أعلاه، لم تكن ثقافة وطنية، ولم تكن بالقدر نفسه ثقافة قومية، أي ثقافة يمكن أن تكون ثقافة العرب كافة، أو يمكن أن تعبّر عن ذات / ذوات عربية منفتحة على ما هو إنساني.

 

ندّعي أن ثقافة البعث، التي سمّيت "ثقافة قومية"، هي ثقافة إحيائية (بعثية)، سلفية، وأصولية، وعنصرية، وهي الوجه الآخر لثقافة الإسلامويين، ولا سيّما الجهاديين منهم. ليس ثمّة فروق نوعية بين ميشيل عفلق أو زكي الأرسوزي وبين حسن البنا أو سيّد قطب، وخاصة سيّد قطب، الذي يتشارك مع عفلق والأرسوزي، ومع الأرسوزي خاصة، معرفياً وأخلاقياً. عفلق والأرسوزي أخرج كل منهما سائر العرب، إلا أمّته، من "الأمّة"، وسيّد قطب أخرج سائر المسلمين، إلا ملّته، من الملّة، وسمّاها "أمّة" بالمعنى الإسلامي.

 

ما أشرنا إليه من كفّ عن إنفاق رأس المال الثقافي، الذي تشكّل في العهد الليبرالي، يجعل من الحديث عن اتجاهات أو ميول علمانية وديمقراطية في سوريا شيئاً أقرب إلى المجاز؛ ربما هناك ميول إلحادية أو شبه إلحادية، (هي ميول عدمية عموماً)، وميول شعبوية مؤكّدة، (هي ميول فاشية عموماً)، تحت شعارات علمانية وديمقراطية، ولكن لم يكن هنالك، منذ ذلك الحين، وليس هنالك اليوم اتجاهات علمانية وديمقراطية، أي وطنية. الإشكال المعرفي والسياسي في سوريا، ولدى السوريات والسوريين عامّة، ولدى المثقّفات والمثقّفين خاصة، هو إنكار العلاقة الضرورية، الأصلية والأصيلة، بين العلمانية والديمقراطية من جهة، وبين كل منهما وبين الوطنية من جهة أخرى. هنالك ثقافة عربية، وميول قومية عربية لدى بعض السوريات والسوريين، وثقافة كرُدية وميول قومية كرُدية لدى بعض السوريات والسوريين من الكرُد، وكذلك شأن الترك والتركمان والأرمن والشركس ... إلخ، وهناك ثقافة إسلامية سنّية وأخرى شيعية، وثقافة مسيحية، وثقافة علوية وأخرى درزية وأخرى إسماعيلية .. إلخ.

 

لا يمكن النظر إلى هذه الثقافات المختلفة وما بينهما من تداخل، في أفق الوطنية السورية الممكنة، إلا على قاعدة تساوي هذه الثقافات في القيمة الروحية، بصرف النظر عن كثرة عدد الأفراد، الذي يحملونها، أو قلّتهم، أولاً. العدد لا يضيف شيئاً إلى ماهيّة المعدود، ولا ينقص منها شيئاً؛ الأعداد مفهومات كمّية فحسب، مجرّدة أشدّ ما يكون التجريد، ومحايدة أشدّ ما يكون الحياد، وعديمة المعنى، ما لم تقترن بمعدود، أو ما لم تكن علماً محضاً، كالرياضيات. كما لا يمكن النظر إلى هذه الثقافات المختلفة، في أفق الوطنية الممكنة، إلا من حيث الروح الإنساني المبثوث في كل منها؛ والروح الإنساني، في اعتقادنا، هو ما يؤسّس الوطنية، ويوفّر شروط إمكانها، لأنه قوام التشابة، الذي يجعل المساواة ممكنة.

 

لولا الاختلاف لم يكن هنالك حاجة إلى المساواة، في أي مجال من المجالات، وعلى أي صعيد من الأصعدة؛ وليس من الممكن إدراك إمكانية المساواة من دون إدراك نسبيّة الاختلاف، ينطبق هذا على المساواة المأمولة بين الذكور والإناث، وبين النساء والرجال. إن نسبيّة الاختلاف، باعتباره شكل تعيّن الحرّية، هي التي تفترض نسبيّة التشابه، وإمكانية الاتّفاق أو التوافق والتشارك الحرّ، باعتبار الاتّفاق أو التوافق والتشارك الحرّ، ضرورة، على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. فلا تكون وطنية، وثقافة وطنية، إلا بين هذين الحدّين الجدليين: الحرّية والضرورة، أو الحرّية والقانون، الذي يعيّن المسؤوليات والالتزامات.

 

تحدّثنا، حتى الآن، عن وجه واحد من وجوه التنوّع الثقافي، في سوريا، وإمكان تشكّل وطنية سوريّة، وثقافة وطنية سوريّة، وأشرنا إلى شرطين ضروريين من شروط ارتقاء الثقافات المتنوّعة والمختلفة، نعني ثقافات المجتمعات الصغيرة، إلى مستوى ثقافة وطنية – كونية، تعبّر عن اندماج هذه الجماعات في مجتمع كلّي ودولة وطنية، مركزية كانت أم فدرالية؛ هذان الشرطان هما تساوي الثقافات المختلفة في القيمة الروحية وتساوي الجماعات التي تحملها في الحقوق، أولاً، واكتشاف المشترك بين هذه الثقافات، على تنوّعها واختلافها، ثانياً. وسوف نتناول وجوهاً أخرى للتنوّع الثقافي تباعاً، فللحديث صِلة.

 

 

 


[1] - نستلهم ضمناً، في هذا التعبير الخشن والمستفزّ، عنوان كتاب لممدوح عدوان، هو "حيونة الإنسان"، ونؤكّد معنى الرعوية، الذي بسطناه في كتابنا، "من الرعوية إلى المواطنة"، وأحاديث جورج طرابيشي وغيره عن القطيعية.



01 آذار 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة