728 x 90

التحوّلات الاقتصاديّة في السويداء.. إلى أين ستصل بأبنائها؟

3675893673.jpg

 

 

أبنية حديثة، ومحالّ تجارية عصرية، وعمارات طابقية متجاورة، وشوارع تضيق بمشاتها وسياراتها، وبسطات باعة تفرش زوايا الطرقات والأرصفة، وبقايا شجرة سنديان تصارع لتحكي عن سلالتها المحطَّبة، وكأنها ظلّت كرمزٍ لشجرٍ منقرض من هنا، تماماً كتحفة نحاسيّة تُركَن في زوايا البيوت لا عمل لها سوى استذكار ماضٍ بعيد إلى جانب صُوَر أجداد العائلة.

 

تلك الشجرة التي ترمز إلى الخضرة التي كانت سائدة في محافظة السويداء سابقاً حين كانت تكسو الجبل، والزراعة كانت عملاً أساسياً وخاصة الحبوب مصدر الغذاء والمؤن، وهي مدخول العائلات الوحيد إلى جانب ما يتمّ تربيته من ماشية وحيوانات داجنة، وعلى الرغم من قلّة الإنتاج المعتمِد على مياه الأمطار، وعلى الرغم من قساوة الجوّ العاصف شتاءً، كانت تكفي إلى حدٍ ما لسدّ رمق الأسرة ما لم تتمّ مصادرة نتاج المزارعين من قِبَل المُلّاك الكبار أو من قِبَل الفرنسيين حين كانوا يستعمرون البلاد.

 

لكنّ الفلاحين ثاروا  بوجه أولئك المُلّاك بما عُرف باسم الثورة العامية في نهاية القرن التاسع عشر، ولم يصبروا على الفرنسيين كثيراً، فيما بعد قادوا الثورة بوجههم عام 1925، في حين اعتمدت المحافظة ممّا تنتجه من زراعتها ومواشيها، والقليل الفائض الذي كان يُباع ويُبادل بحاجيّات منزلية.

 

فتح الاستقلال وتشكيل جيش سوري مستقلّ –لاحقاً- الباب أمام انخراط بعض أبناء المحافظة في الجيش والوظائف الحكومية، والتي ازدادت بعد استلام عبد الناصر إبان الوحدة مع مصر خاصة بعد بناء مستشفى في مدينة السويداء لأول مرة، جاءت حكومة البعث لاحقاً وبدأت بتنظيم البلاد خلف القطاع العام الذي دخله الكثير من أبناء المحافظة كموظّفين ومدرّسين وإداريين، وبذلك حدثت نقلة في مصادر دخل غالبيّة الأُسر وارتباطها  بالراتب الحكومي، فمنح نوعاً من الاستقرار لشريحة ليست بالقليلة من السكان، ودفع بالكثيرين للتوجّه نحو التعلّم الجامعي مبتعدين بذلك عن الزراعة شيئاً فشيئاً خاصة مع عدم دعمها من قِبَل الحكومة بشكل مدروس وممنهج، وتقلُّب مواسمها وشحّ الأمطار لاحقاً.

 

في مرحلة التسعينات وبداية الألفية الجديدة بات اعتماد أغلب عائلات السويداء على المغتربين بالدرجة الأولى -وهو أكثر مورد اعتمدت عليه العائلات في السويداء-  وعلى الراتب الوظيفي والذي بالكاد كان يكفي لحياة متواضعة، إلى جانب ما تنتجه الزراعة من محصول غير مستقرّ. كما فتح القروض الصغيرة وعائدات المغتربين نوعاً من الضخّ المالي لحركة الحياة الاقتصادية في المحافظة، إلى أن توقّف ذلك الضخّ مع بداية العام 2011 بتوقّف القروض وتراجع وضع المغتربين بعد الأزمة المالية عام 2008.

 

 

لكنّ انخفاض سعر صرف العملة السورية أعاد إحياء بعض الحركة من قِبَل أموال المغتربين لفترة وجيزة، الآن مع دخول مستثمرين جدد جمعوا ثرواتهم من استغلال الأزمات، ظهرت فقاعة العقارات والتي عملت على بناء آلاف الشقق فجأةً في السويداء، سرعان ما تحوّلت الى مساحات خاوية لا راغب فيها بسبب كثرتها وانخفاض الطلب عليها.

 

إلى جانب أولئك المستثمرين وحركة العقارات قصيرة المدّة، ظهر باب آخر لضخّ الأموال عبر تهريب المازوت من داعش شرق السويداء إلى محافظة درعا، إضافة إلى مادة المازوت قام المهرّبون بتهريب السلاح والمخدّرات، وهو ما أدّى إلى تحريك السوق قليلاً، بشرائهم بعض العقارات والسيارات وصرف أموالهم ضمن المحافظة، إلى أن تمّ إغلاق ذلك الباب بإغلاق خطّ التهريب للمازوت.

 

بذلك انتهت عمليات التهريب الكبرى، وتراكمت العقارات بشكل أوقف حركة بنائها وبيعها أيضاً، ومع بداية عودة بعض النازحين في المحافظة إلى ديارهم، بدأت الحركة المالية في السويداء تتراجع بشكل حادّ، لتتراجع معها أعمال كافّة المهن. ومع تزايد عدد المفصولين من الوظائف الحكومية، وتزايد أعداد المطلوبين للخدمة العسكرية وتقييد حركتهم، أصبح هناك جيش كبير من العاطلين عن العمل أو المنخرطين في أعمال شبه متوقّفة.

 

وعليه دخلت المحافظة في ركودٍ كبير يصعب تجاوزه مع وضعها الحالي، فلا الموظف فيها يكفيه راتبه لتلبية حاجياته الضرورية، حتى وإن أضاف إليه عملاً آخر، ولا أصحاب رؤوس الأموال فيها قادرون على توظيف أموالهم فيها لضعف القدرة الشرائية، ولا مغتربيها يستطيعون ضخّ أموالٍ كبيرة فيها لتراجع أحوالهم في الخارج واقتصار تحويلاتهم على ما يسدّ رمق العيش لا أكثر لمن هم في الداخل، وهم أكثر مَن اعتمدت عليهم المحافظة في تحريك أسواقها، سواء من خلال إرسالهم المال إلى عائلاتهم وأقاربهم أو من خلال مجيئهم صيفاً، لم تحاول الدولة إيجاد أي حلول إستراتيجيّة بما يخصّ الزراعة وتطويرها أو تسويق نتاجها، أو بما يخصّ إقامة مشاريع ضخمة قادرة على تشغيل المحافظة.

 

ذلك الركود الاقتصادي الذي وصلت إليه المحافظة بات يلقي بظلاله على الحياة اليومية لسكّانها، وما تفرزه من انعكاسات على الحياة الاجتماعية واستقرار الفرد نفسيّاً، الأمر الذي ينبئ بحالة خطيرة أكثر من تلك التي تسبّبها العمليات العسكرية المباشرة، وهو ما يظهر في ارتفاع سنّ الزواج، ونشوء أطفال بعيدين عن آبائهم، بالإضافة إلى غياب الكثير من أقاربهم المسافرين خارجاً، وعدم ثقة الشباب بالمستقبل، الأمر الذي انعكس على ثقتهم بأنفسهم خاصة مع تنقّلهم في عدّة أعمال لتأمين لقمة العيش، كثير منها لا يرغبون بها، كما ساهم ازدياد مستوى القلق للفرد في ارتفاع نسبة الجرائم خاصة مع زيادة انتشار السلاح.

 

ختاماً، قد لا يختلف وضع محافظة السويداء عن غيرها من باقي المحافظات في سوريا، لكن في حين تنتظر العديد من المحافظات عودة الاستقرار الأمني إليها لتعود معه أعمالها ومهنها أو لتبدأ مرحلة إعادة الإعمار فيها، يبقى حال السويداء مفتوحاً على المجهول، ففي حين أن خسائرها قليلة، حيث إنها لم تتعرّض لدمار المعامل والمنشآت الصناعية، ولم تفقد أيّ منفذٍ تجاري، ولم يتراجع كثيراً وضعها الزراعي، لكنّ المشكلة تكمن هنا، في أنها لم تخسر الكثير لأنها لا تملك الكثير لتخسره، وهو ما يخيف أبناءها من بقاء وضع الركود فيها على حاله، وهنا ربّما تكمن عين الدمار.

 



12 آذار 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة