728 x 90

التجنيد الإجباريّ والاستنكاف الضميريّ: الحالة السورية نموذجاً

3373820803.jpg

 

 

تتعدّد التسميات التي تُطلق على تجنيد الأشخاص واقتيادهم قسراً إلى صفوف القوات المسلحة من "الخدمة العسكرية"، إلى "السوق الإلزامي"، و"خدمة الاحتياط"، و"التجنيد العسكري"، و"الواجب الوطني"، و"خدمة العلم". وبحسب مشروع القانون العسكري السوري رقم 115 لعام 1953، فإنّ الخدمة العسكرية هي "الواجبات الوطنية المفروضة على كل سوريّ يصل إلى السنّ القانوني"[1].

 

وقد ترتّبت آثار جمّةً على التجنيد في سوريا، سواء أكان في زمن السلم حيث كان خلال العقود الماضية مكاناً لتدجين المواطنين وأدلجتهم ووسيلة لإذلالهم وإضاعة وقتهم، عدا عن مصاريفه الباهضة المفروضة على خزينة الدولة والمواطنين أنفسهم. أمّا في زمن الحرب، أي بعد بدء الانتفاضة الشعبية السوريّة ضدّ النظام السوري عام 2011، فإنّنا لا نبالغ عندما نقول بأنّه أدّى إلى إزهاق أرواح وجرح مئات آلاف السوريين، فضلاً عن هؤلاء الذين تسبّب لهم بإعاقة دائمة، ومَن أجبرهم على التخفّي داخل الوطن وتسبّب بملاحقتهم من طرف المحاكم والأجهزة العسكرية وزجّهم في السجون، أو مَن أدّى بهم إلى الهجرة القسريّة وبالتالي تحمّل مرارة اللجوء.

 

 لم يقتصر التجنيد الإجباريّ في سوريا على فرض الالتحاق بقوات النظام، بل فرضته أيضاً جماعات مسلحة غير حكومية تسيطر على قسم من الجغرافيا السوريّة لم يوفّر بعضها حتى الأطفال؛ وقد دفع سوء الأوضاع المعيشية العديد من السوريين بالالتحاق طواعية بصفوف ميليشيات بهدف الحصول على رواتب، وإعانات أو حتى حماية.

 

يغيب في سوريا، في مقابل التجنيد الإلزامي، حقّ الاستنكاف الضميريّ الذي يتمحور حول رفض القيام بأعمال قتالية أو استخدام القوة بغرض القتل. على الرغم من عدم وضوح القانون الدولي من حيث اعترافه بهذا الحقّ، فإنّ الاستنكاف الضميريّ يندرج ضمن إطار مجموعة من الحقوق الأخرى كعدم جواز فرض العمل الإلزامي[2] أو الحقّ بحرّية الفكر والوجدان والدين[3]، حيث يرفض المستنكِف ضميريّاً أداء الخدمة العسكرية لتعارض حمله السلاح وإلزامه بالقتال مع مبادئه أو قناعاته الدينية. وقد أقرّت لجنة حقوق الإنسان المنبثقة عن الأمم المتحدة في قرارها 1998/77 بأن "الاستنكاف الضميريّ من الخدمة العسكرية ينبع من مبادئ وأسباب ضميريّة، بما فيها معتقدات عميقة متولّدة من دوافع دينية أو أدبية أو أخلاقية أو إنسانية أو دوافع مماثلة". وأشارت اللجنة في نفس هذا القرار إلى المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقرّ "بحقّ كل فرد في التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتّع به خلاصاً من الاضطهاد"، بما يعني أنّ المستنكف ضميريّاً يحقّ له الحصول على اللجوء خارج بلده. ويرفض بعض أتباع الأقلّيات الدينية، كشهود يهوه، أداء الخدمة العسكرية ممّا يعرّضهم للسجن أو التهجير القسريّ، أو حتى الإعفاء منها في بعض البلدان.

 

ينصّ المرسوم التشريعي رقم 61 لعام 1950 - قانون العقوبات العسكريّ السوريّ- على عقوبات قاسية بحقّ المتخلّفين عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، وقد تصل إلى حدّ الإعدام في بعض حالات الفرار بعد الالتحاق[4]. وقد استمرّ الدستور الحالي لعام 2012، كحال الدساتير السابقة، بالتنصيص على الخدمة العسكرية الإلزامية[5]، من دون إدراج أية عبارة تسمح بالاعتراض عليها. بينما تُدرج دساتير دول عديدة نصوصاً تتعلّق بالاستنكاف الضميريّ، كالدستور الإسباني لعام 1978 والذي أدرج في مادته30 ، الفقرة الثانية بأنّ "يحدّد القانون الواجبات العسكرية للإسبان وينظّم الاعتراض الوجداني وباقي أسباب الإعفاء من الخدمة العسكرية الإجبارية آخذاً بعين الاعتبار الضمانات الملائمة؛ ويمكن للقانون أن يفرض، إذا اقتضى الحال، خدمة اجتماعية تعويضيّة".[6] كما عملت دولاً عديدةً خلال العقود الماضية على إلغاء الخدمة العسكرية، والاكتفاء بوجود القوات المسلحة المحترفة، أو فرض خدمة بديلة غير قتالية في الجيش أو حتى خدمة مدنية للصالح العام.

 

يتوجّب في إطار التغيير المنشود في سوريا الأخذ بعين الاعتبار تداعيات التجنيد الإجباري خلال الأحداث السورية لتجنّب تكرار مآسيه، وبالتالي تأمين حقّ الاستنكاف الضميريّ من خلال إدراج مفهوم الخدمة البديلة عن الخدمة العسكرية أو من خلال السماح بتأديتها طواعية لا إلزاماً أو حتى الإبقاء على الجيش النظامي فقط دون فرضها على كافة الذكور. وفي الفترة التي تعقب النزاع، يتوجّب دراسة أوضاع  المستنكفين بما يؤدّي إلى تطبيق عفو عام، سواء عن الذين لم يلتحقوا بصفوف القوات المسلحة، أو الفارين والمنشقّين عنها، بما يتيح ضمان عودة آمنة لهم، وإسقاط جميع الملاحقات القضائية بحقّهم، مع ضرورة استثناء المتورّطين منهم بارتكاب جرائم خطيرة.

 


[1] كحال أغلب الدول، تُستثنى النساء من الخدمة الألزامية ويُعفى منها في سوريا الوحيد (ليس له أخ ذكر)، ومن لايستطيع تأديتها لأسباب صحية ومن ينطبق عليه شروط دفع البدل النقدي الذي يتجاوز آلاف الدولارات، هذا مع ضرورة الإشارة إلى تهرب العديد منها في بلد تنتشر فيه الرشوة والمحسوبيات.

[2] غير أنّ بعض الاتفاقيات الدولية قد استثنت الخدمة ذات الطابع العسكري من تعبير "السخرة أو العمل الإلزامي"، كحال المادة الثامنة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة الثانية من اتفاقية السخرة رقم 29  التي اعتمدتها منظمة العمل الدولية عام 1933.

[3] أنظر المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

[4] أنظر المواد 99-100-101-102-103 من هذا المرسوم. متوفر علر الرابط:

http://www.parliament.gov.sy/laws/Law/1950/penal_10.htm

[5] فقد جاء في مادته 46، الفقرة الأولى بأنّ "الخدمة العسكرية الإلزامية واجب مقدّس وتنظّم بقانون". وأضافت الفقرة الثانية من نفس هذه المادة بأن الدفاع عن سلامة الوطن وصيانة أسرار الدولة واجب على كل مواطن".

[6] للاطّلاع على النسخة الكاملة من هذا الدستور، انظر موقعConstitute ، متوفّر على الرابط: https://www.constituteproject.org/constitution/Spain_2011.pdf?lang=ar



02 كانون أول 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة