728 x 90

الاغتراب لدى المواطن السوريّ ما بعد الثورة السوريّة

3509703669.png

 

 

 *شانتال الصفدي

 

 

يُعدّ الاغتراب حالة شعورية ووجودية يعيشها الإنسان عندما يصبح بعيداً عن حياته وبيئته ومجتمعه فذاته. هو لم يرحل عن وطنه، ولم يسافر ولم يهاجر، ومع ذلك ما عاد يشعر بوجوده في هذا المكان مع هؤلاء الأشخاص، وكأنه أصبح مسلوخاً عن حياته التي اعتاد عليها.

 

وشيئاً فشيئاً يفقد الشعور بالمتعة والفرح، وتفقد الأماكن ما تعنيه وتحمله من ذكريات، وتخبو شعلة الأمل ويغدو العمل بلا معنى والنجاح بلا طعم والحياة بلا هدف، فيأس ثم يأس ثم يأس. وإن تحدّثت إليه لأجاب بأنه لم يعد يشعر بالانتماء للمكان في أحاسيسه ولا يحمل للغد أملاً. 

 

 

وللاغتراب تاريخ طويل يُقال بأنه بدأ بنزول آدم من جنة الله إلى أرض الله، لتبدأ رحلته مع مشاعر الاغتراب.  وبالعودة للمعاجم يُعرّف الاغتراب بالانشقاق والانفصال عن الواقع.    

      

والاغتراب وإن اعتُبر ظاهرة سلبية وغير صحّية إلا أن فيه طيفاً إبداعياً نجده لدى الفنانين والأدباء والممثّلين. يصنع المبدع فيه عالمه الخاص منسلخاً عمّن حوله ولكن ليعود مرة أخرى محمّلاً بلوحة فنّية أو نصّ مسرحي أو بناءٍ روائي يحاكي به الواقع.  

 

والاغتراب لا يعني الغربة، ففي الغربة من الطبيعي أن يشعر الإنسان باللاانتماء وبالوحدة والانفصال. ولكن كيف نستطيع تفسير نفس المشاعر والأحاسيس لدى شخص لم يغيّر شيئاً في حياته ولم يبتعد ميلاً  واحداً؟.

 

ويشكّل الواقع السوري منذ بداية ال2011 نموذجاً واضحاً للاغتراب لدى المواطن بكل أشكاله وأبعاده. فمنذ بداية الأحداث فجّر هذا الواقع المرير الذي كان يعيشه الشعب ثورة البحث عن الحرية والكرامة، وحيث أن الاغتراب السياسي قد بلغ أوجه لدى الأفراد، لم يعد المواطن يستطيع التحمّل أكثر وخداع ذاته والتظاهر بالحياة الكريمة أكثر.

 

فشكّل الاغتراب عن وطننا وأحلامنا وكرامتنا عود الكبريت الذي أشعل ثورة لن تنتهي طالما هناك إرادة للحياة الكريمة بعيداً عن التسلّط والاستبداد والعبودية والذلّ. ولكننا في ظلّ الخيانة وصمت العالم وعمل المال أصبحنا نعيش في بلدنا الغربة والاغتراب بكل أشكاله وأبعاده. واليوم وبعد أن دخلنا العام السادس من الألم والأمل أصبح المواطن السوري يعيش الاغتراب بنكهات جديدة، اغتراب سياسي واغتراب أمني وثقافي وديني ونفسي واجتماعي واقتصادي..

 

فمن فقدان الإحساس بالوجود والقيمة والفعل والتأثير إلى فقدان الإحساس بالأمن والأمان.  حيث ساهمت الأحداث والتفجيرات والمظاهر الأمنية والتشبيحية في خلق حالة جديدة من الاغتراب تُدعى الاغتراب الأمني، ولّدت هي الأخرى الاغتراب النفسي لدى المواطنين الذي ظهر من خلال الشعور بالحزن والألم من معايشة الأحداث الدامية والشعور بالقلق والاكتئاب واضطرابات الصدمة والخوف الدائم والإحساس بالعجز والإحباط واللاجدوى والشعور بالوحدة النفسية.

 

وأصبح الفرد يقاسي ويعاني من فقدان الحبّ والتقبّل الأسري، وكذلك الشعور بانعدام الودّ والصداقة والاهتمام من الأصدقاء والزملاء .. ، إلى جانب الشعور الدائم بالحزن والتشاؤم والانعزال وانعدام قيمة الذات، والبعد عن المشاركة أو التفاعل مع الآخرين،  وبالتالي انعدام الثقة بالآخرين، والشعور بفقدان التواصل الاجتماعي، بل وفقدان أي هدف أو معنى للحياة، ممّا يؤدّي في نهاية الأمر إلى الإحساس بأنه شخص غير مرغوب فيه أو أنه لا فائدة منه، فيفقد الاهتمام بأي شيء، نتيجة عدم الرضا الناتج عن إعاقة أو عدم تحقيق مطلب هام من مطالب النموّ الإنساني، وحاجة نفسية لابدّ من إشباعها في إطار اجتماعي ألا وهي الحاجة إلى الجماعة والانتماء وهذا بدوره ولّد الاغتراب الاجتماعي الذي يتمثّل في تجنّب المجتمعات، والأماكن العامة، ويقضي معظم وقته في الأعمال الفردية كالقراءة، والرسم، وأحلام اليقظة، وإذا اضطرّته الظروف أن يكون موجوداً بين الناس، فإنه يبقى صامتاً وإذا أجبر على الكلام اضطرب وخجل.

 

والطامّة الكبرى كانت في تفكّك النسيج الاجتماعي للمجتمع السوري وظهور الطائفية والاقتتال بين المذاهب الدينية وصراع الثقافات والتكتُّل الحزبي والأمني وتفكّك الأسرة بسبب الفقر والحرب والطلاق والهجرة ومشكلة النازحين واللجوء والإخلاء والطرد العشوائي وسيطرة القوى الدينية الأصولية (داعش - النصرة)على مساحات كبيرة وظهور مجتمعات بدائية وهمجيّة ودور الحصار في غلق المجتمعات المحلية في بعض المناطق ممّا أدّى لإعادة إنتاج الشكل البدائي للمجتمعات وتدهور القيم المجتمعية مقابل ازدياد التركيز على المصلحة الشخصية.

 

وكان وما يزال الاغتراب الاقتصادي مسيطراً،  فارتفاع الأسعار المتزايد وعجز القدرة الشرائية لدى المواطن وانهيار الليرة السورية والاقتصاد الوطني وعجز الموازنات وتدنّي الناتج المحلّي في كل الأصعدة وتعطّل عجلة الصناعة وهروب رؤوس الأموال والعقوبات الاقتصادية وتدمير الأراضي الزراعية والهجرة من القرى والريف وقلة الأيدي العاملة وهجرة اليد العاملة والأدمغة واستنزاف المتبقي منها في الجيش والعمل الأمني وقلّة فرص العمل وتقلّص الموارد المادية والبشرية الأول تأمين لقمة العيش.

 

ويرتبط الاغتراب الاقتصادي بشكل كبير بالاغتراب المهنيّ الذي يوضّحه شعور العامل بالانفصال عن عمله وعن حياة المجتمع وما يتبع ذلك من أن العمل يشكل عبئاً ثقيلاً على نفس العامل، وبأنه لا يرضي حاجاته النفسية ومتطلّباته البيولوجية، بمعنى أن العمل قد فقد قيمته النفسية والاجتماعية وأصبح العمل مجرّد مصدر للرزق.

 

 كما أن الحالة التي يكون عليها العامل مجبراً، أي عندما يكون العمل وسيلة لا غاية في حدّ ذاته.

 

هذه الأشكال المختلفة للاغتراب ولّدت أبعاداً من الشعور باللامعنى، وبأن الحياة مملّة لا معنى لها ولا جدوى منها، وأن الفرد يسير فيها بلا غاية محدّدة وهدف معيّن، وهذا ما يطلق عدم الانتماء والعجز والعزلة وشعور الفرد بعدم إيجابيّته وفعاليّته وعجزه عن الاستقلال وتحمّل المسؤولية واتّخاذ القرار، أي أن سلوك الفرد الخاص لا يستطيع أن يحدّد النتائج التي ينشدها. والانسحاب  التي  يقصد بها انعزال الفرد عن المجتمع وميله إلى الانسحاب من المشاركة في الأنشطة الاجتماعية.

 

وصولاً للتشيّؤ  واللامعيارية  من نقص الالتزام بالقيم الخلقية وشعور الفرد بأن استخدام الوسائل غير المشروعة أمر ضروريّ لتحقيق أهدافه. والرفض والتمرّد من شعور الفرد بالرفض والكراهية والغضب والسخط على كل ما يحيط به من قِيم ومعايير وضوابط اجتماعية وشعوره بعدم الرضا عن نفسه وعن مجتمعه وميله إلى تحدّي السلطة وعدم احترام التقاليد والأعراف.

 

إن الاغتراب الذي يعاني منه الإنسان السوري يطرح سؤالاً مركزياً ضمن نكهات الاغتراب الموجودة، هل الاغتراب الإنساني الداخلي الذي يعيش فيه المواطن السوري قابل للحياة أم تجربة اللجوء التي يقدّمها المجتمع الدولي للإنسان السوري على طريق قتل الإنسان السوري عبر التسلسل الذي يبدأ من الاغتراب والغربة الداخلية إلى حالة الغربة والاغتراب واللجوء السوري عبر حكاية الاغتراب الإنساني؟ فالموت في البحر ألا يعادل تجربة الموت في أرض الوطن، أم أن الحياة تستحقّ التيه الإنساني على دروب اللجوء، مقابل إن الاغتراب في الداخل السوري أصبح معادلاً لا إنسانياً أمام غربة ولجوء الإنسان السوريّ. 

 

 



28 كانون ثاني 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة