728 x 90

الأكراد ومنظومة الدولة السوريّة

2085476696.jpg

 

 

أسهمت السياسات التمييزية المتّبعة في ظلّ حكم النظام السوري البعثي إلى معاناة الكثير من الأكراد وعدم اندماجهم في سوريا، التي تبدو أكثر مظاهرها اليوم من خلال الأحداث الجارية وما رافقها من انقسامات سياسية، وحتى اقتتال حملَ أحياناً وجهاً عرقياُ، فضلاً عن الاتهامات المتكرّرة من قِبل بعض فصائل المعارضة السورية ونُخبها السياسية حول سعي العديد من التيارات السياسية والعسكرية الكردية لإقامة دولة قومية كردية لهم في سوريا، منفصلين بذلك عن مطالب الكثير من السوريين ببناء دولة ديمقراطية تعددية تكفل حقوق جميع مكوّناتها بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية.

 

فتمَّ خلال العقود الماضية تجاهل الحقوق الثقافية للأقلّيات غير العربية، بل وكانت أيضاً أيديولوجيا العروبة طاغية على دساتير سوريا المتعاقبة، لاسيما من خلال اعتبارها جميع المواطنين كعرب، وهو ما انعكس أيضاَ على سياسة النظام السوري والتشريعات الداخلية المعمول بها. وقد تكرّست العروبة في أشدّ أوجهها بعد عام 1963 على إثر الانقلاب العسكري، المعروف باسم "ثورة الثامن من آذار"، الذي قادهُ مجموعة من الضباط البعثيين، لاسيّما الرئيس حافظ الأسد. فاعتمدت هذه السلطة الجديدة بعض الدساتير المؤقّتة التي تهيمن عليها أفكار حزب البعث العربي الاشتراكي، كان آخرها دستور عام 1973 والذي استمرّ العمل به حتى عام 2012، أي إلى ما بعد عام من تاريخ انطلاق الاحتجاجات الشعبية ضد الاستبداد.

 

 

طبعت إيديولوجيا الحزب الحاكم العديد من المواد الدستورية، ولاسيّما المادة الأولى من دستور عام 1973 والتي اشتملت على مصطلحات "عروبية" عديدة منها "دولة اتحاد الجمهوريات العربية"، "الجمهورية العربية السورية"، " القطر العربي السوري"، "الوطن العربي"، "الأمة العربية".

 

كما أطاحت مادته الثامنة بأية تعدّدية سياسية ممكنة بنصّها صراحة على أنّ "حزب البعث العربي الاشتراكي، هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدّمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية". ويهدف نظام التعليم والثقافة، بحسب المادة 21 من هذا الدستور، "إلى إنشاء جيل عربي قومي اشتراكي علمي التفكير مرتبط بتاريخه وأرضه، معتزّ بتراثه مُشبع بروح النضال من أجل تحقيق أهداف أمّته في الوحدة والحرّية والاشتراكية (....)". وتعتبر المادة 23 بأن "الثقافة القومية الاشتراكية أساس بناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحّد، وهي تهدف إلى تمتين القيم الأخلاقية وتحقيق المُثل العليا للأمة العربية (....)". وبحسب المادة السابعة، لابدّ من العمل "لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرّية والاشتراكية". وقد انسحبَ هذا الالتزام على القوات المسلحة ومنظمات الدفاع الأخرى التي تكون مسؤولة، بحسب المادة 11، "عن سلامة أرض الوطن وحماية أهداف الثورة في الوحدة والحرّية والاشتراكية. وحتى الأحكام القضائية تصدر، بحسب المادة 134، "باسم الشعب العربي في سوريا".

 

حافظَ الدستور الجديد الذي اعتمده نظام الأسد في الشهر الثاني من عام 2012، على أيديولوجيا النظام البعثي الحاكم، وذلك على الرغم من إلغاء المادة الثامنة التي كانت تُشير الى أنّ "حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع". فجاء في مقدّمة الدستور الجديد: "تعتز الجمهورية العربية السورية بانتمائها العربي، وبكون شعبها جزءاً لا يتجزّأ من الأمة العربية مجسّدة هذا الانتماء في مشروعها الوطني والقومي، وفي العمل على دعم التعاون العربي بهدف تعزيز التكامل وتحقيق وحدة الأمة العربية."ويكرّر الدستور الجديد المصطلحات العروبية الواردة في دستور عام 1973، بل ويضيف عليها أخرى مثل "الحضارة العربية"، و"الدور العربي السوري"، و"قلب العروبة"، إلخ.. وتؤكّد المادة الرابعة بأنّ "اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة"، دون الإشارة إلى اللغات الأخرى والحقوق الثقافية للناطقين بها. أمّا المادة السابعة الخاصة بمضمون القَسَم الدستوري، فقد استمدّت صياغتها أيضاً من الدستور السابق في إشارة إلى ضرورة العمل من أجل تحقيق "وحدة الأمة العربية".

 

امتّد تأثير النصوص الدستورية المصبوغة بأيديولوجيا العروبة ليشمل كافة مناحي الحياة التشريعية والسياسية والاجتماعية. فقد حُرم الأكراد من تعلّم لغتهم، وأحياناً التخاطب بها، بالإضافة إلى تعرّضهم لأوجه تمييز عديدة شملت مشاركتهم السياسية وتولّي المناصب العامة، والتمييز ضدّهم في إطار العمل والتعليم، و تقييد نشر الكتب أو المجلات والصحف باللغة الكردية، فضلاً عن حرمان آلاف الأكراد من الجنسية السورية. ففي الإحصاء الذي تمّ في 5 تشرين الأول/أكتوبر من عام 1962 في محافظة الحسكة، تمّ تجريد قرابة الـ 15 ألف كردي من الجنسية السورية[1]. وبذلك حُرم هؤلاء من أبسط حقوقهم الأساسية، ومنها التملّك والسفر وإبرام العقود والتوظيف وتسجيل الواقعات المدنية في السجلات الرسمية، كالوفاة وكذلك المواليد الجدد الذين بدروهم عاشوا من دون جنسية وقيود مدنية على الرغم من ولادتهم وآبائهم على الأراضي السورية. ولم تُعالج مشكلة عديمي الجنسية من الأكراد في سوريا إلا جزئياُ عندما أصدرَ بشار الأسد المرسوم رقم 149 بتاريخ 7 نيسان/أبريل 2011، حيث تمّ بموجبه منح الجنسية لقسم من الأكراد. وقد كان هذا المرسوم سياسياً أكثر منه حقوقياً، هدفه بشكل أساسي الالتفاف على مطالب الانتفاضة الشعبية بالحرّية والكرامة لجميع السوريين، وعزل مكوّنات الشعب السوري عن بعضها ضمن سياسة النظام القائمة على مبدأ "فرّق تسد".

 

 

تضمّنت مناهج التعليم السورية بدورها مادة "القومية العربية" التي تروّج لأيديولوجيا النظام العروبية، بينما تمّ حرمان تدريس الأكراد لغتهم الأمّ، كما أشرنا إليه أعلاه. أمّا مشروع الحزام العربي، فقد سُلّم بموجبه أراضي أصحابها أكراد لعرب "الغمر"[2]، واستولت الدولة على أراضي أخرى لفلاحين كورد عندما أقامت فيها "قرى زراعية نموذجية"، وشغلتها بالعرب ممّا أدّى إلى حصول تغيير ديمغرافي مخطّط له في هذه المنطقة. كما تضمّنت تشريعات الطوارئ التي كان معمول بها في سوريا حتى عام 2011 تجريم أي قول أو فعل من شأنه مناهضة تحقيق الوحدة بين الأقطار العربية أو أي هدف من أهداف الثورة[3]. بينما يستمرّ قانون العقوبات السوري بالتنصيص في مادته 267 على معاقبة كل من حاول بـ "أعمال أو خطب أو كتابات أو بغير ذلك أن يقتطع جزءاً من الأرض السورية ليضمّه إلى دولة أجنبية[4]". وهي تهمة حُوكم على أساسها الكثير من الناشطين الأكراد. وفي أيلول/سبتمبر 2008، صدرَ المرسوم الرئاسي رقم 49 الذي يقيّد حرّية بيع وشراء العقارات في بعض المناطق ذات الغالبية الكردية، حيث أُلزم بموجبه ضرورة الحصول على موافقات أمنية لإجراء هكذا معاملات. وقد نظّم الأكراد العديد من الاعتصامات والتظاهرات ضدّ هذا المرسوم، تعرّضت للقمع كحال أغلب التجمّعات الاحتفالية الكردية.

 

تُعدُّ معالجة قضية الأكراد من أهمّ التحدّيات التي يواجهها النظام السياسي الجديد الذي ستفرزه التطوّرات الحالية التي تشهدها سوريا. ولايمكن ضمان احترام حقوق غير العرب وتأمين اندماجهم الكامل في مجتمعهم دون استبعاد التشريعات الأيديولجية العروبية لصالح تطبيق قوانين قائمة على المساواة التامة بين المواطنين، بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية والإثنية. كحال دور الدين ووضع الأقليات غير الدينية في سوريا، سيشهد اللاعبون السياسيون السوريون، بمن فيهم مؤيّدي النظام السوري ومعارضيه، جدلاً حادّاً في إطار صياغة التشريعات الدستورية والقانونية الجديدة ذات الصلة بالتنوّع الإثني والثقافي.

 

 


[1] وذلك بمقتضى المرسوم الجمهوري رقم 93 الصادر بتاريخ 23 آب/أغسطس 1962.

[2] أُطلق عليهم هذه التسمية لأن أراضيهم غُمرت أثناء بناء سدّ الطبقة على نهر الفرات.

[3] أنظر على سبيل المثال قانون مناهضة أهداف الثورة الصادر بموجب المرسوم التشريعي رقم /6/ بتاريخ 7 كانون الثاني/يناير 1965 وأيضاً اختصاصات محكمة أمن الدولة العليا المنشأة بموجب المرسوم رقم/47/ لعام 1968.

[4] حُوكم العديد من الأكراد أيضاً بمقتضى نصوص أخرى من قانون العقوبات، منها ما جاء في المادة 285 التي تنصّ على :"من قام في سورية في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بدعاوى ترمي إلى إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية".



27 حزيران 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة