728 x 90

اكتبْ لي.. أنا في الصحراء يا عادلُ، والماءُ سراب.

2146009915.jpg

 

عادل:     

                     

أَتذكر، ربما قلتها لك:

 

تستطيع أن تحتلّ القلعة، ولكنك لا تستطيع أن تصمد فيها.

 

وما علينا سوى الإقرار بالأمر، وسيحدث هذا الإقرار في اللحظة التي نتخلّى فيها عن (سوسة) العناد، تلك التي اعتادت على نخرِنا.

 

وبعد:

 

الكثير من المستجدات في سنة واحدة، مستجدات بالغة الأهمّية، من الصعب حصرها في أولويّات، غير أن فوضى الكلام تسمح لنا بتجاوز ترتيبها وفق أولويّاتها:

 

قد تكتشف بعد سنة من استمرارنا في الحياة أن خلّ التفاح، يضيف نكهة فريدة لسلطة الخضار.

 

السمراوات، خصوصاً من بنات الكاريبي، يمتلكْنَ من الحرّية ما يجعلنا نعيد النظر فينا نحن الذين نحكي عن الحريّة ونرهن لغتنا من أجلها.. الفارق أوسع وأعمق ممّا تظنّ، قد يكون الفارق في أنهن لا يبحثْنَ سوى عن اللحظة.. الزمن بالنسبة إليهنّ ليس فيه ماض يحزّ القلب، ولا "بكرا" لا يسامحك من اتّخاذ الاحتياطات.. الزمن ثلاثي الأبعاد خطر يا عادل.

 

الفارق بين العشيقات والمومسات لا يزيد عن درجة الوضوح (حتماً الكلام في مديح المومسات).

 

السمسمية آلة موسيقية مدهشة، تدرّبت على سماعها حتى بتّ قادراً على التعايش مع خمس أو ستّ أصوات في زمن واحد.

 

أوروبا غبيّة.. أكثر غباء من أن تجاري غرائز الذئاب، تلك التي صاحبتنا حتى بتنا ذئاباً محاطين بالكلاب المستأنسة.

 

قرأت طناً من الورق، لم يضف.. لا، نادم على القراءة، لقد انتزعت مني ما تبقّى من براءة الصدر.

 

افتقدت الوهم، حتى بتّ أشبه بأشيائي: الطاولة، الكرسي، الكيبورد، نظاراتي الشمسية، وساعة الحائط، وسنّ العاج الذي أعلّقه في عنقي كي لا يفارقني الاستحضار اليومي للفيل.

 

وكذلك أضعت الشغف.

 

تيّقنت أنني من اللا بلاد، فالأرض بوصفها حجراً، تراباً، وبقايا نهر لا تكفي لتصنع وطناً، غير أنني تيّقنت أنني بحاجة لذلك المصطلح ولو بحدود ضئيلة كأن أعثر على قبر في مكان ما من هذا الكوكب البخيل، المسخ.

 

ما زلت منكسراً كما غادرتك (ثمّة جروح لا تشفى ولم أبذل من الجهد ما يكفي لشفائها).

 

من كل ما قرأت من فقه، قانون، سِير ذاتية، تاريخ حروب، ألعاب في السياسة والإستراتيجيات الكبرى، لم أتوقّف سوى عند جملة واحدة كتبها صديقك الراحل محمود درويش: "تُنسى كأنك لم تكن".. هل تتذكّر زياراته إلى نيقوسيا وقد كان صعلوكاً في ثوب أمير.

 

 

نعم يا صاحبي "تُنسى كأنك لم تكن"، وهذا كلام لا ينطبق على عابري السبيل، أو على أولئك المهمّشين، لا.. هو كلام ينطبق على كل البشر بمن فيهم طاغور، كارل ماركس، نيتشة، سوفوكليس، شكسبير، مايكل جاكسون، مارلين مونرو، الصبوحة، وعلى سعاد حسني، وكذلك على كل الذين كنّا ما قبلهم على غير الحال الذي بتنا فيه من بعدهم، ولا شكّ بأن كلامي يستدعي البرهان، وبما أنني من الذين لا يعيرون بالاً للبراهين وهم يرشقون استخلاصاتهم، سأكتفي بملامح برهان على ما أقول:

 

"إن كل الذين سكنوا رؤوسنا، سكنوها كما نشاء نحن لا كما يشاؤون، أسكنّاهم رؤوسنا، لنعيد ولادتهم كما نرغب نحن لا كما هم.. نحشوهم في جماجمنا لنعطيَهم شكل جماجمنا .. جمجمة بقبّعة، جمجمة بعكال، جمجمة بخوذة عسكرية، جمجمة حاسرة، وجمجمة محطّمة إن شئت، يعني لا نبقي عليهم كما هم، نأخذهم إلينا ليكونوا نحن، وربما هذا حالنا مع محمد الذي لم يقرأ قرآنه أبداً، أقلّه لأن قرآنه لم يكن مجموعاً ولا منقّطاً سوى في زمن عثمان.

 

لهذا كـأنهم لم يكونوا، ولن تكون أنت في القادم من الأيام، ولن أكون أنا، ولن يبقي هذا الكوكب على أحد من ساكنيه، ومع ذلك ها نحن نتنافس، ونخوض الحروب، ونبتكر معدّات الموت كما نبتكر معدّات إطالة الحياة من أجل أن نكون في كوكب لا يريدنا أن نكون.. من أجل أن نفوز بما سيركلنا.

 

تخيّل معي رداءة هذا الفوز!!

 

اليوم وأنا أتابع الميتة المدهشة لذلك العالم المدهش ديفيد غودال، تذكّرت ما كتبتَه أنت عن روايتي "موت رحيم"، أعدت قراءة ما كتبتَه أنت، لا أخفي أنني حزنت عليك.. نعم فعلت ذلك، حزنت لأن لك لغة ساحرة، لغة هي الأعلى شانًا، ممّا يعني أنها الأخصب وجعاً، وهذا لابدّ مدعاة للحزن، فأن تكون على هذه الدرجة من الوجع، أمر مؤسف.

 

العالم لا يحتاج إلى كل هذا الوجع.. العالم يحتاج إلى الاستسلام  أو الانتحار، وما بينهما نكتة.

 

بطبيعة الحال، واحد مثلي اختار الاستسلام لعجزه عن اختيار الثاني، فهذا الرجل، وأعني ديفيد غودال، كان قد ودّع أحفاده واحتفل بوجبته المفضّلة وبموسيقاه المفضّلة، وحسب ما ورد من أخبار كانت آخر كلمات نطق بها والسيروم في وريده:

 

لم كل هذا البطء؟

 

هل لنا من الشجاعة ما لهذا الرجل، ونحن أولاد البلاد المقتولة، الناس المقتولون، الحلم المهدور، القلوب المدمّرة كرشقات الطحين؟ هل لنا من المروءة ما يكفي لنفعل ما تفعله الفِيَلة؟

 

نعم الفِيَلة، وكانت قد سبقت ديفيد إلى خيارها الواضح، الشجاع، الشريف، فما إن يفقد الفيل الشغف حتى يقطع مسافات هائلة في الغابات، وما إن يصل إلى مقبرة الفِيَلة حتى يتمدّد، وينام دون أن ينهض ثانية، وبعدها يأتي صيادو العاج ليقطفوا أسنانه، وها أنذا أعلّق في عنقي بعضاً من أسنان فيل.

 

نسيت أن أسألك:

 

ما الذي تفعله في وقتك الآن؟

 

أظنّك ما زلت تقطع المسافات من دُمّر إلى شارع العابد وكأنما تقتفي أثرك، ثم تحفر في الكتابة، ولا يغيب عني يقيني بأنك ما زلت تقف أمام المرآة، وكأنما ترى في ابيضاض شعرك ما يعيدك إلى صورة فلاسفة اليونان القديم، وربما إلى قياصرة روما، وأعرف أنك شغوف بالعابرات.

 

أقول العابرات؟!!

 

يالي من رجل وقح، ويالك من صديق يطوي صفحة الإساءة لصديق، وكنّا اثنين، وكنتُ لا أتوقّف عن الهذيان، وكنت تُصغي كمن يدرك احتياج عطش في صحراء ماؤها سراب.

 

مشتاق لك يا عادل، لكلمتين اثنتين:

 

نحن –المقتولين- أضعنا قاتلنا.

 

وسأسألك:

 

هل تعرف قاتلك؟

 

دلّني عليه إن عرفته، ولن تدلّني كي لا أعدك بأن أثأر لك.

 

الصيغة؟ الوقت؟ خفقات القلب؟ الحرب؟ الطغيان؟ تحالف رأس المال؟ الدين؟ الإرهاب؟ المصادفة؟ الجغرافيا؟ أنين الأوْردة؟ الذاكرة؟ العجز؟ الفاقة؟ الخيانات الصغرى؟ الخيانات الكبرى؟ هزائم الأوطان؟ انتصار الضباع؟ الوهم؟ سقوط الوهم؟

 

دلّني يا عادل دون عكّازات اللغة، بالكلام السهل، بإشارات اليد، بتكوير القبضة، بالإصبع الوسطى، بهزة من الرأس.. يا سيدي وإن شئت بقصيدة لا تستدعي الكثير من الدلالات.

 

مع ذلك هأنذا أطالبك بأن نعيش، وأستطيع أن أختصر الأسباب:

 

لنتفرّج بالكثير من الشفقة والقليل من الذكاء.

 

ومع الفرجة شيء من التسلية، وشيء من إعمال الخيال، وبعض من الاكتشافات الصغيرة، حتماً ليست بقوّة وبراعة اكتشاف الدولاب، اكتشافات من نوع:

 

رقصات البورسعيديين، الكذبات الطيّبة لأحمد فؤاد نجم، قصائد الأبنودي، خيالات فساتين سعاد حسني، صخب لاعبي طاولة نرد، عطور أنطون نصري، عذوبة نزار العاني، فظاظة واستعراضات السبّابات الممدودة بالتهديد والوعيد، وكذلك باستمرار المشي.. المشي، ثم المشي، ثم المشي، ولا بأس أن تتورّم أقدامنا وتُستنبت فيها مسامير القدم تلك التي تعالج بالسكين.

 

اكتبْ لي.. أنا في الصحراء يا عادلُ، والماءُ سراب.

 



14 أيار 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة