728 x 90

اقتصاد الإدارة الذاتيّة ومحاولات بناء نموذج اقتصاديّ

1956265570.jpg

 

 

يمكن الجزم بأن التجربة الوليدة للإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا، والتي لم تحظَ بعد باعتراف رسميّ من القوى العالمية رغم تعامل بعضها ضمن أُطر محدّدة وفي مجالات معيّنة، تُعدّ تجربةً جديدة بكل المعايير السياسية والاقتصادية والاجتماعية على امتداد خارطة الشرق الأوسط. وما يدعو إلى إطلاق هذا الجزم هو تميّز هذه التجربة بتقديمها لأطروحات جديدة ومختلفة عمّا هو سائد في المنطقة من نماذج متنوّعة من الدولة القومية، حيث تعلن هذه الإدارة بوضوح عن مناهضتها لأنظمة الدولة القومية المثيرة- من وجهة نظرهم- للكثير من المشكلات والقضايا التي تعمّقت باستمرار في ظلّ سيطرتها على مدى قرن ونيف في المنطقة، وباتت عصيّة عن الحلول المقدّمة كوصفات جاهزة، خاصةً في القضايا الاقتصادية، في ظل استمرار تلك الأنظمة. لذلك وجد ممثلو هذه الإدارة أن عبء البحث عن بديل لتلك الأنظمة يقع على عاتقهم لتحقيق النجاح في خطواتهم العملية، وتُعدّ عملية نجاح المشروع الاقتصادي ضمانةً لتحقيق النجاح في المجالات الأخرى لما لها من علاقة وثيقة بقوت الشعب.

 

الطرح غير الناضج

 

إذا كانت الإدارة الذاتية تمتلك تجارب عسكرية ناجحة تؤكّدها الوقائع على الأرض، فإنها لا تمتلك نفس التجربة والقدرة على إدارة النظام الاقتصادي، فهي تعاني خللاً واسعاً في هذا المجال، ويتمثّل ذلك في عدم قيامها ببناء منظومة اقتصادية شاملة وواضحة المعالم، أو وضع أسس العمل لها على أقلّ تقدير، رغم أنها بدأت تمتلك زمام إدارة مناطق توسّعت تدريجياً لتعادل مساحتها أربعة أضعاف مساحة بلد مثل لبنان على مدى خمسة أعوام.

 

يُعْتقدُ بأن الإدارة الذاتية قد أدركت ضرورة الاهتمام الكبير بهذا الجانب في الحياة العامة، لذلك بدأت بإدراجه ضمن واحدة من أهمّ مشاريعها التي تدعو من خلالها إلى تنظيم اللقاءات المساهمة في تحقيق التقارب في وجهات نظر جزء من المعارضة السورية، لا سيما الداخلية منها، وأصبح واحداً من أهمّ الأولويّات التي يجب مواجهتها خشية الوقوع في فخّ القضايا الاجتماعية ذات العلاقة القوية بمسارات النظام الاقتصادي عبر مسيرته. لذلك لم يكن أمامها إلا تقديم طروحاتها الاقتصادية للمراحل القادمة عبر القنوات التي تربط بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية، رغم ضعف الرؤية الواضحة في هذا المجال.

 

عموماً، يمكن استشفاف مسارات السياسة الاقتصادية للإدارة الذاتية عبر قنوات تحقيق التنسيق بين ما هو سائد وما يُخطَّط له، وذلك ببناء منظومة اقتصادية تعمل على تنمية القطاعات الاقتصادية الاجتماعية وبناء المؤسّسات العاملة فيها، إلى جانب العمل على فتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية دون أن تتوضّح صيغ وآليات التعامل في هذا المجال.

 

منح الأهمّية للاقتصاد الاجتماعي

 

إن الرؤية الاقتصادية التي تريد الإدارة الذاتية بلورتها في المناطق التي تقع تحت سيطرتها لا تمنح هامشاً كبيراً للاقتصاد الاجتماعي فحسب، بل ترى فيه أساس إنقاذ المجتمع والبيئة من الكوارث التي تلحق بالبشرية في ظل سيطرة مدارس الليبرالية الاقتصادية، إلا أن تلك الرؤية تواجه عقبات وتحدّيات جدّية في تطبيقاتها تحت تأثير مجموعة من العوامل الذاتية وأخرى خارجية. ولعل أهمّ تلك التحدّيات تكمن في ضعف الاستيعاب الواضح للمفهوم، ولا شك أن ذلك ناجمٌ عن ضعف فلسفة المتابعة للنظريات الاقتصادية والاجتماعية لتفكيك حيثياتها وتوظيفها في خدمة المكوّنات الاجتماعية في مناطق سيطرتها. 

 

فالموضوع الذي يتمّ تبنّيه في شمالي وشرقي سوريا يندرج ضمن مفهوم اللاسلطوية، وهذا قد يساعد على توظيف الموارد الاقتصادية في الجغرافيا المحدّدة في خدمة مصالح المجتمع عبر بناء المؤسّسات الاقتصادية ذات الطبيعة الاجتماعية، مثل الجمعيات التعاونية، والشركات المساهمة الإنتاجية، إلى جانب تطوير المؤسّسات الخدمية وتمويلها عبر الفوائض المحقّقة من الموارد الاقتصادية. وتجدر الإشارة إلى أن الإدارة تملك المقوّمات الطبيعية لنجاح الاقتصاد الاجتماعي، حيث تمتلك مصادر ما يتجاوز 55% من الموارد المساهمة في تكوين الناتج المحلّي الإجمالي لعموم سوريا. إلا أنها لم تلقَ بعد أي خطوات عملية جديرة بالذكر، رغم بعض المحاولات، التي يمكن وصفها بأنها لم تأتِ في إطار رسم إستراتيجية اقتصادية شاملة لمناطق سيطرتها. إذ أن الإدارة تعاني من غياب برامج تفصيلية ذات أفق مستقبلية على صعيد تحقيق الترابط بين القطاعات الاقتصادية، هذا من جهة، وتعاني من غياب الرؤية الواضحة في هيكلية المنظومة الاقتصادية التي تتعامل من خلالها مع المركز في سورية المستقبل، وكذلك في آليات وضع تلك الهيكلية، ولا شكّ أن ذلك يعتبر واحداً من أكثر القضايا الجوهرية التي تواجه الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا وتضعها على المحكّ.

 

بصورة عامة تؤكّد التجارب العالمية أن تنمية الاقتصاد الاجتماعي تبقى أسيرة القيود المفروضة عليها من تحالف سلطة رأس المال مع سلطة السياسة، لذلك لا يمكن لها أن تنجح في الاستمالة الكلية للمجتمع لصالح بناء المؤسّسات الاقتصادية- الاجتماعية، وبناءً عليه تفرض المنطقية الاقتصادية، السير وفق مسار يشجّع الاستثمارات المقيّدة بالتوازي مع بناء مؤسّسات الاقتصاد الاجتماعي. إن التغافل عن هذه النقطة ستؤدّي بصورةٍ حتمية إلى فشل أي مشروع اقتصادي يتمّ طرحه، إذا أدركنا حجم القوة الهائلة التي تملكها القوى الليبرالية المتحكّمة في جميع مفاصل الاقتصاد عالمياً.

 

 

تنمية مسارات استثمارية منضبطة

 

في استجابة واقعية لما تفرضه عملية التنمية الاقتصادية لتطوير الاستثمارات التي تلبّي حاجة المجتمع من الخدمات والسلع، فإن أي منظومة اقتصادية مجرّدة من الاستثمارات الحقيقية تبقى في حالة التعبير عن الفشل الاقتصادي، سواء تمّ تقييمها من زاوية عدم إدراك أهمّية الاستثمار أو من زاوية طوباوية التفكير التي ترى في الاقتصاد على أنه مجرّد أداة لتلبية الحاجات عبر نظام اجتماعي بكلّيّته، دون الحاجة إلى مناقشة القيم التبادلية. من هنا توجّب معرفة الأهمّية القصوى للاستثمارات في القطاعات الاقتصادية المختلفة والمنضبطة بموجب قوانين مستمدّة من منظومة فكرية تتميّز بربطها الوثيق ما بين الربح الاقتصادي والربح الاجتماعي، مع توضيح أن الأول يشكّل مساراً واضحاً للعبور إلى الثاني، وهو بذلك يحدّد الإطار العام للنشاطات الاستثمارية التي تحتاج إلى التشجيع، ويمكن أن تكون النشاطات الاقتصادية وفق هذا المسار عائدة للقطاعين العامّ والخاصّ المحلّي والأجنبي.  

 

التنمية المُستدامة

 

يكمن جوهر أكبر قضية اقتصادية، مرافقة لتحقيق التوازن ما بين الموارد والحاجات، في الآثار الناجمة عن تأمين الحاجات عبر توظيف مختلف الموارد. وقد تأكّد عبر تاريخ التطوّر الاقتصادي أن عملية توظيف الموارد تستجلب معها مخاطر بيئية كبيرة وتصل إلى حدّ تحوّلها للكارثية مع الزيادة التدريجية في استغلالها، لذا لا بدّ من ادّخار المزيد من الجهد الفكري والتطبيقي لدراسة الآثار البيئية لعملية استثمار الموارد، والبحث عن السبُل التي تؤدّي إلى ترشيد تلك الآثار وجعلها ضمن الأُطر الذي لن يؤثّر سلباً على التكلفة الاجتماعية والبيئية للأجيال القادمة.

 

إن موضوع حماية البيئة تحمل مكاناً متقدّماً في أدبيات الإدارة الذاتية، لدرجة يكاد يكون طاغياً في جميع المؤسّسات، إلا أن ترجمة عبارة الإيكولوجيا لم ترَ طريقها إلى التطبيق على امتداد جغرافيا شمالي وشرقي سوريا بشكلها المطلوب، وهي تحتاج إلى خارطة طريق كاملة للتمكّن من عدم توريث المشاكل، التي تتعاظم عبر تطوّرها، للأجيال القادمة. وتجدر الإشارة إلى أن ذلك ليس بالأمر اليسير في ظل سطوة رأس المال العالمي وسعيه الدائم إلى لَبْرَلة كل القِيَم الاقتصادية والاجتماعية.

لا يمكن التيقُّن بالنتائج النهائية لأي مشروع فكري اقتصادي، نظراً لصعوبة إدراك جميع المعطيات المؤثّرة فيه، وتغيّرها المستمرّ عبر مراحل تطبيقه، إلا أن ما يمكن إيراده بخصوص التجربة الاقتصادية للإدارة الذاتية هي أنها ما زالت في مرحلة ما قبل الانطلاق، وهذا ما يمنحها فرصة الانطلاق الصحيح في مساراتها الفكرية والتطبيقية، وإن كان ذلك بنسبٍ متفاوتة. 

 

 



22 كانون أول 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة