728 x 90

استهداف البِنَى التحتيّة في ريفي إدلب الجنوبيّ وحماة الشماليّ

2631979541.jpg

 

 

دخان يتصاعد من أكثر من مكان، صريخ وعويل لأطفال ونساء ورجال تركض وتبحث عن عائلاتها بين الدمار، والغبار يخفي ملامحهم.. يتكرّر هذا المشهد يومياً في ريف إدلب وحماة، حيث تدور المعارك الطاحنة منذ أكثر من شهر هناك، قصف قوات النظام السوريّ والطيران الروسيّ لا يتوقّف، والقتال على أشدّه في الجبهات بين قوات النظام وفصائل المعارضة المسلحة في منطقة خفض التصعيد.

 

وعلى الرغم من أن  إيران وتركيا وروسيا -الدول الثلاثة الراعية لاجتماعات أستانا- كانت قد حدّدت منطقة إدلب في مارس/آذار2017، "منطقة خفض تصعيد"، وأنشأت مراكز مراقبة عسكرية لضمان التزام الحكومة السوريّة وجماعات المعارضة المسلحة بوقف إطلاق النار، إلا أن العمليات العسكرية البرّية والجوّية على إدلب بريفها الجنوبي وريف حماة الشمالي، لم تتوقّف منذ شهر تشرين الأول من العام الماضي.

 

فقد خضعت المنطقة بعد اتّفاق سوتشي  في 17/9 /2018 إلى ثلاث حملات، كانت أوّلها في تشرين الأول 2018، لتأتي بعدها الحملة الثانية في كانون الأول من عام 2018 التي استهدفت منازل المدنيّين مباشرة، والأحياء السكنيّة في المنطقة، ثم أتت الحملة الثالثة التي بدأت في 2 شباط 2019، واستمرّت حتى الوقت الحالي. لكن الحملة ازدادت فيها شدّة القصف، وتوسّعت المناطق المستهدفة منذ 29 نيسان من العام الجاري حتى اللحظة.

 

يصف مدنيّو إدلب وريفها هذه الحملة بأنها "الأشرس والأعنف"، ولا تترك حجراَ في إدلب إلّا وتطاله، ويستغربون من استهداف المنشآت الحيويّة والمراكز الصحّية والمدارس التي تقدّم خدمات للمدنيّين.

 

وذكر مارك لوكوك منسّق الشؤون الإنسانية والإغاثة في حالات الطوارئ بالأمم المتحدة لمجلس الأمن في اجتماع مجلس الأمن في 27 من الشهر الجاري أن 49 مركزاً طبّياً أوقفت نشاطها كلّياً أو جزئياً، بعضها بدافع الخوف من التعرّض لهجوم، بينما دُمّرت أو تضرّرت 17 مدرسة، وأغلقت مدارس أخرى أبوابها.

 

 

قصف المشافي والمراكز الصحّية

 

" الوضع الطبّي مزرٍ جدّاً.. تقدّم الخدمة الطبّية لمَن تبقّى من المدنيّين في المشافي التي يُعاد تأهيلها مؤقّتاً. القصف مكثّف على المراكز الطبّية حتى هذه اللحظة، ولا يوجد مشفى مؤهّل الآن، إلّا لإسعافات الحالات الحرجة جدّاً، كما أن معظم الكوادر الطبّية غادرت بسبب القصف".

 

هكذا يصف رامي الفارس ممرض في مشفى كفرنبل وأورينت الوضع في ريف إدلب لـ مجلّة صُوَر، ويضيف " تركّز القصف على المراكز الطبّية والمشافي، وخاصة في ريف حماة الشماليّ وريف إدلب الجنوبيّ، فقد تمّ قصف معظم المراكز الطبّية والمشافي وإخراجها عن الخدمة بالتدريج،  بداية استهدفوا ريف حماة الشماليّ، فقصفوا مشفى اللطامنة ومشفى المغارة ومشفى كفرزيتا، ومشفى خان شيخون خرجت عن الخدمة تماماً، ثم قصفوا لاحقاً مشفى كفرنبل الجراحي ومشفى هاند إن هاند، ومشفى نبض الحياة باستهدافها بصواريخ شديدة الانفجار، وتمّ قصف مشفى شام في مدينة كفرنبل وإخراجه عن الخدمة، وأخيراً استُهدِف مشفى الحكمة. كل مشافي المنطقة خارجة عن الخدمة في شريط الريف الحمويّ الشماليّ وريف إدلب الجنوبيّ. توجد بعض المشافي على الحدود السوريّة التركيّة، وتعتبر مؤخّرة طبّية تستقبل حالات كثيرة جداً نتيجة القصف الروسيّ والسوريّ".

 

الممرض فارس كان موجوداً أثناء قصف مشفى كفرنبل الجراحيّ، واستشهد على إثره مريضان من المدنيّين كانا يتلقّيان العلاج أثناء القصف، بالإضافة إلى 10 إصابات تمّ نقلها إلى مشافي أقصى الشمال، وهي المرّة الثالثة التي يتعرّض فيها هذا المشفى للقصف خلال عشرة أيام.

 

يوضح محمد الحلّاج مدير منظمة (منظمو الاستجابة) لـ مجلّة صُوَر أن 58 منشأة طبّية بين مستوصفات ومشافي ومراكز لقاح تضرّرت أو خرجت عن الخدمة بسبب القصف المباشر أو استهداف غير مباشر قريب من المنطقة.

 

القصف المستمرّ للمنشآت الطبّية، وهروب الكوادر الطبّية من تلك المناطق تركتها من دون خدمات طبّية وحتى الإسعافات الأوّلية توقفت وفق سكان المنطقة. تقول سعاد من مدينة كفرنبل، وهي مديرة لأحد المراكز النسائية لـ صُوَر "ابني تعرّض لاستنشاق الغبار من القصف، وأصيب بضيق في التنفّس، وإقياء شديد، وارتفاع في الحرارة، لم يكن يوجد أي طبيب ليعالجه.. كفرنبل أصبحت مدينة أشباح، حتى الصيدليّات كانت مغلقة.. تواصلت على مجموعة عبر الواتس أب ليعطوني إرشادات كيف أتعامل مع حالته".

 

وتصف سعاد الحالة التي يتعرّض لها المدنيّون أثناء القصف "المواد المتفجّرة لها سموم، ليس شرط أن تكون كيماوية، لكنها تُحدِث حالات ضيق تنفّس، وهذا صعب في منطقتنا، لأنهم استهدفوا المشافي، لم تبقَ أيّة مشفى.. آخر مشفى في كفرنبل خرج عن الخدمة، وهذه الحالات تتكرّر مع تكرار القصف، والأطبّاء يغلقون عياداتهم ليختبئوا في الملاجئ، لا يوجد طبيب يعالج إلا في حالات الإسعاف والحالات الحرجة والخطيرة ".

 

وحول مواجهة الكوادر الطبّية للقصف، يروي الممرّض رامي الفارس لمجلّة صُوَر" في بداية الثورة لم تكن المراكز الصحّية والمستشفيات تُستهدَف، ولم يخطر ببالنا أن تُقصَف المشافي، ولا يوجد في الأعراف الدولية ولا المعاهدات أن تُقصَف المشافي، على العكس تُؤخَذ إحداثيّات للأمم المتّحدة عن أماكن المشافي حتى لا يتمّ استهدافها، وما حدث في سوريا هو العكس، يتمّ قصف المشافي بوحشيّة وتصميم."

 

المدارس والمراكز التعليميّة

 

طال القصف المدارس والمراكز التعليميّة، كما طال غيرها من المنشآت، فقد وثّقت مديرية تربية إدلب تعرُّض ٤٥ مدرسة للقصف والغارات، كما وثّقت مديرية تربية حماة تعرّض ٢٥ مدرسة للقصف منذ بداية الحملة العسكرية.

 

ووفقاً لتقرير نشرته الأمم المتّحدة سجّل مراقبون ونشطاء محلّيّون مئات الغارات يومياً ضدّ المدارس والمستشفيات والمنازل، وهي أهداف مدنيّة محميّة بموجب القانون الدوليّ.

 

وعلى إثر ذلك أغلقت مديرية التربية بحماة جميع مدارسها، وأعلنت مديرية التربية والتعليم بإدلب عن تعطيل امتحانات الطلاب في المجمّعات الجنوبية منها " مجمّع جسر الشغور و أريحا و كفرنبل وخان شيخون ومعرّة النعمان".

 

تواصلت مجلّة صُوَر مع رئيس المكتب الإعلاميّ لمديرية تربية إدلب "الحرّة" مصطفى حاج علي فقال: "تعرّضت مدن وبلدات الشمال لحملة باستهداف المدنيّين والقرى المجاورة لحواجز النظام والمعسكرات الروسية، وتركّزت على المدارس والمنشآت التعليميّة".

 

موضّحاً بأن ١٩٥٠٠ طالب وطالبة بحماة تعطّلت مدراسهم، وحُرِموا من إكمال تعليمهم و ٢١٠ ألف طالب في إدلب، وماتزال المدارس مغلقة، والطلاب نازحون مع أسرهم في المناطق قرب الحدود السوريّة التركيّة. لقد وصل عدد المدارس التي تعرّضت –حالياً- للقصف في الحملة الأخيرة ٥٨ مدرسة.

 

كما تعرّض طلاب مدرسة علي ديبان ببلدة الشيخ إدريس بريف إدلب الشرقي لقذائف مدفعية مصدرها حواجز النظام والقوات الروسية بإعجاز قرب مطار أبو ظهور، وذلك أثناء استراحتهم بين الدروس بتاريخ 26/3 / 2019 أدّت إلى مقتل طالبين و إصابة طلاب آخرين.

 

مراكز الدفاع المدنيّ والمؤسّسات الأخرى

 

وثّقت الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان منذ بدء التصعيد العسكري في مناطق خفض التصعيد الرابعة منذ 26 نيسان حتى 29 أيار عدّة انتهاكات في قصف العديد من المنشآت الحيوية، إذ تمّ حتى الآن استهداف 8 مراكز للدفاع المدنيّ.

 

يقول الحلاج: تمّ استهداف مراكز الدفاع المدنيّ، النقطة الأساسية التي تُستهدف دائماً وبشكل كامل ومتكرّر.

 

أمّا سعاد فتصف القصف بقولها: "يقصفون المكان نفسه أكثر من مرّة، وينتظرون وصول الدفاع المدنيّ، وينتظرون 5 دقائق حتى يتجمّع الناس، ثم يعيدون القصف مرّة أخرى ليستهدفوا أكبر عدد ممكن".

 

بالإضافة إلى ذلك، فقد وثّقت الشبكة أيضاً استهداف 31 مسجداً ودار عبادة منذ الحملة الأخيرة في نهاية الشهر الماضي حتى الآن.

 

في اجتماع مجلس الأمن الأخير في 27 من الشهر الجاري اختلف الأعضاء على مَن يتحمّل مسؤولية ما يجري في منطقة خفض التصعيد الرابعة! بحسب تقرير نشرته رويترز قالت كارين بيرس مندوبة بريطانيا لدى الأمم المتحدة للمجلس المؤلّف من 15 دولة عضواً مَن يتحمّل المسؤوليّة "بما أننا نعرف أن روسيا وسوريا هما البلدان الوحيدان اللذان يسيران طائرات في المنطقة فهل الإجابة... القوات الجوّية الروسيّة والسوريّة؟"

 

لكنّ مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا قال: إن القوات السوريّة والروسيّة لا تستهدف المدنيّين أو البنية التحتيّة المدنيّة، وشكّك في المصادر التي تستخدمها الأمم المتّحدة، "هدفنا هو الإرهابيّون".

 

فعلى مَن تقع المسؤولية في هذه الكوارث الإنسانية في ريفي إدلب وحماة؟ ومَن الذي يملك القرار لوقف القصف المستمرّ على المدنيّين ومراكز خدماتهم المختلفة؟



31 أيار 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة