728 x 90

استمرار عجلة التعليم في إدلب رغم كلّ المعوقات

2107466374.jpg

 

سونيا العلي 

 

 

"لا أرسل أبنائي إلى المدرسة، خوفاً من قصف قوّات النظام لها. أنا أعلم علم اليقين أن ذلك سيؤثر على مستقبلهم سلباً، لكن حرمانهم مدارسهم أهون علينا من حرمانهم أرواحهم"،
هذا ما قاله أبو عامر بصوتٍ حزينٍ لمجلة "صوَر"، فهو أبٌ لخمسة أبناءٍ فاتهم التحصيل العلميّ.

 

خمس سنواتٍ من عمر الأزمة في سوريا، وفي كلّ عامٍ تتزايد وتيرة العنف، وتؤثر سلباً على القطاعات كافةً وخاصّةً قطاع التعليم. فمع بدء العام الدراسيّ الجديد توجّه التلاميذ إلى مدارسهم بقلوبٍ يملؤها التفاؤل والاستبشار بقادمٍ أفضل يحمل الخير والبشرى لبناء مستقبلهم الموعود، ولكن المعوقات كثيرةٌ وبالغة التعقيد، وتتجلى بشكلٍ واضحٍ في محافظة إدلب بعد سيطرة المعارضة المسلحة عليها. وحول هذا الموضوع يقول السيد جمال الشحود، مدير تربية إدلب الحرّة: "لقد قام النظام بقصف مدارس عديدةٍ في المحافظة، مما أدّى إلى امتناع الكثير من الأهالي عن إرسال أبنائهم إليها. فقد دُمّر حوالي 30% منها بشكلٍ كاملٍ أو جزئيٍّ، وبلغ عدد المدارس المتضرّرة (452) مدرسةً، أما الخارج عن الخدمة فهو حوالي (92)، بالإضافة إلى استخدام الكثير منها كمراكز لإيواء الأسر المهجّرة من مناطقها الساخنة وجبهاتها المشتعلة".


ويؤكّد السيد جمال أن الأمر الثاني الذي أدّى إلى تراجع العملية التربوية في المحافظة هو قيام النظام بفصل (1446) مدرّساً ومعلّماً بسبب تعاطفهم مع الثورة ومطالب الشعب. ولا يستطيع أيّ معلّمٍ أن يدرّس مجاناً لمدّةٍ طويلة، لأنه يحتاج إلى ما يسدّ رمقه، فأغلب المدرسين يعتمدون على الراتب اعتماداً كاملاً.


أما مدرّس اللغة العربية عمر الأحمد (35 عاماً) فكان يعمل في إحدى مدارس معرّة النعمان، ولكن الراتب الذي لا يتناسب مع الغلاء الفاحش الذي تعيشه البلاد دفعه إلى ترك التدريس والاتجاه إلى العمل الحرّ لتلبية متطلبات الحياة اليومية. يوضح عمر لمجلة "صوَر": "قلة الراتب وصعوبة الحصول عليه هو ما أجبرني على ترك التدريس. كنت أتقاضى حوالي (30) ألف ليرةٍ سورية، أي أقلّ من (100) دولار. وبعد سقوط مدينة إدلب أصبح مدرّسو المحافظة تحت تصرّف مديرية التربية بمحافظة حماة. وعلينا أن نتحمّل مشقة السفر إلى هناك للحصول على الراتب الذي يضيع ثلثه بين تكلفة الطريق من جهةٍ واستغلال حواجز النظام من جهةٍ أخرى. ناهيك عن إمكانية تعرّض أيّ شخصٍ للاعتقال التعسفيّ أثناء الطريق".

 


 

أما المشكلات والمعوقات التي تؤثر على سير العملية التعليمية داخل المدرسة فيطلعنا عليها أبو خالد، وهو مدير إحدى مدارس قرية جرجناز، بقوله: "قامت مديرية تربية النظام، بحسب ما أفاد به مديرها محمود سحاري، بإيقاف بند الإنفاق من قبل وزارة المالية، مما أدّى إلى ضعفٍ في الإمكانيات المادية للمدارس. وذلك لا يتناسب مع كثرة مستلزمات التعليم، فنحن نحتاج إلى قرطاسية (أقلام - دفاتر) ومحروقات التدفئة، ولدينا نقصٌ في المقاعد والوسائل التوضيحية التعليمية والكتب المدرسية، إذ نوزّع على التلاميذ ما لدينا من كتبٍ قديمةٍ في مكتبة المدرسة، مما يؤدي إلى تأخرٍ في مسيرة التعليم".


ويشير المدير إلى أن المدرسة تعتمد في اقتصادها على التبرّعات، بالإضافة إلى مبالغ بسيطةٍ يتمّ جمعها من التلاميذ. أما المناهج التي تدرّس فهي المناهج المقرّرة من التربية السورية، مع إقصاء مادة التربية القومية وكلّ الدروس التي تمجّد النظام وتتغنى ببطولاته، وذلك بناءً على طلبٍ من عناصر الجيش الحرّ.

 


 

وهناك عددٌ من التلاميذ تركوا مقاعد الدراسة، واتجهوا إلى العمل من أجل مساعدة أسرهم التي تقع تحت خط الفقر، أو لأنهم فقدوا رب الأسرة. ومنهم الطالب جميل السلوم (12 عاماً)، الذي اضطرّ إلى ترك المدرسة من أجل إعانة والدته وإخوته بعد استشهاد والده، إذ يقول: "أعمل من الصباح وحتى المساء لأؤمّن ما يسدّ رمق أسرتي، فلديّ أربعة إخوةٍ وأنا أكبرهم. تركت المدرسة مع أنني أحبها كثيراً، وكنت أعلق عليها أحلاماً كبيرة، ولكن الأوضاع الصعبة وقفت عائقاً في طريق تحقيق أحلامي".


يحدّثنا رئيس المجمع التربويّ في مدينة كفرنبل، كاسر علي الشيخ، قائلاً: "يجب على المجتمع الدوليّ أن يساعد أطفال سوريا وينقذهم من كارثةٍ حقيقيةٍ تتمثل في تخريج جيلٍ جاهلٍ. لأن الأمية، التي كانت من مخلفات الماضي، ستطلّ برأسها من جديد. لن يستطيع قطاع التعليم في محافظة إدلب أن يصمد ويتكيّف مع مآسي الصراع مع كلّ تلك المعوقات التي تعترض طريقه، فهو يتلخص اليوم بطلابٍ خائفين، وأدوات تدريسٍ غائبة، وكادر تدريسٍ محدودٍ وأغلبه غير متخصّص". ويرى السيد كاسر أن الجهود يجب أن تتضافر من أجل استمرار عجلة التعليم، وانتشال الأطفال من أسواق العمل والعودة بهم إلى مقاعد الدراسة، والحفاظ على التواصل بين الطالب والكتاب.

 



29 تشرين ثاني 2015

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة