728 x 90

استثمار مطار دمشق الدوليّ "ألا أونا.. ألا دو.. ألا تريه"

2937135060.jpg

 

 

استثمار مطار دمشق الدوليّ "ألا أونا.. ألا دو.. ألا تريه"

الحكومة السوريّة تؤكّد إمكانيّة الاستثمار بنظام ( B.O.T)

شركات روسيّة حصلت على معلومات عن المطار وقدّمت عروضها

 

 

 

أتى صادماً موقف الحكومة السوريّة، من طرح المنشآت السيادية على الاستثمار، ففتح الباب على مصراعيه ودونما استثناءات، لايعني تشجيع الاستثمار، بقدر ما يدلّ على حالة عجز حكومي عامّة، وشلل تنموي واضح، ورغبة في نفض اليدين من مسؤوليات وطنية ـ اقتصادية. وها هي ذي وزارة النقل تنفي استثمار شركات روسيّة لمطار دمشق الدوليّ، لكنها في بيانها الشهير الذي أصدرته في 20 أيار العام الجاري، صبّت الزيت على النار، وخلقت قضية كانت في عرف الاقتصاد السوري مُحرَّمة، بأن تتخلّى الحكومة عن المنشآت السيادية وتطرحها على طبق من ذهب أمام المستثمرين الأجانب، مقرّة بعزمها على طرح مطار دمشق على الاستثمار.

 

ويُعدّ هذا البيان إذن بدء العمل الفعلي في استثمار المنشآت التي كان يُطلَق عليها خطّ أحمر، فبعد ابتلاع غصّة مرفأ طرطوس الذي صار من حصّة الاستثمارات الروسيّة، أتت الكارثة برغبة وزارة النقل في إيجاد مستثمر يليق بمطار دمشق الدوليّ الذي يبعد عن العاصمة 25 كيلو متراً. وهي ليست المرة الأولى التي تحاول جهة حكومية خلط الأوراق، دون أن تخشى من الذنب الاقتصادي الكبير الذي تقترفه، وتتهرّب من تبعات ذلك عبر صوغ موقف استثماريّ منفتح، لكن في القطاع السياديّ الذي يشكّل أمناً وطنياً، وهو النقل الجوّي.

 

المطار تحت الطلب

 

أصدرت وزارة النقل السوريّة في 20 أيار الجاري بياناً توضيحياً، أكّدت فيه نفيها "وجود مفاوضات حول استثمار مطار دمشق الدوليّ من قِبَل أي جهة كانت". لكن لغة البيان الواضحة، وعباراته المصاغة بدقّة تدلّ على أن استثمار المطار من قِبَل أي جهة أمر غير مرفوض، بل هو مُتاح وفق نظام ( B.O.T )، وهذا ما يعكس موقف الوزارة المذكورة، وبالتالي موقف الحكومة السوريّة من الاستثمار في البلاد، والاستعداد لطرح أي منشأة أمام المستثمرين. إذ بعد مطار دمشق الدولي لن يكون هناك من يحزن على طرح منشأة أخرى، أو يذرف دمعة على تخلّي الحكومة عن منشآت الدولة.

 

وجاء في البيان، الذي كان يُراد منه حسم الجدل، وتخفيف حدّة الانتقادات في الشارع السوريّ لاسيّما الاقتصادي منه، حول طرح المطار على الاستثمار، جاء فيه "إن الانطلاق بالاستثمار بدأ من ميناء طرطوس، ومن الممكن أن يطبّق على استثمارات أخرى بما يضمن الارتقاء بواقع هذه القطاعات، وبما يحقّق الفائدة للطرفين". وهذا كلام لايقبل التأويل، ودلالته ومضامينه شديدة الوضوح، بل هو دعوة صريحة لخوض تجربة هي الأولى من نوعها باستثمار مطار دولي في سورية أو غيره من المنشآت، بل هو الاعتراف الحكومي الأوّل، بالرغبة العارمة في طرح المطار على الاستثمار.

 

 

شرط المنفعة

 

رَمَت وزارة النقل بالون اختبار، عبر تصريح لمدير مطار دمشق الدولي نضال محمد بإمكانية استثمار شركات روسية للمطار. وبرّر المدير موقفه بجملة عوامل أبرزها: إن حالة المطار "متردّية" على المستويين الفنّي والخدمي، وأن الحكومة "عاجزة" عن إصلاحه. ووصف الخدمات في المطار "بالسيّئة". ولم يجد محمد، في موقف غير اعتيادي، "ما يمنع" من استثمار مبنى المطار من قبل شركة أجنبية. إلا أن ردّة الفعل المستهجنة دفعت بالوزارة إلى توضيح الواضح، والعودة إلى تأكيد المؤكّد، دون أن تكذّب مديرها. إذ أنها أعادت نشر معلومات عن مباحثات سابقة مع شركات روسيّة راغبة في تطوير واستثمار المطار، وهو ما يتناقض مع بيانها، وينسف المفاوضات التي جرت مع الجانب الروسي ( وسنأتي على ذكرها لاحقاً) والعروض المقدّمة للاستثمار. إذاً استعدّوا أيها المستثمرون، فالفرصة مواتية، والحكومة السوريّة لا ترفض مشاركتكم باستثمار المنشآت العامّة، شريطة تحقيق المنفعة.

 

  عجز حكوميّ

 

قضيّة مطار دمشق الذي بُني 1970 مثيرة للتساؤلات، إذ أن حكومة عماد خميس وخلال الفترة الماضية، أقرّت العديد من التوجّهات الرامية إلى البحث عن مكان جديد لبناء مطار جديد لدمشق بدلاً من المطار الحالي الذي تبلغ قدرته الاستيعابية 5 ملايين مسافر سنوياً، إضافة إلى إعداد دراسات لتطوير وتأهيل المطار لتصل قدرة المطار السنوية إلى 25 مليون مسافر. وباشرت وزارة النقل باتّخاذ هكذا إجراءات، وتوصّلت إلى اقتراح موقعين بديلين من الممكن أن يكون أحدهما مقرّاً للمطار العتيد. لكن في الوقت عينه، تفاوضت الوزارة مع شركات روسية لاستثمار المطار. اللافت أن موقف الحكومة غير واضح. وحسب الخبير الاقتصادي إبراهيم زين الدين من المفترض أن تقرّر الحكومة ما تريد فعله، هل تريد تأهيل المطار الحالي؟ ومَن سيقوم بذلك؟ أم أنها ذاهبة إلى بناء مطار جديد بمواصفات المطارات العالمية؟ حتى اللحظة تناور الحكومة على الأمرين، وهذا يُعدّ ضعفاً في اتّخاذ القرار، وعدم قدرة على معرفة المطلوب. ويتابع زين الدين في حديثه لــ (صُوَر) أخطر ما يتعرّض له الاقتصاد هو غياب الرؤية والأهداف، والواضح أن الحكومة الحالية تعمل كحكومة تصريف أعمال لاتمتلك القرار، ولا يوجد لديها نهج اقتصادي ورؤية استثمارية وموقف تجاه العملية التنموية، كما أنها لاتمتلك المال اللازم للبناء أو إعادة التأهيل، وما عدا ذلك ربما تكون حكومة مغلوبةً على أمرها.

 

منتصف العصا

 

تعاملت الحكومة مع قضية المطار بوجهين مختلفين، الأوّل إعادة التأهيل، والثاني الرغبة ببناء مطار جديد. إذ أنها وضمن بروتوكول اجتماعات الدورة الـحادية عشرة للجنة المشتركة السوريّة الروسيّة المنعقدة في كانون الأول 2018 ناقشت تأهيل مطارَي دمشق وحلب، وكان الجانب الروسي خلال المباحثات الفنّية المنعقدة بدمشق في تشرين الثاني 2018، عرض إعادة تأهيل المطارين وفق نظام (BOT). وهذا ما أكّدته وسائل إعلام روسيّة آنذاك. لكن حساسية المطار كمرفق سياديّ دفع بالحكومة إلى مسك العصا من منتصفها، فهي تارة تتحدّث عن طرحه للاستثمار، وتارة أخرى تعقد العزم على إعادة تأهيله محلّياً. وهو برأي الخبير زين الدين موقف ناجم عن ردّة فعل الشارع الرافض للاستثمار، وعدم وجود عروضات ثمينة مقنعة استثمارياً ومالياً حتى الآن.

 

قصّة المطار

 

دفعت الحكومة جهودها باتّجاه طمأنة الشارع السوريّ بأنها ماضية قُدُماً في اتّجاه معالجة مشكلات مطار دمشق الدوليّ الذي يقع جنوب شرق دمشق، وراحت تبثّ الأخبار تباعاً عن رغباتها في هذا الشأن، قبل أن تنقلب على كل ذلك، وتنفض يديها من إصلاح المطار وإعادة تأهيله، ورمي الكرة في ملعب الاستثمار. وما جرى خلال العامين المنصرمين يوضح قطعيّاً أن وزارة النقل والحكومة لا تنقلان ما يحدث للمواطن السوريّ في هذا الشأن، بل ثمّة تناقضات صارخة بين ردّ وزارة النقل الذي اكتفى بنفي الموافقة لشركات روسية على استثمار المطار، وسلسلة مباحثات جرت بهذا الخصوص.

 

 

حكاية بيع الوهم

 

طلب مجلس الوزراء في تموز 2017 خلال جلسة للمجلس من وزارة النقل إعداد دراسة لمشروع إحداث مطار جديد بدمشق. وبشكل سريع كلّف وزير النقل في اجتماع في 10 تموز 2017 المؤسّسة العامة للطيران المدنيّ بالتعاقد مع شركة متخصّصة لدراسة إنشاء صالة ركّاب جديدة في المطار وتوسيعه. هذا التناقض لم يكُ وليد اللحظة، بل هو إعادة خلط الأوراق، ورمي طعم استثماريّ مُغْرٍ لمستثمر مفترَض. انتهى 2017 عند هذا الحدّ، ليعلن وزير النقل علي حمود في نيسان 2018 أن وزارته بصدد إقرار موقع جديد للمطار بعد أن اختارت هيئة التخطيط الإقليميّ موقعين جديدين. ووافقت وزارة النقل مطلع العام الجاري على خطّة لتطوير وإعادة تأهيل المطار بكلفة 3.1 مليار ليرة. كما أجرى وزير النقل في 15 كانون الثاني المنصرم مباحثات مع وفد من حزب روسيا الموحّدة، الذي ضمّ مديري الشركات المهتمّة بالمطارات، شملت مشاركة الشركات الروسيّة في أعمال تطوير بنية  المطارات المدنية. وصرّح عضو الوفد وعضو مجلس الدوما ديمتري بيليك أن "مستثمرين من بلاده ينظرون في المشاركة في أعمال تطوير مطار دمشق الدولي". لكنّ النقطة المفصليّة جاءت في تصريح لوزير النقل حمود في 23 كانون الثاني الماضي بأن وزارته تلقّت عرضاً من مستثمرين روس لتوسيع مطار دمشق الدوليّ. وهذا يتناقض كلّياً مع ماورد في ردّ وزارة النقل الذي نفت فيه وجود مفاوضات لاستثمار المطار المدنيّ الأوّل في البلاد. لكنّ مدير المطار نضال محمد كان قد صرّح لاذاعة محلّية سوريّة "بأن الشركات الروسيّة حصلت على معطيات عن المطار من أجل استثماره".

 

المفاوضات غير معطّلة

 

هذا السرد الموثّق ينسف ردّ وزارة النقل التي تحدّثت فيه عن عدم وجود أية مفاوضات حول استثمار المطار، وقالت فيه "إنه حتى تاريخه (20 أيار)، لا يوجد أي مفاوضات حول استثمار مطار دمشق الدوليّ أو غيره من المطارات السوريّة المدنيّة من قِبَل أي جهة كانت". فيما الجانب الروسيّ قدّم عروضه، وحصل على معلومات تتطلّبها عملية الاستثمار وتقديم العرض. وتفيد مصادر خاصة لـ (صُوَر) أن مفاوضات استثمار المطار غير معطّلة، لكنّ الحكومة تدرس خيارات متعدّدة، وهي بذلك انتقلت من مرحلة إقرار إمكانيّة طرح المطار على الاستثمار إلى دراسة عروض بعينها، وهي حتى الآن روسيّة ـ أو انتظار عروض أخرى لاسيّما الإيرانية التي تستحوذ على المطار منذ أكثر من خمس سنوات.

 

المزاد المُنتظَر

 

يشكّل مطار دمشق الدوليّ علامة فارقة بالنسبة للاقتصاد السوريّ، فضلاً عن كونه مرفقاً سياديّاً بحتاً. وإذ يرى الشارع السوريّ أن طرح المطار على الاستثمار بعد ميناء طرطوس "تفريطاً" غير مقبول بحقوق وطنية، تمضي الحكومة في موقفها إلى الأمام، وهي من خلال ردّها الغامض على تساؤلات الشارع، تبنّت دعوة صريحة، وموقفاً واضحاً برغبة عارمة في طرح المطار على الاستثمار، كونه أقصر الطرق لاعادة تشغيل المنشآت السوريّة، وربما بدأت تظهر أثمان أوّلية لمرحلة ما بعد الحرب. وهناك من ينتظر سماع صوت منظّم المزاد ينادي "ألا أونا.. ألا دو.. ألا تريه" ويعلن اسم صاحب الحقّ باستثمار مطار دمشق الدوليّ.

 



12 حزيران 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة